قوله تعالى{ ولا تجعلوا الله عرضة لإيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين النالس والله سميع عليم } .
والمفسرون أكثروا من الكلام في هذه الآية ، وأجود ما ذكروه وجهان الأول : وهو الذي ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، وهو الأحسن أن قوله : { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } نهى عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به ، لأن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له يقول الرجل : قد جعلتني عرضة للومك ، وقال الشاعر :
ولا تجعلني عرضة للوائم *** . . .
وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله : { ولا تطع كل حلاف مهين } وقال تعالى : { واحفظوا أيمانكم } والعرب كانوا يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف ، كما قال كثير :
قليل الألا يا حافظ ليمينه *** وإن سبقت منه الألية برت
والحكمة في الأمر بتقليل الإيمان أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع ، فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة ، فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين ، وأيضا كلما كان الإنسان أكثر تعظيما لله تعالى كان أكمل في العبودية ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية .
وأما قوله تعالى بعد ذلك : { أن تبروا } فهو علة لهذا النهي ، فقوله : { أن تبروا } أي إرادة أن تبروا ، والمعنى : إنما نهيتكم عن هذا لما أن توفي ذلك من البر والتقوى والإصلاح ، فتكونون يا معشر المؤمنين بررة أتقياء مصلحين في الأرض غير مفسدين .
فإن قيل : وكيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى والإصلاح بين الناس ؟ .
قلنا : لأن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تعالى أجل وأعظم أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا وخسائس مطالب الحفل ، فلا شك أن هذا من أعظم أبواب البر وأما معنى التقوى فظاهر أنه اتقى أن يصدر منه ما يخل بتعظيم الله ، وأما الإصلاح بين الناس فمتى اعتقدوا في صدق لهجته ، وبعده عن الأغراض الفاسدة فيقبلون قوله فيحصل الصلح بتوسطه .
التأويل الثاني : قالوا : العرضة عبارة عن المانع ، والدليل على صحة هذه اللغة أنه يقال : أردت أفعل كذا فعرض لي أمر كذا ، واعترض أي تحامى ذلك فمنعني منه ، واشتقاقها من الشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانعا للناس من السلوك والمرور ويقال : اعترض فلان على كلام فلان ، وجعل كلامه معارضا لكلام آخر ، أي ذكر ما يمنعه من تثبيت كلامه ، إذا عرفت أصل الإشتقاق فالعرضة فعلة بمعنى المفعول ، كالقبضة ، والغرفة ، فيكون اسما لما يجعل معرضا دون الشيء ، ومانعا منه ، فثبت أن العرضة عبارة عن المانع ، وأما اللام في قوله : { لإيمانكم } فهو للتعليل .
إذا عرفت هذا فنقول : تقدير الآية : ولا تجعلوا ذكر الله مانعا بسبب أيمانكم من أن تبروا أو في أن تبروا ، فأسقط حرف الجر لعدم الحاجة إليه بسبب ظهوره ، قالوا : وسبب نزول الآية أن الرجل كان يحلف على ترك الخيرات من صلة الرحم ، أو إصلاح ذات البين ، أو إحسان إلى أحد أدعيائه ثم يقول : أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل : لا تجعلوا ذكر الله مانعا بسبب هذه الأيمان عن فعل البر والتقوى هذا أجود ما ذكره المفسرون وقد طولوا في كلمات أخر ، ولكن لا فائدة فيها فتركناها ، ثم قال في آخر الآية : { والله سميع عليم } أي : إن حلفتم يسمع ، وإن تركتم الحلف تعظيما لله وإجلالا له من أن يستشهد باسمه الكريم في الأغراض العاجلة فهو عليم عالم بما في قلوبكم ونيتكم .
{ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم( 224 ) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم ( 225 ) للذين يؤولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءو فإن الله غفور رحيم( 226 ) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم( 227 ) }
عرضة : عرض يتصرف على معان مرجعها إلى المنع لأن كل شيء اعترض فقد منع ، ويقال للسحاب : عارض لأنه من رؤية السماء والشمس والقمر والكواكب . والعرضة كالغرفة المانع المعترض دون شيء .
الأيمان : الأمور المحلوف عليها .
الطلاق : هم حل عقد النكاح الذي بين الرجل والمرأة . وأصله من الانطلاق وهو الذهاب يقال طلقت المرأة تطلق ن باب نصر طلاقا ، إذا أصبحت مخلاة بدون رجل بعد أن كانت في عصمت رجل معين .
لا تجعلوا الحلف بالله حاجزا بينكم وبين فعل الخير والبر والتقوى والإصلاح بين الناس .
{ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم }
لا تجعلوا الحلف بالله حاجزا ومانعا عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس . والله سميع لما تلفظون به عالم بأيمانكم فلا ينبغي أن يكون الحلف بالله مانعا عن عمل الخير فالله لا يرضى أن يكون اسمه حجاجا دون خير .
فكثيرا ما يسرع الإنسان إلى الحلف بألا يفعل كذا ويكون خيرا ، وأن يفعل كذا ويكون شرا فنهانا الله عن ذلك وأمرنا بتحري وجوه الخير .
فإذا حلف الإنسان على ترك الخير ، فليفعل الخير وليكفر عن يمينه ولا يجعل اليمين مانعة له من المعروف .
قال ابن عباس : لا تجعل الله عرضة ليمينك ألا تصنع الخير ، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير .
روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير " ( 216 ) .
والآية توحي بالإقلال من الحلف حتى لا يتعود عليه اللسان ، وقد ذم الله المكثرين من الحلف فقال : ولا تطع كلل حلاف مهين . ( القلم : 10 ) .
قال الإمام الرازي : والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان أم من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع . فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة ، فيختل ما هو الغرض في اليمين .
وأيضا كلما كان الإنسان أكثر تعظيما لله ، كان أكمل في العبودية ، ومن كمال العبودية التعظيم ، وأن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في كل غرض دنيوي ، وأما قوله بعد ذلك " أن تبروا " فهو علة لهذا الشيء أي إرادة أن تبروا ، والمعنى إنما نهيتم عن هذا أي عن الإكثار من الحلف لما أن توقى ذلك من البر والتقوى والإصلاح ، فتكونوا يا معشر المؤمنين بسبب عدم إكثاركم من الأيمان بررة أتقياء مصلحين . " 217 )
قال القرطبي وابن جرير الطبري وغيرهم :
نزلت في أبى بكر الصديق رضي الله عنه إذا حلف ألا ينفق على مسطح ابن خالته وكان من الفقراء المهاجرين ، وكان أبو بكر يعطف عليه ويرعنه ثم شارك مسطح في الحديث الإفك وروج الكلام في اتهام السيدة عائشة رضي الله عنها ، فأقسم أبو بكر ألا يبر مسطحا فريبة فأنزل الله هذه الآية . وأنزل أيضا في شأن حديث الإفك ثلاث عشر آية في سورة النور منها قوله تعالى :
{ ولا يأتل ألوا الفضل منكم والسعة أن يأتوا أولوا القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم }( النور : 22 ) .
فقال أبو بكر لما سمع هذه الآية : بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي . ورجع عن يمينه وكفر عنها . وأجرى على مسطح ما كان ينفقه عليه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.