{ والصافات صفا ، فالزاجرات زجرا ، فالتاليات ذكرا ، إن إلهكم لواحد ، رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق }
المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وحمزة { والصافات صفا } بإدغام التاء فيما يليه ، وكذلك في قوله : { فالزجرات زجرا فالتاليات ذكرا } والباقون بالإظهار ، وقال الواحدي رحمه الله : إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين ، ألا ترى أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا يسمعان في الهمس ، والمدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير ، وإدغام الأنقص في الأزيد حسن ، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتا في الأنقص ، وأيضا إدغام التاء في الزاي في قوله : { فالزجرات زجرا } حسن لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد ، وأيضا حسن إدغام التاء في الذي في قوله : { فالتاليات ذكرا } لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا ، وأما من قرأ بالإظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج ، والله أعلم .
المسألة الثانية : في هذه الأشياء الثلاثة المذكورة المقسم بها يحتمل أن يتكون صفات ثلاثة لموصوف واحد ، ويحتمل أن تكون أشياء ثلاثة متباينة ، أما على التقدير الأول ففيه وجوه الأول : أنها صفات الملائكة ، وتقديره أن الملائكة يقفون صفوفا . إما في السموات لأداء العبادات كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا : { وإنا لنحن الصافون } وقيل إنهم يصفون أجنحتهم في الهواء يقفون منتظرين وصول أمر الله إليهم ، ويحتمل أيضا أن يقال معنى كونهم صفوفا أن لكل واحد منهم مرتبة معينة ودرجة معينة في الشرف والفضيلة أو في الذات والعلية وتلك الدرجة المرتبة باقية غير متغيرة وذلك يشبه الصفوف .
وأما قوله : { فالزاجرات زجرا } فقال الليث : يقال زجرت البعير فأنا أزجره زجرا إذا حثثته ليمضي ، وزجرت فلانا عن سوء فانزجر أي نهيته فانتهى ، فعلى هذا الزجر للبعير كالحث وللإنسان كالنهي ، إذا عرفت هذا فنقول في وصف الملائكة بالزجر وجوه الأول : قال ابن عباس يريد الملائكة الذي وكلوا بالسحاب يزجرونها بمعنى أنهم يأتون بها من موضع إلى موضع الثاني : المراد منه أن الملائكة لهم تأثيرات في قلوب بني آدم على سبيل الإلهامات فهم يزجرونهم عن المعاصي زجرا الثالث : لعل الملائكة أيضا يزجرون الشياطين عن التعرض لبني آدم بالشر والإيذاء ، وأقول قد ثبت في العلوم العقلية أن الموجودات على ثلاثة أقسام مؤثر لا يقبل الأثر وهو الله سبحانه وتعالى وهو أشرف الموجودات ومتأثر لا يؤثر وهم عالم الأجسام وهو أخس الموجودات وموجود يؤثر في شيء ويتأثر عن شيء آخر وهو عالم الأرواح وذلك لأنها تقبل الأثر عن عالم كبرياء الله ، ثم إنها تؤثر في عالم الأجسام ، واعلم أن الجهة التي باعتبارها تقبل الأثر من عالم كبرياء الله غير الجهة التي باعتبارها تستولي على عالم الأجسام وتقدر على التصرف فيها .
وقوله : { فالتاليات ذكرا } إشارة إلى الأشرف من الجهة التي باعتبارها تقوى على التأثير في عالم الأجسام .
