{ إِذْ أَوَى } معمول { عَجَبًا } [ الكهف : 9 ] أو { كَانُواْ } [ الكهف : 9 ] أو اذكر مقدراً ، ولا يجوز أن يكون ظرفاً لحسبت لأن حسبانه لم يكن في ذلك الوقت أي حين التجأ { الفتية إِلَى الكهف } واتخذوه مأوى ومكاناً لهم ، والفتية جمع قلة لفتى ، وهو كما قال الراغب وغيره الطري من الشبان ويجمع أيضاً على فتيان ، وقال ابن السراج : إنه اسم جمع وقال غير واحد أنه جمع فتى كصبي وصبية ، ورجح بكثرة مثله ، والمراد بهم أصحاب الكهف ، وإيثار الإظهار على الإضمار لتحقيق ما كانوا عليه في أنفسهم من حال الفتوة ، فقد روي أنهم كانوا شباناً من أبناء أشراف الروح وعظمائهم مطوقين مسورين بالذهب ذوي ذوائب ، وقيل لأن صاحبية الكهف من فروع التجائهم إلى الكهف ، فلا يناسب اعتبارها معهم قبل بيانه ، والظاهر مع الضمير اعتبارها ، وليس الأمر كذلك مع هذا الظاهر وإن كانت أل فيه للعهد { فَقَالُواْ رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ } أي من عندك { رَحْمَةً } عظيمة أو نوعاً من الرحمة فالتنوين للتعظيم أو للنوع ، و { مِنْ } للابتداء متعلق بآتنا ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالاً من رحمة قدم عليها لكونها نكرة ولو تأخر لكان صفة لها ، وفسرت الرحمة بالمغفرة والرزق والأمن والأولى تفسيرها بما يتضمن ذلك وغيره ، وفي ذكر { مِن لَّدُنْكَ } إيماءً إلى أن ذلك من باب التفضل لا الوجوب فكأنهم قالوا ربنا تفضل علينا برحمة { وَهَيّىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا } الذي نحن عليه من مهاجرة الكفار والمثابرة على طاعتك ، وقرأ أبو جعفر وشيبة والزهري { وهيى } بياءين من غير همز يعني أنهم أبدلوا الهمزة الساكنة ياء ، وفي كتاب ابن خالويه قرأ الأعمش عن أبي بكر عن عاصم { رَّحِيمٌ وَهِىَ } بلا همز انتهى .
وهو يحتمل أن يكون قد أبدل الهمزة ياءً وأن يكون حذفها ، والأول إبدال قياسي ، والثاني مختلف فيه إينقاس حذف الحرف المبدل من الهمزة في الأمر والمضارع المجزومين أم لا ، وأصل التهيئة إحداث الهيئة وهي الحالة التي يكون عليها الشيء محسوسة أو معقولة ثم استعمل في إحضاء الشيء وتيسيره أي يسر لنا من أمرنا { رَشَدًا } إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب واهتداءً إليه ، وقرأ أبو رجاء { رَشَدًا } بضم الراء وإسكان الشين والمعنى واحد إلا أن الأوفق بفواصل الآيات قراءة الجمهور ، وإلى اتحاد المعنى ذهب الراغب قال : الرشد بفتحتين خلاف الغي ويستعمل استعمال الهداية وكذا الرشد بضم فسكون .
وقال بعضهم : الرشد أي بفتحتين كما في بعض النسخ المضبوطة أخص من الرشد لأن الرشد بالضم يقال في الأمور الدنيوية والأخروية والرشد يقال في الأمور الأخروية لا غير اه ، وفيه مخالفة لما ذكره ابن عطية فإنه قال : إن هذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم وألفاظه تقتضي ذلك وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها ، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه لهذه الآية فإنها كافية .
ويحتمل أن يراد بالرحمة رحمة الآخرة اه ، نعم فيما قاله نظر ، والأولى جعل الدعاء عاماً في أمر الدنيا والآخرة وإن كان تعقيبه بما بعد ظاهراً في كونه خاصاً في أمر الأولى واللام ومن متعلقان بهيء فإن اختلف معناهما بأن كانت الأولى للأجل والثانية ابتدائية فلا كلام ، وإن كانتا للأجل احتاجت صحة التعلق إلى الجواب المشهور .
وتقديم المجرورين على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بهما وإبراز الرغبة في المؤخر وكذا الكلام في تقديم { مِن لَّدُنْكَ } على رحمة على تقدير تعلقه بآتنا ، وتقديم المجرور الأول على الثاني للإيذان من أول الأمر بكون المسؤول مرغوباً فيه لديهم ، وقيل الكلام على التجريد وهو إن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله مبالغة كأنه بلغ إلى مرتبة من الكمال بحيث يمكن أن يؤخذ منه آخر كرأيت منك أسداً أي اجعل أمرنا كله رشداً .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف } قيل هم فتيان المعرفة الذين جبلوا على سجية الفتوة ، وفتوتهم إعراضهم عن غير الله تعالى فأووا إلى الكهف الخلوة به سبحانه { فَقَالُواْ } حين استقاموا في منازل الإنس ومشاهد القدس وهيجهم ما ذاقوا إلى طلب الزيادة والترقي في مراقي السعادة { رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } معرفة كاملة وتوحيداً عزيزاً { وَهَيّئ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا } [ الكهف : 10 ] بالوصول إليك والفناء فيك
قوله : ( إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ) أي واذكر حين لجأ هؤلاء الفتية المؤمنون إلى الكهف هاربين من قومهم المشركين وملكهم الظالم الذي استخف شعبه فحملهم على التلبس بالوثنية . وقيل : إن هؤلاء الفتية مؤمنون من قوم عيسى عليه السلام وقد أبوا أن يطيعوا ملكهم ؛ إذ أمر الناس بعبادة الأصنام . وقيل : كانوا من قوم مشركين من قبل المسيح لكنهم آمنوا بالله وحده ولم يشركوا بعبادته أحدا من دونه . فقد تشاوروا فيما بينهم بحثا عن سبيل النجاة بدينهم ، والخلاص من الفتنة . فاهتدوا إلى الخروج من بلدهم ومن بين أهلهم مختفين مستسرّين ؛ كيلا يعلم بهم أحد فيخبر عنهم الملك الظالم فيفتنهم عن دينهم .
