مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّـٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ} (4)

ثم قال تعالى : { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } قال بعض المفسرين الآية نزلت في أبي معمر كان يقول لي قلبان أعلم وأفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد فرد الله عليه بقوله : { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } ، وقال الزمخشري قوله : { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } أي ما جعل لرجل قلبين كما لم يجعل لرجل أمين ولا لابن أبوين ، وكلاهما ضعيف بل الحق أن يقال إن الله لما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالاتقاء بقوله : { يا أيها النبي اتق الله } فكان ذلك أمرا له بتقوى لا يكون فوقها تقوى ومن يتقي ويخاف شيئا خوفا شديدا لا يدخل في قلبه شيء آخر ألا ترى أن الخائف الشديد الخوف ينسى مهماته حالة الخوف فكأن الله تعالى قال يا أيها النبي اتق الله حق تقاته ، ومن حقها أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخرة غيره فإن اتقى غيره فلا يكون ذلك إلا بصرف القلب عن جهة الله إلى غيره وذلك لا يليق بالمتقي الذي يدعي أنه يتقي الله حق تقاته ، ثم ذكر للنبي عليه الصلاة والسلام أنه لا ينبغي أن يتقي أحدا ولا مثل ما اتقيت في حكاية زينب زوجة زيد حيث قال الله تعالى : { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } يعني مثل تلك التقوى لا ينبغي أن تدخل في قلبك ثم لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام بتلك الحالة ذكر ما يدفع عنه السوء . فقال : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } أي وما جعل الله دعي المرء ابنه ثم قدم عليه ما هو دليل قوي على اندفاع القبح وهو قوله : { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم أنت علي كظهر أمي فلا تصير هي أما بإجماع الكل ، أما في الإسلام فلأنه ظهار لا يحرم الوطء ، وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقا حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها من جديد ، فإذا كان قول القائل لزوجته أنت أمي أو كظهر أمي لا يوجب صيرورة الزوجة أما كذلك قول القائل للدعي أنت أبي لا يوجب كونه ابنا فلا تصير زوجته زوجة الابن فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئا فلم يكن خوفك من الناس له وجه كيف ولو كان أمرا مخوفا ما كان يجوز أن تخاف غير الله أو ليس لك قلبان وقلبك مشغول بتقوى الله فما كان ينبغي أن تخاف أحدا .

ثم قال تعالى : { ذلكم قولكم بأفواهكم } فيه لطيفة وهو أن الكلام المعتبر على قسمين أحدهما : كلام يكون عن شيء كان فيقال : والثاني : كلام يقال فيكون كما قيل والأول كلام الصادقين الذين يقولون ما يكون والآخر كلام الصديقين الذين إذا قالوا شيئا جعله الله كما قالوه وكلاهما صادر عن قلب والكلام الذي يكون بالفم فحسب هو مثل نهيق الحمار أو نباح الكلب ، لأن الكلام المعتبر هو الذي يعتمد عليه والذي لا يكون عن قلب وروية لا اعتماد عليه ، والله تعالى ما كرم ابن آدم وفضله على سائر الحيوانات ينبغي أن يحترز من التخلق بأخلاقها ، فقول القائل : هذا ابن فلان مع أنه ليس ابنه ليس كلاما فإن الكلام في الفؤاد وهذا في الفم لا غير ، واللطيفة هي أن الله تعالى ههنا قال : { ذلكم قولكم بأفواهكم } وقال في قوله : { وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم } يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضا في قلب فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم .

ثم قال تعالى : { والله يقول الحق } إشارة إلى معنى لطيف وهو أن العاقل ينبغي أن يكون قوله إما عن عقل أو عن شرع فإذا قال فلان ابن فلان ينبغي أن يكون عن حقيقة أو يكون عن شرع بأن يكون ابنه شرعا وإن لم يعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأة فولدت لستة أشهر ولدا وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش ونقول إنه ابنه وفي الدعي لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق لأن أباه مشهور ظاهر ووجه آخر فيه وهو أنهم قالوا هذه زوجة الابن فتحرم وقال الله تعالى هي لك حلال ، وقولهم لا اعتبار به فإنه بأفواههم كأصوات البهائم ، وقول الله حق فيجب اتباعه وقوله : { وهو يهدى السبيل } يؤكد قوله : { والله يقول الحق } يعني يجب اتباعه لكونه حقا ولكونه هاديا وقوله تعالى : { ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق } فيه لطيفة وهو أن الكلام الذي بالفم فحسب يشبه صوت البهائم الذي يوجد لا عن قلب ، ثم إن الكلام الذي بالقلب قد يكون حقا وقد يكون باطلا ، لأن من يقول شيئا عن اعتقاد قد يكون مطابقا فيكون حقا ، وقد لا يكون فيكون باطلا ، فالقول الذي بالقلب وهو المعتبر من أقوالكم قد يكون حقا وقد يكون باطلا لأنه يتبع الوجود ، وقول الله حق لأنه يتبعه الوجود فإنه يقول عما كان أو يقول فيكون ، فإذن قول الله خير من أقوالكم التي عن قلوبكم فكيف تكون نسبته إلى أقوالكم التي بأفواهكم ، فإذن لا يجوز أن تأخذوا بقولكم الكاذب اللاغي وتتركوا قول الله الحق فمن يقول بأن تزوج النبي عليه الصلاة والسلام بزينب لم يكن حسنا يكون قد ترك قول الله الحق وأخذ بقول خرج عن الفم .

ثم قال تعالى : { وهو يهدى السبيل } إشارة إلى أن اتباع ما أنزل الله خير من الأخذ بقول الغير .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّـٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ} (4)

{ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللاتي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعيائكم أبناءكم ذالكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل( 4 ) ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا ءاباؤهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما( 5 ) }

المفردات :

جعل : خلق .

تظاهرون : الظهار قول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي يريد بذلك تحريمها كما تحرم الأم .

أدعيائكم : جمع دعي ، والمراد به هنا الابن بالتبني وقد كانت تجري عليه أحكام الابن في الجاهلية وصدر الإسلام .

السبيل : الطريق .

التفسير :

{ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعيائكم أبناءكم ذالكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل }

تمهيد :

ورد في أسباب النزول وفي تفسير القرطبي وابن كثير وغيرهما أن هذه الآية عالجت ما كان متفشيا في الجاهلية من أخطاء ومن هذه الأخطاء أن الظهار وهو قول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي . يحرم الزوجة فتحرم عليه كما تحرم الأم وقد بين القرآن أن هذا عدوان وتحريم للحلال فالزوجة أحلها الله للإنسان فلا يجوز أن يحرمها كما تحرم عليه الأم فالأم تجب طاعتها والبر بها والزوجة يحل الاستمتاع بها .

وكان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه إنسان لظرفه ونبله ألحقه بنسبه فقال : هذا ابني ويرثني فيصبح له حكم الابن في الميراث وفي حق' النسب إلى أبيه المدعى ، ولا يجوز للأب المدعى أن يتزوج امرأة ابنه بالتبني وقد أراد القرآن إبطال هذه العادة المستحكمة في الجاهلية واختار القرآن محمدا صلى الله عليه وسلم ليكون قدوة عملية في ذلك .

قصة زيد بن حارثة

كان زيد بن حارثة مسببا من الشام سبته خيل من تهامة فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد فوهبه لعمته خديجة ، فوهبته خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم فأقام عنده مدة ، ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم " خيراه فغن اختاركما فهو لكما دون فداء " فاختار زيد بن حارثة الرق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : هذا الرجل ما رأيت منه إلا خيرا وأنا أفضله على أبي وعمي فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم تعلقه به قال : " يا معشر الناس اشهدوا أن زيد بن حارثة ابني يرثني وأرثه " فرضي بذلك أبوه وعمه وكان يدعى زيد بنم محمد فلما حرم الله نسبة الولد إلى غير أبيه قال النبي صلى الله عليه وسلم له : " أنت زيد بن حارثة ابن شراحيل " .

من تفسير القرطبي

قال القرطبي في تفسير قوله تعالى :

{ ما جعل الله لرجل قلبين في جوفه . . . } عن الواحدي والقشيري وغيرهما : نزلت في جميل بن معمر الفهري وكان رجلا حافظا لما يسمع فقالت قريش : ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان وكان يقول : لي قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد ، فلما هزم المشركون يوم بدر ومعهم جميل بن معمر رآه أبو سفيان في العير وهو معلق إحدى نعليه في يده ، والأخرى في رجله فقال أبو سفيان : ما حال الناس ؟ قال انهزموا قال : فما بال إحدى نعليك في يدك ، والأخرى في رجلك قال : ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعرفوا يومئذ أنه لو كانا له قلبان لما نسي نعله في يده . أه .

