قوله تعالى : { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون } .
المسألة الأولى : اختلفوا في المراد من رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض فقال ابن زيد : المراد أنه لا حرج عليهم ولا إثم في ترك الجهاد ، وقال الحسن نزلت الآية في ابن أم مكتوم وضع الله الجهاد عنه وكان أعمى وهذا القول ضعيف لأنه تعالى عطف عليه قوله : { أن تأكلوا } فنبه بذلك على أنه إنما رفع الحرج في ذلك ، وقال الأكثرون المراد منه أن القوم كانوا يحظرون الأكل مع هؤلاء الثلاثة وفي هذه المنازل ، فالله تعالى رفع ذلك الحظر وأزاله ، واختلفوا في أنهم لأي سبب اعتقدوا ذلك الحظر ، أما في حق الأعمى والأعرج والمريض فذكروا فيه وجوها . أحدها : أنهم كانوا لا يأكلون مع الأعمى لأنه لا يبصر الطعام الجيد فلا يأخذه ، ولا مع الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس فإلى أن يأكل لقمة يأكل غيره لقمتين ، وكذا المريض لأنه لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الصحيح ، قال الفراء : فعلى هذا التأويل تكون ( على ) بمعنى في يعني ليس عليكم في مواكلة هؤلاء حرج . وثانيها : أن العميان والعرجان والمرضى تركوا مواكلة الأصحاء ، أما الأعمى فقال إني لا أرى شيئا فربما آخذ الأجود وأترك الأردأ ، وأما الأعرج والمريض فخافا أن يفسدا الطعام على الأصحاء لأمور تعتري المرضى ، ولأجل أن الأصحاء يتكرهون منهم ولأجل أن المريض ربما حمله الشره على أن يتعلق نظره وقلبه بلقمة الغير ، وذلك مما يكرهه ذلك الغير فلهذه الأسباب احترزوا عن مواكلة الأصحاء ، فالله تعالى أطلق لهم في ذلك . وثالثها : روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله في هذه الآية أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يسلمون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا فكانوا يتحرجون من ذلك قالوا لا ندخلها وهم غائبون ، فنزلت هذه الآية رخصة لهم وهذا قول عائشة رضي الله عنها فعلى هذا معنى الآية نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج إلى الغزو . ورابعها : نقل عن ابن عباس ومقاتل بن حيان نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو وذلك أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا وخلف بن مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ، وأما في حق سائر الناس فذكروا وجهين : الأول : كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وقراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها ، فلما نزل قوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة } أي بيعا فعند ذلك امتنع الناس أن يأكل بعضهم من طعام بعض فنزلت هذه الآية . الثاني : قال قتادة : كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا ، قال السدي كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو أخته فتتحفه المرأة بشيء من الطعام فيتحرج ، لأنه ليس ثم رب البيت . فأنزل الله تعالى هذه الرخصة .
المسألة الثانية : قال الزجاج الحرج في اللغة الضيق ومعناه في الدين الإثم .
المسألة الثالثة : أنه سبحانه أباح الأكل للناس من هذه المواضع وظاهر الآية يدل على أن إباحة الأكل لا تتوقف على الاستئذان ، واختلف العلماء فيه فنقل عن قتادة أن الأكل مباح ولكن لا يجمل ، وجمهور العلماء أنكروا ذلك ثم اختلفوا على وجوه . الأول : كان ذلك في صدر الإسلام ، ثم نسخ لك بقوله عليه الصلاة والسلام : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه » ومما يدل على هذا النسخ قوله : { لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه } وكان في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من لهن الآباء والإخوة والأخوات ، فعم بالنهي عن ذهول بيوتهن إلا بعد الإذن في الدخول وفي الأكل ، فإن قيل إنما أذن تعالى في هذا لأن المسلمين لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن يأكلوا من بيوتهم حضروا أو غابوا ، فجاز أن يرخص في ذلك ، قلنا لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص هؤلاء الأقارب بالذكر معنى لأن غيرهم كهم في ذلك . الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني : المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم يكونوا مؤمنين ، وذلك لأنه تعالى نهى من قبل عن مخالطتهم بقوله : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله } ثم إنه سبحانه أباح في هذه الآية ما حظره هناك ، قال ويدل عليه أن في هذه السورة أمر بالتسليم على أهل البيوت فقال : { حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } وفي بيوت هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك ، بل أمر أن يسلموا على أنفسهم ، والحاصل أن المقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة ، لا إثبات الإباحة في جميع الأوقات . الثالث : أنه لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك ، فيجوز أن يقال خصهم الله بالذكر ، لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق ، ولما علمنا أن هذه الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا فيها ، فلا حاجة إلى القول بالنسخ .
