قوله تعالى : { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ، إنك ميت وإنهم ميتون ، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ، فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين }
اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح وعيد الكفار أردفه بذكر مثل ما يدل على فساد مذهبهم وقبح طريقتهم فقال : { ضرب الله مثلا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : المتشاكسون المختلفون العسرون يقال شكس يشكس شكوسا وشكسا إذا عسر ، وهو رجل شكس ، أي عسر وتشاكس إذا تعاسر ، قال الليث : التشاكس التنازع والاختلاف ، ويقال الليل والنهار متشاكسان ، أي أنهما متضادان إذا جاء أحدهما ذهب الآخر ، وقوله فيه صلة شركاء كما تقول اشتركوا فيه .
المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو سالما بالألف وكسر اللام يقال سلم فهو سالم والباقون سلما بفتح السين واللام بغير الألف ، ويقال أيضا بفتح السين وكسرها مع سكون العين أما من قرأ سالما فهو اسم الفاعل تقدير مسلم فهو سالم ، وأما سائر القراءات فهي مصادر سلم والمعنى ذا سلامة ، وقوله : { لرجل } أي ذا خلوص له من الشركة من قولهم : سلمت له الضيعة ، وقرئ بالرفع على الابتداء أي وهناك رجل سالم لرجل .
المسألة الثالثة : تقدير الكلام : اضرب لقومك مثلا وقل لهم ما يقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع ، كل واحد منهم يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه في حوائجهم وهو متحير في أمره ، فكلما أرضى أحدهم غضب الباقون ، وإذا احتاج في مهم إليهم فكل واحد منهم يرده إلى الآخر ، فهو يبقى متحيرا لا يعرف أيهم أولى بأن يطلب رضاه ، وأيهم يعينه في حاجاته ، فهو بهذا السبب في عذاب دائم وتعب مقيم ، ورجل آخر له مخدوم واحد يخدمه على سبيل الإخلاص ، وذلك المخدوم يعينه على مهماته ، فأي هذين العبدين أحسن حالا وأحمد شأنا ، والمراد تمثيل حال من يثبت آلهة شتى ، فإن أولئك الآلهة تكون متنازعة متغالبة ، كما قال تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } وقال : { ولعلا بعضهم على بعض } فيبقى ذلك المشرك متحيرا ضالا ، لا يدري أي هؤلاء الآلهة يعبد وعلى ربوبية أيهم يعتمد ، وممن يطلب رزقه ، وممن يلتمس رفقه ، فهمه شفاع ، وقلبه أوزاع . أما من لم يثبت إلا إلها واحدا فهو قائم بما كلفه عارف بما أرضاه وما أسخطه ، فكان حال هذا أقرب إلى الصلاح من حال الأول ، وهذا مثل ضرب في غاية الحسن في تقبيح الشرك وتحسين التوحيد ، فإن قيل : هذا المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام لأنها جمادات ، فليس بينها منازعة ولا مشاكسة ، قلنا إن عبدة الأصنام مختلفون منهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الكواكب السبعة ، فهم في الحقيقة إنما يعبدون الكواكب السبعة ، ثم إن القوم يثبتون بين هذه الكواكب منازعة ومشاكسة ، ألا ترى أنهم يقولون زحل هو النحس الأعظم ، والمشتري هو السعد الأعظم ، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأرواح الفلكية ، والقائلون بهذا القول زعموا أن كل نوع من أنواع حوادث هذا العالم يتعلق بروح من الأرواح السماوية ، وحينئذ يحصل بين تلك الأرواح منازعة ومشاكسة ، وحينئذ يكون المثل مطابقا ، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأشخاص من العلماء والزهاد الذين مضوا ، فهم يعبدون هذه التماثيل لتصير أولئك الأشخاص من العلماء والزهاد شفعاء لهم عند الله ، والقائلون بهذا القول تزعم كل طائفة منهم أن المحق هو ذلك الرجل الذي هو على دينه ، وأن من سواه مبطل ، وعلى هذا التقدير أيضا ينطبق المثال ، فثبت أن هذا المثال مطابق للمقصود .
أما قوله تعالى : { هل يستويان مثلا } فالتقدير هل يستويان صفة ، فقوله : { مثلا } نصب على التمييز ، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالتاهما ، وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس وقرئ مثلين ، ثم قال : { الحمد لله } والمعنى أنه لما بطل القول بإثبات الشركاء والأنداد ، وثبت أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الحق ، ثبت أن الحمد له لا لغيره ، ثم قال بعده : { بل أكثرهم لا يعلمون } أي لا يعلمون أن الحمد له لا لغيره ، وأن المستحق للعبادة هو الله لا غيره ، وقيل المراد أنه لما سبقت هذه الدلائل الظاهرة والبينات الباهرة ، قال : الحمد لله على حصول هذه البيانات وظهور هذه البينات ، وإن كان أكثر الخلق لم يعرفوها ولم يقفوا عليها ،
متشاكسون : مختلفون يتنازعون لسوء طباعهم .
بل أكثرهم لا يعلمون : لا يعلمون الحق فيتبعوه .
29- { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } .
هذا أيضا من أمثلة القرآن الموضحة التي يشبه فيها حالا عجيبة بأخرى مثلها .
ضرب الله مثالا للمشرك والموحد ، فالمشرك صفته صفة عبد يملكه أشخاص متعددون متنازعون مختلفون ، يكلفونه بأعمال متعددة في وقت واحد ، وإذا طلب من أحدهم مالا أو طعاما أو كساء ، أو غير ذلك مما يحتاج إليه ، أحاله على المالك الآخر ، فيصاب بالإحباط والتشوش ، إذ لا يدري من الذي يطيع ، وعلى من يعتمد من هؤلاء المالكين له ، هذا شأن المشرك بالله ، الذي يعبد أصناما شتّى لا تنفعه ولا تفيده ولا تدفع عنه ضرا ، فهو في حالة إحباط وتشوش ، كاسفا باله قليل الرجاء ، أما المثل الآخر فهو حالة رجل سلم لرجل ، أي عبد لا يملكه إلا رجل واحد ، يكلفه بمطالبه في نظام وترتيب ، ويتكفل المالك الواحد بما يحتاج إليه العبد من طعام وشراب وكساء وغير ذلك ، وهذا مثال للمؤمن الذي يعبد ربّا واحدا يلجأ إليه في البأساء ، ويشكره في النعماء ، ويؤمن به وحده ، ويعبده وحده لا شريك له ، ويتكفل الله تعالى به ويرعاه الله القوي القدير .
هل يستوي من توزّع بين عدة ملاك متشاكسين ، يقول له أحدهم : اذهب إلى مكان كذا ، فيقول الثاني : لا تذهب لأني أريدك في عمل كذا ، وبين عبد ملكيته سالمة وخالصة لشخص واحد ، أموره مرتبة وهذا المالك متكفل برعاية عبده ، وسدّ حاجاته .
{ الحمد لله } . أي الثناء الجميل والشكل العظيم له تعالى ، على أنه رب واحد ، وإله واحد ، لا إله غيره ولا رب سواه .
بل أكثر المشركين لا يعلمون عدم تساوي الرجلين ولا يدركون هذا الفرق بينهما ، فيشركوا مع الله غيره .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.