إذا عرفت هذا فقوله : { والصافات صفا } إشارة إلى وقوفها صفا صفا في مقام العبودية والطاعة بالخشوع والخضوع وهي الجهة التي باعتبارها تقبل تلك الجواهر القدسية أصناف الأنوار الإلهية والكمالات الصمدية وقوله تعالى : { فالزاجرات زجرا } إشارة إلى تأثير الجواهر الملكية في تنوير الأرواح القدسية البشرية وإخراجها من القوة إلى الفعل ، وذلك لما ثبت أن هذه الأرواح النطقية البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس ، وأن هذه الأرواح البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس ، وأن هذه الأرواح البشرية إنما تنتقل من القول إلى الفعل في المعارف الإلهية والكمالات الروحانية بتأثيرات جواهر الملائكة ونظيره قوله تعالى :
{ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده } وقوله : { نزل به الروح الأمين على قلبك } وقوله تعالى : { فالملقيات ذكرا } [ المرسلات : 5 ] إذا عرفت هذا فنقول في هذه الآية دقيقة أخرى وهي أن الكمال المطلق للشيء إنما يحصل إذا كان تاما وفوق التام والمراد بكونه تاما أن تحصل جميع الكمالات اللائقة به حصولا بالفعل والمراد بكونه فوق التام أن تفيض منه أصناف الكمالات والسعادات على غيره ، ومن المعلوم أن كونه كاملا في ذاته مقدم على كونه مكملا لغيره ، إذا عرفت هذا فقوله : { والصافات صفا } إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها وقت وقوفها في مواقف العبودية وصفوف الخدمة والطاعة وقوله تعالى : { فالزاجرات زجرا } إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي عن جواهر الأرواح البشرية وقوله تعالى : { فالتاليات ذكرا } إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الناطقة البشرية ، فهذه مناسبات عقلية واعتبارات حقيقية تنطبق عليها هذه الألفاظ الثلاثة ، قال أبو مسلم الأصفهاني : لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة لأنها مشعرة بالتأنيث والملائكة مبرءون عن هذه الصفة ، والجواب من وجهين الأول : أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال جماعة صافة ثم يجمع على صافات والثاني : أنهم مبرءون عن التأنيث المعنوي ، أما التأنيث في اللفظ فلا ، وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة في هذا الوجه الثاني : أن تحمل هذه الصافات على النفوس البشرية الطاهرة المقدسة المقبلة على عبودية الله تعالى الذين هم ملائكة الأرض وبيانه من وجهين الأول : أن قوله تعالى : { والصافات صفا } المراد الصفوف الحاصلة عند أداء الصلوات بالجماعة وقوله : { فالزاجرات زجرا } إشارة إلى قراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كأنهم بسبب قراءة هذه الكلمة يزجرون الشياطين عن إلقاء الوساوس في قلوبهم في أثناء الصلاة وقوله : { فالتاليات ذكرا } إشارة إلى قراءة القرآن في الصلاة وقيل : { فالزاجرات زجرا } إشارة إلى رفع الصوت بالقراءة كأنه يزجر الشيطان بواسطة رفع الصوت ، روى أنه صلى الله عليه وسلم طاف على بيوت أصحابه في الليالي فسمع أبا بكر يقرأ بصوت منخفض وسمع عمر يقرأ بصوت رفيع فسأل أبا بكر لم تقرأ هكذا ؟ فقال : المعبود سميع عليم وسأل عمر : لم تقرأ هكذا ؟ فقال : أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان الوجه الثاني : في تفسير هذه الألفاظ الثلاث في هذه الآية أن المراد من قوله : { والصافات صفا } الصفوف الحاصلة من العلماء المحقين الذين يدعون إلى دين الله تعالى والمراد من قوله : { فالزاجرات زجرا } اشتغالهم بالزجر عن الشبهات والشهوات ، والمراد من قوله تعالى : { فالتاليات ذكرا } اشتغالهم بالدعوة إلى دين الله والترغيب في العمل بشرائع الله الوجه الثالث : في تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن نحملها على أحوال الغزاة والمجاهدين في سبيل الله فقوله : { والصافات صفا } المراد منه صفوف القتال لقوله تعالى :
{ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا } [ الصف : 4 ] وأما ( الزاجرات زجرا ) فالزجرة والصيحة سواء ، والمراد منه رفع الصوت بزجر الخيل ، وأما ( التاليات ذكرا ) فالمراد اشتغال الغزاة وقت شروعهم في محاربة العدو بقراءة القرآن وذكر الله تعالى بالتهليل والتقديس الوجه الرابع : في تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن نجعلها صفات لآيات القرآن فقوله : ( والصافات صفا ) المراد آيات القرآن فإنها أنواع مختلفة بعضها في دلائل التوحيد وبعضها في دلائل العلم والقدرة والحكمة وبعضها في دلائل النبوة وبعضها في دلائل المعاد وبعضها في بيان التكاليف والأحكام وبعضها في تعليم الأخلاق الفاضلة ، وهذه الآيات مرتبة ترتيبا لا يتغير ولا يتبدل فهذه الآيات تشبه أشخاصا واقفين في صفوف معينة قولوه : { فالزاجرات زجرا } المراد منه الآيات الزاجرة عن الأفعال المنكرة وقوله : { فالتاليات ذكرا } المراد منه الآيات الدالة على وجوب الإقدام على أعمال البر والخير وصف الآيات بكونها تالية على قانون ما يقال شعر شاعر وكلام قائل قال تعالى : { إن هذا القرءان يهدى للتي هي أقوم } [ الإسراء : 9 ] وقال : { يس * والقرءان الحكيم } [ يس : 1 ، 2 ] قيل الحكيم بمعنى الحاكم فهذه جملة الوجوه المحتملة على تقدير أن تجعل هذه الألفاظ الثلاثة صفات لشيء واحد وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد بهذه الثلاثة أشياء متغايرة فقيل المراد بقوله : { والصافات صفا } الطير من قوله تعالى : { والطير صافات } [ النور : 41 ] ( والزاجرات ) كل ما زجر عن معاصي الله ( والتاليات ) كل ما يتلى من كتاب الله وأقول فيه وجه آخر وهو أن مخلوقات الله إما جسمانية وإما روحانية ، أما الجسمانية فإنها مرتبة على طبقات ودرجات لا تتغير البتة ، فالأرض وسط العالم وهي محفوفة بكرة الماء والماء محفوف بالهواء ، والهواء محفوف بالنار ، ثم هذه الأربعة محفوفة بكرات الأفلاك إلى آخر العالم الجسماني فهذه الأجسام كأنها صفوف واقفة على عتبة جلال الله تعالى ، وأما الجواهر الروحانية فهي على اختلاف درجاتها وتباين صفاتها مشتركة في صفتين أحدهما التأثير في عالم الأجسام بالتحريك والتصريف وإليه الإشارة بقوله : { فالزاجرات زجرا } فإنا قد بينا أن المراد من هذا الزجر السوق والتحريك ، والثاني الإدراك والمعرفة والاستغراق في معرفة الله تعالى والثناء عليه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { فالتاليات ذكرا } ولما كان الجسم أدنى منزلة من الأرواح المستقلة فالتصرف في الجسمانيات أدون منزلة من الأرواح المستغرقة في معرفة جلال الله المقبلة على تسبيح الله كما قال :
{ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } لا جرم بدأ في المرتبة الأولى بذكر الأجسام فقال : { والصافات صفا } ثم ذكر في المرتبة الثانية الأرواح المدبرة لأجسام هذا العالم ثم ذكر في هذه المرتبة الثالثة أعلى الدرجات وهي الأرواح المقدسة المتوجهة بكليتها إلى معرفة جلال الله والاستغراق في الثناء عليه ، فهذه احتمالات خطرت بالبال ، والعالم بأسرار كلام الله تعالى ليس إلا الله .
سورة الصافات مكية ، وآياتها ( 182 ) آية ، نزلت بعد سورة الأنعام في الفترة الأخيرة من حياة المسلمين بمكة ، فقد نزلت بعد الإسراء وقبيل الهجرة إلى المدينة .
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لابتدائها بالقسم بالصافات ، والمراد بها : الملائكة التي تقف صفوفا للعبادة ، أو تصف أجنحتها في الهواء امتثالا للطاعة ، وانتظارا لوصول أمر الله إليها .
معظم مقصود السورة هو : الإخبار عن صف الملائكة والمصلين للعبادة ، ودلائل الوحدانية ، ورجم الشياطين ، وذل الظالمين ، وعز المطيعين في الجنان ، وقهر المجرمين في النيران ، ومعجزة نوح ، وحديث إبراهيم ، وفداء إسماعيل في جزاء الانقياد ، وبشارة إبراهيم بإسحاق ، والمنة على موسى وهارون بإيتاء الكتاب ، وحكاية الناس في حال الدعوة ، وهلاك قوم لوط ، وحبس يونس في بطن الحوت ، وبيان فساد عقيدة المشركين في إثبات النسبة{[1]} ودرجات الملائكة في مقام العبادة ، وما منح الله الأنبياء من النصر والتأييد ، وتنزيه حضرة الجلال عن الأنداد والأضداد في قوله سبحانه : { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } . [ الصافات : 180 ] .
