مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا} (5)

ثم بين الهداية وقال : { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آبائهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما }

قوله تعالى : { ادعوهم لآبائهم } أرشد وقال : { هو أقسط عند الله } أي أعدل فإنه وضع الشيء في موضعه وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون ترك الإضافة للعموم أي أعدل كل كلام كقول القائل الله أكبر وثانيهما : أن يكون ما تقدم منويا كأنه قال ذلك أقسط من قولكم هو ابن فلان ثم تمم الإرشاد وقال : { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } يعني قولوا لهم إخواننا وأخو فلان فإن كانوا محررين فقولوا مولى فلان ، ثم قال تعالى : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } يعني قول القائل لغيره يا بني بطريق الشفقة ، وقول القائل لغيره يا أبي بطريق التعظيم ، فإنه مثل الخطأ ألا ترى أن اللغو في اليمين مثل الخطأ وسبق اللسان فكذلك سبق اللسان في قول القائل ابني والسهو في قوله ابني من غير قصد إلى إثبات النسب سواء ، وقوله : { ولكن ما تعمدت قلوبكم } مبتدأ خبره محذوف يدل عليه ما سبق وهو الجناح يعني ما تعمدت قلوبكم فيه جناح { وكان الله غفورا رحيما } يغفر الذنوب ويرحم المذنب وقد ذكرنا كلاما شافيا في المغفرة والرحمة في مواضع ، ونعيد بعضها ههنا فنقول المغفرة هو أن يسترد القادر القبيح الصادر ممن تحت قدرته حتى أن العبد إذا ستر عيب سيده مخافة عقابه لا يقال إنه غفر له ، والرحمة هو أن يميل إليه بالإحسان لعجز المرحوم إليه لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه ، وكذا من أحسن إلى غيره رجاء في خيره أو عوضا عما صدر منه آنفا من الإحسان لا يقال رحمه ، إذا علم هذا فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلسا عاجزا فرحمه وأعطاه ما كفاه ، وإذا ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك عقابه ولم يقتصر عليه بل ستر ذنوبه .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا} (5)

{ أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا ءاباؤهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما }

المفردات :

أدعوهم لآبائهم : انسبوهم لآبائهم الذين ولدوهم . .

هو أقسط : أعدل .

مواليكم : أولياؤكم فيه .

جناح : إثم .

فيما أخطأتم به : فيما فعلتموه مخطئين جاهلين قبل النهي .

تعمدت قلوبكم : قصدته عمدا بعد النهي عنه .

التفسير :

انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آبائهم الحقيقيين فذلك أعدل عند الله وأفضل في نسب من كان معروفا نسبه إلى أبيه وكان زيد بن حارثة يسمى زيد بن محمد فأصبح يسمى زيد بن حارثة أما من لم يكن معروف النسب فيقال له يا أخي في الدين أو يا مولاي بمعنى يا صديقي أو يا نصيري .

قال ابن كثير :

أمر الله برد أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عرفوا فإن لم يعرفوا فهم إخوانهم في الدين ومواليهم عوضا عما فاتهم من النسب ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة " أنت أخونا ومولانا " 6 وقال ابن عمر ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله . . . . 7 أخرجه البخاري .

وقيل لسالم بعد نزول الآية : مولى حذيفة وكان تبناه من قبل ، وجاء في الحديث الذي رواه أحمد والشيخان عن أبي ذر ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر . 8

قال ابن كثير : هذا تشبيه وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب المعلوم .

{ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به . . . } ليس عليكم ذنب فيما فعلتموه من ذلك مخطئين قبل النهي أو بعده نسيانا أو سبق لسان .

{ ولكن ما تعمدت قلوبكم . . . } ولكن الذنب والإثم لمن تعمد إلحاق الابن بغير أبيه فتلك معصية موجبة للعقاب ولا إثم ولا تحريم فيما غلب عليه اسم التبني كالمقداد بن عمرو فإنه غلب عليه نسب التبني فيقال له : المقداد بن الأسود والأسود هو الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية فلما نزلت الآية قال المقداد أنا ابن عمرو ومع ذلك بقى الإطلاق عليه .

{ وكان الله غفورا رحيما . . . } وكان الله- وما زال- ساترا لذنب المخطئ والمتعمد إذا تابا رحيما بهما فلا يعاقبهما فمن رحمته أنه رفع الإثم عن المخطئ وقبل توبة المسيء عمدا .

قال تعالى : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا . . . ( البقرة : 286 ) وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " قال الله عز وجل قد فعلت " . 9

وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر " . 10

وروى ابن ماجة عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " . 11

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة أنه قال في الآية : لو دعوت رجلا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس ولكن ما تعمدت دعاءه لغير أبيه .

وروى الإمام أحمد عن عمر رضي الله عنه أنه قال : إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل معه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ثم قال قد كنا نقرأ " ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم " . 12

وروى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاث في الناس كفر : الطعن في النسب والنياحة على الميت والاستسقاء بالنجوم " . 13

وقال في التفسير المنير : هناك فرق بين التبني المنهي عنه والاستلحاق الذي أباحه الإسلام فالتبني هو ادعاء الولد مع القطع بأنه ليس ابنه واما الاستلحاق الشرعي فهو أن يعلم المستلحق أن المستلحق ابنه أو يظن ذلك ظنا قويا بسبب وجود زواج سابق غير معلن . 14

***