مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (24)

ثم قال تعالى : { قل من يرزقكم من السماوات والأرض } قد ذكرنا مرارا أن العامة يعبدون الله لا لكونه إلها ، وإنما يطلبون به شيئا ، وذلك إما دفع ضرر أو جر نفع فنبه الله تعالى العامة بقوله : { قل ادعوا الذين زعمتم } على أنه لا يدفع الضر أحد إلا هو كما قال تعالى : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } وقال بعد إتمام بيان ذلك { قل من يرزقكم من السماوات والأرض } إشارة إلى أن جر النفع ليس إلا به ومنه ، فإذا إن كنتم من الخواص فاعبدوه لعلوه وكبريائه سواء دفع عنكم ضرا أو لم يدفع وسواء نفعكم بخير أو لم ينفع فإن لم تكونوا كذلك فاعبدوه لدفع الضر وجر النفع .

ثم قال تعالى : { قل الله } يعني إن لم يقولوا هم فقل أنت الله يرزق وههنا لطيفة : وهي أن الله تعالى عند الضر ذكر أنهم يقولون الله ويعترفون بالحق حيث قال : { قالوا الحق } وعند النفع لم يقل إنهم يقولون ذلك وذلك لأن لهم حالة يعترفون بأن كاشف الضر هو الله حيث يقعون في الضر كما قال تعالى : { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه } وأما عند الراحة فلا تنبه لهم لذلك فلذلك قال : { قل الله } أي هم في حالة الراحة غافلون عن الله .

ثم قال تعالى : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : هذا إرشاد من الله لرسوله إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها وذلك لأن أحد المتناظرين إذا قال للآخر هذا الذي تقوله خطأ وأنت فيه مخطئ يغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض ، وأما إذا قال له بأن أحدنا لا يشك في أنه مخطئ والتمادي في الباطل قبيح والرجوع إلى الحق أحسن الأخلاق فنجتهد ونبصر أينا على الخطأ ليحترز فإنه يجتهد ذلك الخصم في النظر ويترك التعصب وذلك لا يوجب نقصا في المنزلة لأنه أوهم بأنه في قوله شاك ويدل عليه قول الله تعالى لنبيه : { وإنا أو إياكم } مع أنه لا يشك في أنه هو الهادي وهو المهتدي وهم الضالون والمضلون .

المسألة الثانية : في قوله : { لعلى هدى أو في ضلال مبين } ذكر في الهدى كلمة على وفي الضلال كلمة في لأن المهتدي كأنه مرتفع متطلع فذكره بكلمة التعلي ، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فذكره بكلمة في .

المسألة الثالثة : وصف الضلال بالمبين ولم يصف الهدى لأن الهدى هو الصراط المستقيم الموصل إلى الحق والضلال خلافه لكن المستقيم واحد وما هو غيره كله ضلال وبعضه بين من بعض ، فميز البعض عن البعض بالوصف .

المسألة الرابعة : قدم الهدى على الضلال لأنه كان وصف المؤمنين المذكورين بقوله : { إنآ } وهو مقدم في الذكر .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (24)

{ قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين( 24 ) قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون( 25 ) قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم( 26 ) قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم( 27 ) وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون( 28 ) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين( 29 ) قل لكم ميعاد يوم لا تستئخرون عنه ساعة ولا تستقدمون( 30 ) }

المفردات :

من يرزقكم : من السماوات بإنزال المطر ومن الأرض بإنبات النبات .

قل الله : فهذا هو جواب الفطرة .

وإنا أو إياكم : أحدنا على الهدى والآخر على الضلال فنراجع أنفسنا وهذا أبلغ من التصريح وفيه تلطف بالخصم يحمله على التفكير دون تكبر .

24

التفسير :

{ قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين }

تلفت الآية النظر على الحجج والأدلة على وحدة الألوهية فتقول للكافرين من أهل مكة من يرزقكم من السماء بالمطر والهواء وتسخير الشمس والقمر وسائر الأرزاق المادية والمعنوية ؟ ومن يرزقكم من الأرض بالنبات والسير في الأرض والأرزاق ؟ فإن ترددوا في الإجابة خوف الهزيمة العقلية فأجب أنت قائلا الله هو الرازق إذ ليس لهم من جواب سواه وقد صرحوا بهذا الجواب في قوله تعالى : { قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقول الله فقل أفلا تتقون } . ( يونس : 31 ) .

{ وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } .

نحن نوحد الله وأنتم تعبدون الأصنام فنحن فريقان مختلفان فلابد أن يكون واحد منا على الهدى والحق والآخر في الضلال والباطل وهو طريق يراد به حمل الخصم على التفكير والتدبر دون أن نجيبه بالحقيقة ؟ أو نقول له أنت على الباطل لأنك تكفر بالله وتعبد الأصنام وهذا الأسلوب يقال له أسلوب المنصف وهو ألا ينكر المجادل لمن يجادله ما يغيظه أو يصير حفيظته رجاء هدايته إلى الحق .