ثم ذكر آية أخرى تدل على إلهيته فقال : { ومن ءاياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة } فنقول : أما دلالة خلق السموات والأرض على وجود الإله الحكيم فقد ذكرناها وكذلك دلالة وجود الحيوانات على وجود الإله الحكيم ، فإن قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكة ؟ قلنا فيه وجوه ( الأول ) أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحدا منهم يقال بنو فلان فعلوا كذا ، وإنما فعله واحد منهم ومنه قوله تعالى : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ( الثاني ) أن الدبيب هو الحركة ، والملائكة لهم حركة ( الثالث ) لا يبعد أن يقال إنه تعالى خلق في السموات أنواعا من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض .
ثم قال تعالى : { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } قال صاحب «الكشاف » : إذا تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي ، قال تعالى : { والليل إذا يغشى } ومنه { إذا يشاء قدير } والمقصود أنه تعالى خلقها متفرقة ، لا لعجز ولكن لمصلحة ، فلهذا قال : { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } يعني الجمع للحشر والمحاسبة ، وإنما قال : { على جمعهم } ولم يقل على جمعها ، لأجل أن المقصود من هذا الجمع المحاسبة ، فكأنه تعالى قال : وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير ، واحتج الجبائي بقوله { إذا يشاء قدير } على أن مشيئته تعالى محدثة بأن قال : إن كلمة { إذا } تفيد ظرف الزمان ، وكلمة { يشاء } صيغة المستقبل ، فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن لتخصيصها بذلك الوقت المعين من المستقبل فائدة ، ولما دل قوله { إذا يشاء قدير } على هذا التخصيص علمنا أن مشيئته تعالى محدثة والجواب : أن هاتين الكلمتين كما دخلتا على المشيئة ، أي مشيئة الله ، فقد دخلتا أيضا على لفظ ( القدير ) فلزم على هذا أن يكون كونه قادرا صفة محدثة ، ولما كان هذا باطلا ، فكذا القول فيما ذكره ، والله أعلم .
دابة : كل ما يدب على الأرض من إنسان وغيره .
جمعهم : حشرهم بعد البعث للمحاسبة .
29- { ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بثّ فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } .
ومن آيات الله تعالى الدالة على كمال قدرته خلق السماوات وما فيها من أفلاك وأملاك ، وكواكب وشموس وأقمار ، ونجوم سيارات وغير ذلك ، وخلق الأرض وما فيها من بحار وأنهار ، وأشجار وجبال ، وما بث الله في الأرض من إنسان وحيوان وطيور وزواحف ودواب متعددة ، منها ما يمشي على رجلين كالإنسان ، ومنها ما يمشي على أربع كالبقر والغنم والإبل ، ومنها ما يزحف على بطنه كالثعبان والحيات ، وهذه الأرض وهذا الفضاء وهذه السماء ، بل هذا الكون كله حافل بأسراب من الطير لا يعلم عددها إلا الله ، وأسراب من النحل والنمل وأخواتها لا يحصيها إلا الله ، وأسراب من الحشرات والهوامّ والجراثيم لا يعلم مواطنها إلا الله ، وأسراب من الأسماك وحيوان البحر لا يطّلع عليها إلا الله ، وقطعان من الأنعام والوحش سائمة وشاردة في كل مكان ، وقطعان من البشر مبثوثة في الأرض كلها ، ومعها خلائق أربى عددا وأخفى مكانا في السماوات من خلق الله . . كلها . . كلها . . يجمعها الله حين يشاء .
فهو سبحانه خالق الكون وما فيه ، وهو العالم بكل صغيرة وكبيرة ، وبكل ذرة ومثقال حبة فيه ، وبأمره يجمع كل هذه المخلوقات بقدرته ، وهو على كل شيء قدير .
وقريب من هذه الآية قوله تعالى : { والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير } . ( النور : 45 ) .
ذهب بعض الباحثين في آيات القرآن الفلكية والعوالم العلوية إلى احتمال معنى آخر ، وهو احتمال أن تكون هناك حياة على سطح المريخ ، أو عالم يشبه عالم الأرض على نحو ما ، ولا يبعد أن يتخابرا ويجتمعا فكرا ، إذا لم يجتمعا جسما12 .
قال تعالى : { ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } .
وقال تعالى : { يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن } . ( الرحمان : 29 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.