أما الكلب الذي كان معهم : فقد روي أنه كان كلب صيد لهم . وقيل : إنهم وجدوا في طريقهم راعيا له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم وذهب الكلب معهم والقول الأول أشبه بالصحيح .
ويستفاد من هذه الآية : جواز الفرار بالدين وهجر الأهل والأوطان ، ومغادرة الديار والصحب والخلان خشية الفتنة . وذلك أن تحيق بالمسلمين ظواهر شتى من الفتنة فيوشك معها أن يفتن المسلم عن دينه فيسقط في مهاوي الضلال والفساد ، أو الزيغ عن العقيدة . ولنا في رسول الله ( ص ) في ذلك خير أسوة ؛ إذا خرج بدينه ومعه الفئة المؤمنون المهجرة ، لما حاقت بهم المحن والشدائد التي تحول بين المرء والقيام بعبادة ربه وطاعته ؛ فقد هجروا الأوطان والأهل والأولاد ، طلبا للنجاة بدينهم وخشية من فتنة الكافرين لهم . فالهجرة في مثل هذه الحال جائزة إن كان في الأرض متسع يتحقق فيه الأمن والطمأنينة وتغيب فيه بوادر الخوف والمحنة والفتنة . أما إذا عمت الفتنة فغشيت عموم البلاد ولم يكن في الأرض من موضع إلا وتعشش فيه الفتنة وتلُوح في أجوائه المحن فما على المؤمنين بعد ذلك إلا الاصطبار والاحتمال ، راكنين في كل أمورهم إلى الله وحده مستمدين منه العون والتثبيت والتأييد ؛ فهو سبحانه ضمين أن يعينهم ويقويهم وأن يجعلهم من الثابتين على دينه . جعلنا الله من الثابتين المخلصين الصابرين على دينه إلى يوم نلقاه .
على أن أحوالا من الفتن تعرض للمسلمين في كثير من الأحيان عبر تاريخهم الطويل مع الكفر والكافرين . وهي فتن تسلك منحى آخر أشد خطرا وكيدا للإسلام والمسلمين . وهي فتنة التشويه والتشكيك في هذا الدين ، وحملات السوء والكذب التي يشيعها الحاقدون والمتربصون على الإسلام ليحملوا البشرية والمسلمين خصوصا على الارتياب في هذا الدين ، مما يفضي إلى إضعاف العقيدة الإسلامية في نفوس أصحابها المسلمين . كزماننا هذا الذي طغت فيه الأكاذيب والدسائس وكل ظواهر التشويه والتشكيك في الإسلام مما يكيده له خصومه المتربصون المنتشرون في سائر أنحاء الأرض ، من وثنيين وملحدين وصليبيين واستعماريين وصهيونيين وماسون . كل أولئك بارعون في التدسس وهم يتحسسون بحثا عن ثغرات في بعض تعاليم الإسلام وأحكامه ؛ ليجدوا فيها مواطن ينفذون منها للطعن في هذا الدين العظيم .
وفي مثل هذه الأحوال من حملات الطغاة والمفسدين والأشرار على الإسلام ، وجب على الفئة المؤمنة الواعية في المسلمين أن ينبروا للرد على ما يفتريه المربيون والخراصون على الإسلام . وجب عليهم أن لا ينثنوا ولا يترددوا في الدفاع عن تعاليم الإسلام . وذلك في ثبات ودراية وشجاعة . واجب المسلمين في مثل هذه الأحوال العصيبة التي تلمّ بالإسلام أن لا يفروا ولا ينعزلوا عن ساحة المواجهة التي يحتدم فيها الصراع بين الإسلام وخصومه الذين يكيدون له بالكذب والتشويه والتخريص ، وإشاعة الأباطيل . ومثل هذه الواقع لا يحتمل الإبطاء أو الفرار أو الاعتزال في خور وتبلّد ؛ فإنه لا ينثني عن مواجهة الخراصين المتربصين بالرد المنطقي المفحم إلا كل متخاذل خائر .
قوله : ( فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ) سألوا الله أن تغشاهم رحمته بما يسبغه عليهم من نعمة الرعاية والكلاءة والرزق والأمن من الأعداء .
قوله : ( وهيئ لنا من أمرنا رشدا ) سألوا الله أن يهبهم في حالهم العصبية هذه ( رشدا ) أي سدادا وتوفيقا ليكونوا مهديين راشدين سالمين من السوء والفتنة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.