تميزت سورة الصافات بقصر الآيات ، وسرعة الإيقاع ، وكثرة المشاهد والمواقف ، وتنوع الصور والمؤثرات .
وهي تستهدف – كسائر السور المكية – بناء العقيدة في النفوس ، وتخليصها من شوائب الشرك في كل صوره وأشكاله ، ولكنها بصفة خاصة تعالج صورة معينة من صور الشرك ، التي كانت سائدة في البيئة العربية الأولى ، وتقف أمام هذه الصورة طويلا ، وتكشف عن زيفها وبطلانها بوسائل شتى . تلك هي الصورة التي كانت جاهلية العرب تستسيغها ، وهي تزعم أن هناك قرابة بين الله سبحانه وبين الجن ، وتستطرد في تلك الأسطورة فتزعم أنه من التزاوج بين الله – سبحانه- والجنة ولدت الملائكة ، ثم تزعم أن الملائكة إناث وأنهن بنات الله !
هذه الأسطورة تتعرض لحملة قوية في هذه السورة ، تكشف عن تفاهتها وسخفها ، ونظرا لأنها هي الموضوع البارز الذي تعالجه السورة ، فإنها تبدأ بالإشارة إلى طوائف من الملائكة : { والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا } .
ويتلوها حديث عن الشياطين المردة ، وتعرضهم للرجم بالشهب الثاقبة ، كيلا يقربوا من الملأ الأعلى ، ولا يتسمعوا لما يدور فيه ، ولو كانوا حيث تزعم لهم أساطير الجاهلية ما طوردوا هذه المطاردة .
وبمناسبة ضلال الكافرين وتكذيبهم ، تعرض السورة سلسلة من قصص الرسل : نوح ، وإبراهيم وابنه ، وموسى وهارون ، وإلياس ، ولوط ، ويونس ، تتكشف فيها رحمة الله ونصره لرسله ، وأخذه للمكذبين بالعذاب والتنكيل ، ويمكننا أن نقسم سورة الصافات إلى ثلاثة موضوعات رئيسية :
1- وصف الملائكة ومشاهد الآخرة :
يستغرق الموضوع الأول من السورة الآيات من ( 1-70 ) ويتضمن افتتاح السورة بالقسم بتلك الطوائف من الملائكة : { والصافات صفا فالزاجرات زجرا* فالتاليات ذكرا } . على وحدانية الله رب المشارق ، مزين السماء بالكواكب ، ثم تجيء مسألة الشياطين ، وتسمعهم للملأ الأعلى ، ورجمهم بالشهب الثاقبة ، يتلوها سؤال لهم : { أهم أشد خلقا أم من خلقنا . . . } من الملائكة والكواكب والشياطين والشهب ، للتوصل من هذا إلى تسفيه ما كانوا يقولونه عن البعث ، وإثبات ما كانوا يستبعدونه ويستهزئون بوقوعه ، ومن ثم يعرض ذلك المشهد المطول للبعث والحساب والنعيم والعذاب ، وهو مشهد فريد ، حافل بالصورة والحركة ، والمقابلة بينه وبين منازل الأبرار وآلام الفجار .
تتعرض الآيات من ( 71-148 ) لبيان أن هؤلاء الضالين لهم نظائر في السابقين ، الذين جاءتهم النذر فكان أكثرهم من الضالين ، ويستطرد في قصص أولئك المنذرين ، من قوم نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس ولوط ويونس ، وكيف كانت عاقبة المكذبين وعاقبة المؤمنين .
ومن الظواهر المؤثرة في هذا القصص تجرد الأنبياء لربهم ، وإخلاصهم له ، فيونس يسبح بحمد ربه ويناجيه في بطن الحوت ، وإبراهيم يطيع الله ويستسلم لأمره في قصة الذبح والفداء ، ونشاهد من الذابح والذبيح التجرد والامتثال لأمر الله ، في أعمق صورة وأروعها وأرفعها .
وقد كانت الإشارة إلى قصص الأنبياء لمحات سريعة في آيات قصيرة ، تحتوي على عبرة القصة ، والتذكير بمضمونها .
تناولت الآيات من ( 149-182 ) حيث آخر السورة ، الحديث عن الأسطورة الكاذبة ، أسطورة نسبة الجن والملائكة إلى الله ، ثم فندت هذه الأسطورة ، ونزهت الله عنها ، وبينت أن الملائكة خلف من خلق الله ملتزم بطاعته ، { وما منا إلا له ، مقام معلوم * وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون } . [ الصفات : 164-166 ] .