وقال ابن عباس : سببها أن بعض المنافقين قال : إن محمدا له قلبان لأنه ربما كان في شيء فنزع في غيره نزعة ، ثم عاد إلى شانه الأول فقالوا ذلك عنه فأكذبهم الله عز وجل . 3

{ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوعه . . . } خلق الله الإنسان وله اتجاه ومنهج وطريق يسير عليه فمن اختار الإسلام والإيمان والهداية سار في هذا الطريق ومن اختار الضلال أو الكفر أو النفاق سار في طريقه ومن أمثلة العرب : ( إنك لا تجني من الشوك العنب ) فالمؤمن يصدر عنه السلوك المستقيم والكافر يصدر عنه أفعال الكفر والضلال .

فلم يخلق الله لرجل قلبين في جوفه ، يكون في أحدهما إيمان وفي الآخر كفر بل الإنسان له قلب واحد فإذا اعتنق التقى والهدى ظهر ذلك في سلوكه وإذا اعتنق الفسوق والكفر ظهر ذلك في سلوكه .

قال صلى الله عليه وسلم " إن النور إذا دخل القلب اتسع له الصدر وانشرح قيل يا رسول الله هل لذلك من علامة ؟ قال " نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت " 4 ثم تلا قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه . . . ( الزمر : 22 ) .

{ وما جعل أزواجكم اللائي يظاهرون منهن أمهاتكم . . . } كان الرجل إذا قال لامرأته : أنت علي كظهر أمي حرمت عليه على التأبيد فرسم القرآن طريقا جعل الطلاق مؤقتا بأن يعتق المظاهر رقبة ، فإن لم يجد صام ستين يوما فإن لم يجد أطعم ستين مسكينا قبل أن يقرب زوجته .

كما بين القرآن الكريم ان هناك فرقا بين الأم والزوجة فالأم تجب طاعتها والبر بها والزوجة أحل الله الاستمتاع بها واوجب لها حسن العشرة ، وحين يقول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي لا تتحول إلى أم ولا تكون الزوجة التي ظاهر منها زوجها مثل الأم .

وما جعل الولد المدعى مثل الابن لأنه ليس ابنا صلبيا وأجمع أهل التفسير على أن هذه الآية نزلت في زيد بن حارثة وقد أبطل الله هذا الإلحاق الوهمي وهذا النسب المزعوم بهذه الآية وبقوله تعالى : { ما كانا محمدا أبا أحد من رجالكم . . . } ( الأحزاب : 40 ) .

وهذا هو المقصود بالنفي قدم الله له نفي أمر حسي معروف وهو ازدواج القلب ثم أردفه بنفي أمرين معنويين هما : اجتماع الزوجية مع الظهار والتبني مع النسب فالثلاثة باطلة لا حقيقة لها .

{ ذالكم قولكم بأفواهكم . . . } هذا كلام تدعونه ليس له أساس في الواقع فليس لرجل من قلبين في جوفه والزوجة لن تكون أما والابن الدعى لن يكون ابنا حقيقيا هذه دعاوى بألسنتكم وأفواهكم لا واقع لها .

{ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . . . } والله هو الذي يقرر الصدق والعدل ويرشد إلى السبيل القويم الصحيح فدعوا قولكم وخذوا بقوله عز وجل .

جاء في صفوة التفاسير للأستاذ محمد علي الصابوني ما يأتي : والغرض من الآية التنبيه على بطلان مزاعم الجاهلية فكما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه فكذلك لا يمكن أن تصبح الزوجة المظاهر منها أما ، ولا الولد المتبني ابنا لأن الأم الحقيقة هي التي ولدته والابن الحقيقي هو الذي ولد من صلب الرجل فكيف يجعلون الزوجات المظاهر منهن أمهات ؟ وكيف يجعلون أبناء الآخرين أبناء لهم مع أنهم ليسوا من أصلابهم ؟ 5