المسألة الرابعة : أن الله تعالى ذكر أحد عشر موضعا في هذه الآية أولها : قوله : { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } وفيه سؤال وهو أن يقال أي فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه في بيته ؟ وجوابه المراد في بيوت أزواجكم وعيالكم أضافه إليهم ، لأن بيت المرأة كبيت الزوج ، وهذا قول الفراء . وقال ابن قتيبة : أراد بيوت أولادهم فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء لأن الولد كسب والده وماله كماله ، قال عليه السلام : «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه » والدليل على هذا أنه سبحانه وتعالى عدد الأقارب ولم يذكر الأولاد لأنه إذا كان سبب الرخصة هو القرابة كان الذي هو أقرب منهم أولى . وثانيها : بيوت الآباء . وثالثها : بيوت الأمهات . ورابعها : بيوت الإخوان . وخامسها : بيوت الأخوات . وسادسها : بيوت الأعمام . وسابعها : بيوت العمات . وثامنها : بيوت الأخوال . وتاسعها : بيوت الخالات . وعاشرها : قوله تعالى : { أو ما ملكتم مفاتحه } وقرئ ( مفتاحه ) وفيه وجوه . الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ، ويشرب من لبن ماشيته ، وملك المفاتح كونها في يده وفي حفظه . الثاني : قال الضحاك : يريد الزمني الذين كانوا يحرسون للغزاة . الثالث : المراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه قال الفضل المفاتح واحدها مفتح بفتح الميم ، وواحد المفاتيح مفتح بالكسر . الحادي عشر : قوله : { أو صديقكم } والمعنى أو بيوت أصدقائكم ، والصديق يكون واحدا وجمعا ، وكذلك الخليط والقطين والعد{[12]} ويحكى عن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد أخرجوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون ، فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك وقال هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الصديق أكثر من الوالدين ، لأن أهل جهنم لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات بل بالأصدقاء ، فقالوا ما لنا من شافعين ولا صديق حميم ، وحكي أن أخا للربيع بن خيثم في الله دخل منزله في حال غيبته فانبسط إلى جاريته حتى قدمت إليه ما أكل ، فلما عاد أخبرته بذلك ، فلسروره بذلك قال إن صدقت فأنت حرة .
المسألة الخامسة : احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع لإباحة الله تعالى لهم بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم ، فلا يكون ماله محرزا منهم ، فإن قيل فيلزم أن لا يقطع إذا سرق من مال صديقه ، قلنا من أراد سرقة ماله لا يكون صديقا له .
أما قوله تعالى : { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } فقال أكثر المفسرين : نزلت الآية في بني ليث بن عمرو وهم حي من كنانة ، كان الرجل منهم لا يأكل وحده يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئا ، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه ، فأعلم الله تعالى أن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه ، هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال عكرمة وأبو صالح رحمهما الله : كانت الأنصار إذا نزل بواحد منهم ضيف لم يأكل إلا وضيفه معه ، فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين ومتفرقين . وقال الكلبي : كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاما عزلوا للأعمى طعاما على حدة ، وكذلك للزمن والمريض ، فبين الله لهم أن ذلك غير واجب ، وقال آخرون : كانوا يأكلون فرادى خوفا من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذي ، فبين الله تعالى أنه غير واجب وقوله : { جميعا } نصب على الحال { وأشتاتا } جمع شت وشتى جمع شتيت وشتان تثنية شت قاله المفضل وقيل الشت مصدر بمعنى التفرق ثم يوصف به ويجمع .
أما قوله تعالى : { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } فالمعنى أنه تعالى جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة على مثال قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } قال ابن عباس : فإن لم يكن أحد فعلى نفسه ليقل السلام علينا من قبل ربنا ، وإذا دخل المسجد فليقل السلام على رسول الله وعلينا من ربنا . قال قتادة : وحدثنا أن الملائكة ترد عليه . قال القفال : وإن كان في البيت أهل الذمة فليقل السلام على من اتبع الهدى وقوله { تحية } نصب على المصدر ، كأنه قال : فحيوا تحية من عند الله ، أي مما أمركم الله به . قال ابن عباس رضي الله عنهما : من قال السلام عليكم معناه اسم الله عليكم وقوله : { مباركة طيبة } قال الضحاك : معنى البركة فيه تضعيف الثواب وقال الزجاج : أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك ثابت لما فيه من الأجر والثواب وأنه إذا أطاع الله فيه أكثر خيره وأجزل أجره { كذلك يبين الله لكم الآيات } أي يفصل الله شرائعه لكم { لعلكم تعقلون } لتفهموا عن الله أمره ونهيه ، وروى حميد عن أنس قال : «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لم فعلته ولا قال لي في شيء تركته لم تركته ، وكنت واقفا على رأس النبي صلى الله عليه وسلم أصب الماء على يديه فرفع رأسه إلي وقال : «ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بهن ؟ » قلت بأبي وأمي أنت يا رسول الله بلى ، فقال «من لقيت من أمتي فسلم عليهم يطل عمرك ، وإذا دخلت بيتا فسلم عليهم يكثر خير بيتك ، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين » .
{ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ( 61 ) } .
قال الحسن : أنزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم ، وضع الله عنه الجهاد ، وكان أعمى .
نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو ، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غازيا وخلف مالك بن زيد مع أهله ، فلما رجع وجده مجهودا ، فسأل عن حاله فقال : تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وهناك روايات أخرى في أسباب النزول تجدها في كتب التفسير ، وهي ما يعبر عنه بالسبب المباشر ، بيد أن ذلك لا يمنع أن تكون هناك أسباب عامة نزلت من أجلها الآية .
الأول : هذا الانقلاب الهائل الذي حدث في عقلية العرب بتعاليم القرآن الخلقية ، وجعل حسهم مرهفا في التمييز بين الحلال والحرام ، والجائز وغير الجائز ، حتى أنه لما نزل قوله تعالى : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ . . . ( البقرة : 188 ) . قال المسلمون : إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ، والطعام من أفضل الأموال ، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد ؛ فكف الناس عن ذلك ؛ فأنزل الله عز وجل : ليس على الأعمى حرج . . . إلى : أو ما ملكتم مفاتحه248 .
الثاني : اشتملت الآية على جزءين .
( أ ) رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض ، وغيرهم من المعذورين في التخلف عن الجهاد ، أو في الأكل من بيوت غيرهم .
( ب ) رفع الحرج عن سائر الناس في أكلهم من بيوت أقربائهم المذكورين في الآية .
61 - لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ . . . الآية .
الحرج : الضيق ، ومنه : الحرجة ، للشجر الملتف بعضه ببعض لضيق المسالك فيه ، والمراد بالحرج هنا : الإثم .
ما ملكتم مفاتحه : المفاتح : جمع مفتح أو مفتاح ، وملك المفتاح كناية عن كون الشيء تحت يد الشخص وتصرفه ، كأن يكون وكيلا عن رب المال ، أو أمينا وحافظا .
الصديق : من يصدق في مودتك وتصدق في مودته ، يطلق على الواحد والجمع ، كالخليط والعدو ، والمراد بالصديق هنا : الجمع .
أشتاتا : متفرقين ، واحدهم شتيت .
على أنفسكم : أي : على أهل البيوت .
تحية : أصل معنى التحية : طلب الحياة ، كأن يقول : حياك الله ، ثم توسع فيه فاستعمل في كل دعاء ، وتحية الإسلام : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أي : ليس على هؤلاء الثلاثة إثم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم . ونحو الآية قوله تعالى : لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ . . . ( التوبة : 91 ) .
وقوله عز شأنه : لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ . . . ( النساء : 95 ) .
وعن ابن عباس : أن المراد من الحرج المنفي في الآية : الحرج في الأكل ، ذلك أنه لما نزل قوله تعالى : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ . . . ( البقرة : 188 ) ، تحرج المسلمون من مؤاكلة الأعمى لأنه لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والأعرج لأنه لا يستطيع المزاحمة على الطعام ، والمريض لأنه لا يستطيع استيفاء الطعام ؛ فأنزل الله هذه الآية ، والمعنى على هذه الرواية : ليس في مؤاكلة الأعمى ولا ما بعده حرج .
وقيل : كانوا يخرجون إلى الغزو ، ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ، ويدفعون إليهم المفاتيح ، ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم فكانوا يتحرجون ، فقيل : ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه ، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت .
هذا بعض ما ذكر المفسرون ، ولا يخفى صدق الآية على جميع ذلك ونفي الحرج عنه كله .
وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ . . .
إنما ذكر هذا وهو معلوم ليعطف عليه غيره في اللفظ ، وليساوى به ما بعده في الحكم ، وتضمن هذا بيوت الأبناء لأنه لم ينص عليهم ، وقد استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه ، وقد جاء في المسند والسنن من غير وجه ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( أنت ومالك لأبيك )249 .
وقال الترمذي الحكيم : ووجه قوله تعالى : وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ . . . كأنه يقول : مساكنكم التي فيها أهاليكم وأولادكم ، فيكون للأهل والولد هناك شيء قد أفادهم هذا الرجل الذي له المسكن ، فليس عليه حرج أن يأكل معهم من ذلك القوت ، أو يكون للزوجة والولد هناك شيء من ملكهم فليس عليه ي ذلك حرج250 .
أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ . . .
لما علم بالعادة أن هؤلاء تطيب نفوسهم بأكل من يدخل عليهم من الأقارب . وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض ، كما هو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل في المشهور عنهما .
