ثم قال تعالى : { يتوارى من القوم من سوء } أي يختفي ويتغيب من سوء ما بشر به ، قال المفسرون : كان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته توارى واختفى عن القوم إلى أن يعلم ما يولد له فإن كان ذكرا ابتهج به ، وإن كان أنثى حزن ولم يظهر للناس أياما يدبر فيها أنه ماذا يصنع بها ؟ وهو قوله : { أيمسكه على هون أم يدسه في التراب } والمعنى : أيحبسه ؟ والإمساك ههنا بمعنى الحبس كقوله : { أمسك عليك زوجك } وإنما قال : { أيمسكه } ذكره بضمير الذكران لأن هذا الضمير عائد على « ما » في قوله : { ما بشر به } والهون الهوان قال النضر بن شميل يقال إنه أهون عليه هونا وهوانا ، وأهنته هونا وهوانا ، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله ؛ { عذاب الهون } وفي أن هذا الهون صفة من ؟ قولان : الأول : أنه صفة المولودة ، ومعناه أنه يمسكها عن هون منه لها . والثاني : قال عطاء عن ابن عباس : أنه صفة للأب ، ومعناه أنه يمسكها مع الرضا بهوان نفسه وعلى رغم أنفه .
ثم قال : { أم يدسه في التراب } والدس إخفاء في الشيء . يروى أن العرب كانوا يحفرون حفيرة ويجعلونها فيها حتى تموت . وروي عن قيس بن عاصم أنه قال : يا رسول الله إني واريت ثماني بنات في الجاهلية فقال عليه السلام : « أعتق عن كل واحدة منهن رقبة » فقال : يا نبي الله إني ذو إبل ، فقال : « أهد عن كل واحدة منهن هديا » وروي أن رجلا قال يا رسول الله : ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت ، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها إلي فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر فألقيتها فيه ، فقالت : يا أبت قتلتني ، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء ، فقال عليه السلام :« ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما كان في الإسلام يهدمه الاستغفار » واعلم أنهم كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت ، ومنهم من يرميها من شاهق جبل ، ومنهم من يغرقها ومنهم من يذبحها ، وهم كانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية ، وتارة خوفا من الفقر والفاقة ولزوم النفقة ، ثم إنه قال : { ألا ساء ما يحكمون } وذلك لأنهم بلغوا في الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات ، فأولها : أنه يسود وجهه . وثانيها : أنه يختفي عن القوم من شدة نفرته عن البنت ، وثالثها : أن الولد محبوب بحسب الطبيعة ، ثم إنه بسبب شدة نفرته عنها يقدم على قتلها ، وذلك يدل على أن النفرة عن البنت والاستنكاف عنها قد بلغ مبلغا لا يزداد عليه . إذا ثبت هذا فالشيء الذي بلغ الاستنكاف عنه إلى هذا الحد العظيم كيف يليق بالعاقل أن ينسبه لإله العالم المقدس المتعالي عن مشابهة جميع المخلوقات ؟ ونظير هذه الآية قوله تعالى : { ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى } .
المسألة الثانية : قال القاضي : هذه الآية تدل على بطلان الخبر ، لأنهم يضيفون إلى الله تعالى من الظلم والفواحش ما إذا أضيف إلى أحدهم أجهد نفسه في البراءة منه والتباعد عنه ، فحكمهم في ذلك مشابه لحكم هؤلاء المشركين ، ثم قال : بل أعظم ، لأن إضافة البنات إليه إضافة قبح واحد ، وذلك أسهل من إضافة كل القبائح والفواحش إلى الله تعالى . فيقال للقاضي ، إنه لما ثبت بالدليل استحالة الصاحبة والولد على الله تعالى أردفه الله بذكر هذا الوجه الاقناعي ، وإلا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح من الله تعالى . ألا ترى أن رجلا زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن ثم بالغ في تقوية الشهوة فيهم وفيهن ، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالإتفاق حسن من الله تعالى وقبيح من كل الخلق ، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبينة على العرف ، إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية ، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله ، فلا جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية . أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية القاطعة أن خالقها هو الله تعالى ، فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر لولا شدة التعصب ؟ والله أعلم .
{ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم*يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون } .
البشارة : في أصل اللغة إلقاء الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه ، ويكون في السرور والحزن ، فهو حقيقة في كل منهما ، وعلى هذا جاءت الآية ، ثم خص في عرف اللغة بالخبر السار ، يقال لمن لقي مكروها : قد اسودّ وجهه غما وحزنا ، ولمن ناله الفرح والسرور : استنار وجهه وأشرق .
الكظيم : الممتلئ غما وحزنا ، والكظم مخرج النفس ، يقال : أخذ بكظمه ؛ إذا أخذ بمخرج نفسه ، ومنه كظم غيظه أي : حبسه عن الوصول إلى مخرج النفس .
يتوارى : يستخفي ، وقد كان من عادتهم في الجاهلية ، أن يتوارى الرجل حين ظهور آثار الطلق بامرأته ، فإن أخبر بذكر ابتهج ، وإن أخبر بأنثى حزن ، وبقي متواريا أياما يدبر فيها ما يصنع .
يمسكه : يحبسه ، كقوله تعالى : { أمسك عليك زوجك } . ( الأحزاب : 37 ) .
-{ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم*يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون } .
تحكي هذه الآيات جانبا من رذائل بعض القبائل العربية ، التي كثر بينها الحرب والغارة والقتال ، والعدوان ودفع العدوان والثأر ، فأكلت الحرب رجالهم وأموالهم ، وكانوا لا يهنئون إلا بثلاثة أشياء ، شاعر ينبغ ، أو ذكر يولد ، أو فرس تنتج ، وكلها عدة الحرب .
فالشاعر يمدح قبيلته ويتغنى بأمجادها ، ويهجو أعداءها ، والولد الذكر عدة الحرب والغارة ، في بلد لا سلطان فيه ولا قانون ، وإنما السيف هو السلطان والقانون ، والفرس : هو الخيل التي أقسم الله بها في كتابه ، وكانت عدة الحرب في الجاهلية والإسلام .
كانت بعض القبائل العربية تكره ولادة الأنثى ، وقد وصف القرآن ذلك أبلغ وصف ، وعبر عنه أقوى تعبير : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم . . . } .
فإذا علم أحد هؤلاء المشركين أنه ولد له أنثى ؛ ظل وجهه كئيبا حزينا ، مسودا من الهم ، ممتلئا غيظا وحنقا ، من شدة ما هو فيه من الحزن .
{ يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب . . . } .
فهو يختفي عن القوم حياء وخجلا ، وحزنا وكمدا ؛ من أجل أن زوجته ولدت له أنثى ، ولم تلد له ذكرا ، ويدور بخلده أحد أمرين :
1 إما أن يمسكها ويبقيها على قيد الحياة ، لكن بقاء ذلة وهوان ، فلا يورّثها ويعنى بها ، بل يفضل الذكور عليها .
2- وإما أن يدفنها في التراب ، وهي على قيد الحياة ، فيقتلها دون أن ترتكب ذنبا أو إثما ، قال تعالى : { وإذا الموءودة سئلت*بأي ذنب قتلت } ( التكوير : 9 ، 8 ) .
{ ألا ساء ما يحكمون } . أي : بئس الحكم حكمهم ، وبئس الفعل فعلهم ؛ حيث نسبوا البنات إلى الله ، وظلموهن ظلما شنيعا ، حيث كرهوا وجودهن ، وأقدموا على قتلهن ، بدون ذنب أو ما يشبه الذنب .
وصدّر سبحانه هذا الحكم العادل عليهم ، بحرف ألا الاستفتاحية ؛ لتأكيد هذا الحكم ، ولتحقيق أن ما أقدموا عليه ، إنما هو جور عظيم ، قد تمالئوا عليه بسبب جهلهم الفاضح ، وتفكيرهم السيئ .
وأسند سبحانه الحكم إلى جميعهم ، مع أن من فعل هذا كان بعضا منهم ؛ لأن ترك هذا البعض يفعل ذلك الفعل القبيح ، وهذا الترك هو في ذاته جريمة يستحق عليها الجميع العقوبة ؛ لأن سكوتهم على هذا الفعل مع قدرتهم على منعه يعتبر رضا به . 38 .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.