ثم قوله تعالى : { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه } إشارة إلى بيان الحشر وفي هذه الآيات إلى آخر السورة غرائب وعجائب نذكرها بقدر الإمكان إن شاء الله تعالى ، فنقول المنكرون للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلا ولا شبهة واكتفى بالاستبعاد وادعى الضرورة وهم الأكثرون ، ويدل عليه قوله تعالى حكاية عنهم في كثير من المواضع بلفظ الاستبعاد كما قال : { وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد } { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } { أئنك لمن المصدقين } { إئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } إلى غير ذلك فكذلك ههنا قال : { قال من يحي العظام وهى رميم } على طريق الاستبعاد فبدأ أولا بإبطال استبعادهم بقوله : { ونسي خلقه } أي نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة الأجزاء ، ثم جعلنا لهم من النواصي إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصور والقوام وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل الذي ( ن ) بهما استحقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محل الحياة أصلا ، ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه ، ثم إن استبعادهم كان من جهة ما في المعاد من التفتت والتفرق حيث قالوا : { من يحي العظام وهى رميم } اختاروا العظم للذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البلى والتفتت والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في المعيد من القدرة والعلم فقال : { وضرب لنا مثلا } أي جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب ، ومنهم من ذكر شبهة وإن كانت في آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين أحدهما : أنه بعد العدم لم يبق شيئا فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود ، وأجاب عن هذه الشبهة .
بقوله تعالى : { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا كذلك يعيده وإن لم يبق شيئا مذكورا وثانيها : أن من تفرقت أجزاؤه في مشارق العالم ومغاربه وصار بعضه في أبدان السباع وبعضه في جدران الرباع كيف يجمع ؟ وأبعد من هذا هو أن إنسانا إذا أكل إنسانا وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل فإن أعيد فأجزاء المأكول ، إما أن تعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تخلق منها أعضاؤه ، وإما أن تعاد إلى بدن المأكول منه فلا يبقى للآكل أجزاء . فقال تعالى في إبطال هذه الشبهة : { وهو بكل خلق عليم } ووجهه هو أن في الآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية ، وفي المأكول كذلك ، فإذا أكل إنسان إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان له قبل الأكل . { وهو بكل خلق عليم } يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل وينفخ فيها روحه ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيها روحه ، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع ، المبددة في الأصقاع بحكمته الشاملة وقدرته الكاملة .
وضرب لنا مثلا : أورد في شأننا قصة عجيبة هي في غرابتها كالمثل ، إذا أنكر إحياءها للعظام النخرة .
الرميم : البالي أشد البلى كالرمّة والرفات .
78- { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم } .
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن أبيّ بن خلف ( الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد ) جاء هذا الرجل في مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم ، وهو يفتته ويذرّيه في الهواء ويقول : يا محمد ، أتزعم أن الله يبعث هذا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " نعم يميتك الله تعالى ، ثم يبعثك ، ثم يحشرك إلى النار " ، ونزلت هذه الآية إلى آخر السورة .
إن الإنسان الكافر المسمى أبيّ بن خلف 36 قد استبعد البعث ، ونسي أن الله خلقه من مني يمنى وأنّه قادر على بعثه وحسابه ، فعمد إلى عظم رميم فتته وذرّاه في الريح ، وقال يا محمد : أتزعم أن ربك يبعث هذا بعدما رمّ وبلى وصار ترابا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " نعم ، ويبعثك ويدخلك النار " ، والمثل يطلق على القصة العجيبة الغريبة ، والموضوع أشبه بالقصة ، أو الأمر العجيب بالنسبة للكفار ، حيث اعتقدوا أن الموت يترتب عليه وهن العظام ، واستبعاد الحياة ، فكان البعث أشبه بالشيء العجيب بالنسبة لهم .
انظر إلى قوله تعالى : { وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد . . . }[ السجدة : 10 ] .
وقوله أيضا على طريق الحكاية : { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون* أو آباؤنا الأولون } . ]الواقعة : 47-48 ]
وقد ناقش القرآن الكريم هذا الموضوع ، وقدم أدلة متعددة على إمكان البعث والحشر والحساب ، والجزاء ، وبيّن أنّه بدون ذلك يصبح الخلق عبثا ، فالدنيا ليست دار جزاء ، فقد ينجح الفاجر والمرتشي والوصولي ، وقد يستشهد الشخص الفاضل الفدائي ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، فلا بدّ من دار جزاء عادل ، هي الدار الآخرة .
قال تعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم } . [ المؤمنون 115 ، 116 ] .
وقريب من ذلك قوله تعالى : { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه ، قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } . [ البقرة : 259 ] .
إن بعض المشركين استبعد إعادة الحياة للأجساد وللعظام الرميم ، ونسوا أنفسهم ، وأنه تعالى خلقهم من العدم ، فكيف هم بعد هذا يستبعدون أو يجحدون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.