وقررت الآيات وعد الله لرسله بالظفر والغلبة ، { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون* وإن جندنا لهم الغالبون } . [ الصافات : 171-173 ] .
وانتهت السورة بتنزيه الله سبحانه ، والتسليم على رسله ، والاعتراف بربوبيته ، وهي القضايا التي تناولتها الصورة في الصميم .
{ سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين* والحمد لله رب العالمين } . [ الصافات : 180-182 ] .
{ والصافات صفا ( 1 ) فالزاجرات زجرا ( 2 ) فالتاليات ذكرا ( 3 ) إن إلهكم لواحد ( 4 ) رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق ( 5 ) }
الصافات : جماعة من الملائكة يقفون صفوفا ، لكل واحد منهم مرتبة معينة في الشرف والفضيلة .
1 ، 2 ، 3 ، 4 { والصافات صفا* فالزاجرات زجرا* فالتاليات ذكرا * إن إلهكم لواحد } .
أقسم الله تعالى ببعض خلقه تنبيها لأهميته ، ولفتا للأنظار إلى عظمة هذا المخلوق ، كما أقسم سبحانه ببعض مظاهر الكون ، مثل الضحى والرياح ، والشمس والقمر والشفق ، والليل والنهار ، وكلها تلفت أنظارنا إلى عظمة الخالق سبحانه ، وتعالى ، والقسم بالملائكة يلفت أنظارنا إلى هذا الخلق العظيم ، العابد الساجد المسبح المصطف للعبادة ، المكلف بإنزال الوحي من السماء ليتلوه البشر ، أو قيام الملائكة بتلاوة آيات الله وذكره وطاعته ، وقد أخبر القرآن أن الملائكة صفوف منتظمة ، وأنهم عابدون لله حق العبادة .
قال تعالى : { وجاء ربك والملك صفا صفا } . [ الفجر : 22 ] .
وقال سبحانه : { فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون } . [ فصلت : 38 ] .
وقد ذكر المفسرون عدة أراء في المراد بهذه الصفات ، فقيل : أقسم الله بنفوس العلماء المصطفين للعبادة ، الزاجرين الناس عن المعاصي ، التالين لكتاب الله وسنة نبيه ، ذكرا لله وعبادة له .
وقيل : أقسم الله بنفوس الغزاة الصافين في الجهاد ، الزاجرين للخيل أو العدوّ ، التالين لذكر الله لا يشغلهم العدوّ عنه .
والرأي الراجح عند المفسرين أن المراد بهذا القسم : طوائف الملائكة ، فهم يصفون أنفسهم في طاعة الله ، كما يصف المسلمون أنفسهم في الصلاة ، وفي السنّة الصحيحة أن الله ميز هذه الأمة وميّز رسولها ، بصف المسلمين أنفسهم في الصلاة كما تصف الملائكة ، والملائكة لها إلهام ومعونة للمؤمنين تزجرهم عن المعاصي ، وتحثهم على الطاعات ، والملائكة تبلغ وحي الله إلى الأرض ، وتذكر الله تعالى .
قال تعالى : { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير } . [ الحج : 75 ] .
وقال سبحانه : { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم : [ الشورى : 51 ] .
وقد أرسل الله جبريل بوحي السماء ، وجعله أمينا عليه .
قال تعالى : { نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين } . [ الشعراء : 193 ، 194 ] .
وقال سبحانه : { والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى } . [ النجم : 1-7 ] .
أي أن الله تعالى أقسم بصنوف الملائكة على وحدانيته ، وأنه سبحانه وتعالى واحد أحد فرد صمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، وجواب القسم هو :
أي : ليس صنما ولا وثنا ولا أي شيء من الآلهة المدَّعاة ، بل هو سبحانه إله واحد منزه عن الشريف والمثيل ، ليس له شريك ولا ندّ ولا نظير .
قال تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا . . . } [ الأنبياء : 22 ] . وهذه مقدمة جوابها : لكن السماء والأرض لم تفسدا والنتيجة : ليس في الكون آلهة إلا الله سبحانه وتعالى .