ولأن الآية آية تشريع ، فإنا نلحظ فيها دقة الأداء اللفظي ، والترتيب الموضوعي ، والصياغة التي لا تدع مجالا للشك والغموض ، كما نلمح فيها ترتيب القرابات ، فهي تبدأ ببيوت الأبناء والأزواج ولا تذكرهم ، بل تقول الآية : من بيوتكم ، فيدخل فيها بيت الابن وبيت الزوج ، فبيت الابن بيت لأبيه ، وبيت الزوج بيت لزوجته ، وتليها بيوت الآباء ، فبيوت الأمهات ، فبيوت الإخوة ، فبيوت الأخوات ، فبيوت الأعمام ، فبيوت العمات ، فبيوت الأخوال ، فبيوت الخالات251 .
أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ . . .
عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ، فلا حرج عليه أن يأكل من ثمر الضيعة ، ويشرب من لبن الماشية ، ولكن لا يحمل ولا يدخر ، قال سعيد بن جبير ، والسدي : هو خادم الرجل من عبد وقهرمان ، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف .
وقال الزهري : عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : كان المسلمون يذهبون مع النفير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم ، ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه ، فكانوا يقولون : إنه لا يحل لنا أن نأكل ، إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم ، وإنما نحن أمناء : فأنزل الله : أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ . . .
أي : بيوت أصدقائكم وأصحابكم ، فلا جناح عليكم في الأكل منها إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم ولا يكرهونه .
قال قتادة : إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه .
وقال جماعة من المفسرين : إنما كان ذلك في صدر الإسلام ، ثم نسخ ، واستقرت الشريعة على أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا برضاه .
هذا شيء قد انقطع ، إنما كان في أوله ولم يكن لهم ستور أبواب ، أو كانت الستور مرخاة . فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد ، وربما وجد الطعام وهو جائع ، فسوغ له أن يأكل منه ، ثم قال : ذهب ذلك اليوم . البيوت فيها أهلها ، فإذا خرجوا أغلقوها252 .
والصحيح الذي عليه المعول في دفع التعارض بين النصوص : أن إباحة الأكل من هذه البيوت مقيدة ومشروطة بما إذا علم الآكل رضا صاحب المال ، بإذن صريح أو قرينة ، فإذا دل ظاهر الحال على رضا المالك ؛ قام ذلك مقام الإذن الصريح253 .
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا . . .
أي : لا حرج عليكم أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين ، فقد كان من عادات بعضهم في الجاهلية ألا يأكل طعاما على انفراد ، فإن لم يجد من يؤاكله عاف الطعام .
قيل : إنها نزلت في بني ليث بن بكر ، وهم حي من كنانة ، كان الرجل منهم لا يأكل وحده ، ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله ، ومنه قول بعض الشعراء :
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له *** أكيلا فإني لست آكله وحدي
قال ابن عطية : وكانت هذه السيرة موروثة عندهم عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم فإنه كان لا يأكل وحده254 .
وروى أن قوما من الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم255 ولو ترتب على ذلك لحوق الضرر بهم وتعطيل مصالحهم ، فنزلت الآية الكريمة لنفي الجناح عن الناس في أكلهم مجتمعين أو متفرقين ، وتوسيع الأمر عليهم في ذلك ، وبيان أن أمر الطعام ليس من العظم بحيث يحتاط فيه إلى هذا الحد ، وتراعى فيه الاعتبارات الدقيقة المعنتة256 .
فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ . . .
أي : فإذا دخلتم بيتا من هذه البيوت فليسلم بعضكم على بعض . وفي الآية تعبير لطيف عن قوة الرابطة بين المذكورين ، فالذي يسلم منهم على قريبه أو صديقه يسلم على نفسه .
تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً . . .
أي : حيوا تحية ثابتة بأمره تعالى ، مشروعة من لدنه ، يرجى بها زيادة الخير والثواب ، ويطيب بها قلب المستمع .
أخرج البخاري وغيره ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم ، تحية من عند الله مباركة طيبة )257 .
وأخرج الحافظ البزار ، عن أنس بن مالك قال : أوصاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخمس خصال قال : ( يا أنس ، أسبغ الوضوء يزد في عمرك ، وسلم على من لقيت من أمتي تكثر حسناتك ، وإذا دخلت – يعني : بيتك – فسلم على أهلك يكثر خير بيتك ، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك ، يا أنس ، ارحم الصغير ، ووقر الكبير تكن من رفقائي يوم القيامة )258 .
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون .
بين الله لكم معالم دينكم ، كما فصل لكم في هذه السورة الكريمة من الأحكام المحكمة ، والشرائع المتقنة المبرمة ؛ لكي تفقهوا أمره ونهيه وأدبه ، وتأخذوا بأسباب السيادة ، وتدركوا ما في المنهج الإلهي من حكمة وتقدير .