مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوۡ نَهَارٗا مَّاذَا يَسۡتَعۡجِلُ مِنۡهُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (50)

قوله تعالى { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون أثم إذا ما وقع آمنتم وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون }

اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن قولهم { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : حاصل الجواب أن يقال لأولئك الكفار الذين يطلبون نزول العذاب بتقدير أن يحصل هذا المطلوب وينزل هذا العذاب ما الفائدة لكم فيه ؟ فإن قلتم نؤمن عنده ، فذلك باطل ، لأن الإيمان في ذلك الوقت إيمان حاصل في وقت الإلجاء والقسر ، وذلك لا يفيد نفعا البتة ، فثبت أن هذا الذي تطلبونه لو حصل لم يحصل منه إلا العذاب في الدنيا ، ثم يحصل عقيبه يوم القيامة عذاب آخر أشد منه ، وهو أنه يقال : للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد ، ثم يقرن بذلك العذاب كلام يدل على الإهانة والتحقير وهو أنه تعالى يقول : { هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } فحاصل هذا الجواب : أن هذا الذي تطلبونه هو محض الضرر العاري عن جهات النفع والعاقل لا يفعل ذلك .

المسألة الثانية : قوله : { بياتا } أي ليلا يقال بت ليلتي أفعل كذا ، والسبب فيه أن الإنسان في الليل يكون ظاهرا في البيت ، فجعل هذا اللفظ كناية عن الليل والبيات مصدر مثل التبييت كالوداع والسراح ، ويقال في النهار ظللت أفعل كذا ، لأن الإنسان في النهار يكون ظاهرا في الظل . وانتصب { بياتا } على الظرف أي وقت بيات وكلمة { ماذا } فيها وجهان : أحدهما : أن يكون ماذا اسما واحدا ويكون منصوب المحل كما لو قال ماذا أراد الله ، ويجوز أن يكون ذا بمعنى الذي ، فيكون ماذا كلمتين ومحل ما الرفع على الابتداء وخبره ذا وهو بمعنى الذي ، فيكون معناه ما الذي يستعجل منه المجرمون ومعناه ، أي شيء الذي يستعجل من العذاب المجرمون .

واعلم أن قوله : { إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا } شرط .

وجوابه : قوله { ماذا يستعجل منه المجرمون } ، وهو كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني ، يعني : إن حصل هذا المطلوب ، فأي مقصود تستعجلونه منه .