روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (233)

{ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن } أمر أخرج مخرج الخبر مبالغة ومعناه الندب أو الوجوب إن خص بما إذا لم يرتضع الصبي إلا من أمه أو لم يوجد له ظئر أو عجز الوالد عن الاستئجار والتعبير عنهن بالعنوان المذكور لاستعطافهن نحو أولادهن والحكم عام للمطلقات وغيرهن كما يقتضيه الظاهر ، وخصه بعضهم بالوالدات المطلقات وهو المروي عن مجاهد وابن جبير وزيد بن أسلم ، واحتج عليه بأمرين : الأول : أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آيات الطلاق فكانت من تتمتها وإنما أتمها بذلك لأنه إذا حصلت الفرقة ربما يحصل التعادي والتباغض وهو يحمل المرأة غالباً على إيذاء الولد نكاية بالمطلق وإيذاءاً له وربما رغبت في التزوج بآخر وهو كثيراً ما يستدعي إهمال أمر الطفل وعدم مراعاته فلا جرم أمرهن على أبلغ وجه برعاية جانبه والاهتمام بشأنه ، والثاني : أن إيجاب/ الرزق والكسوة فيما بعد للمرضعات يقتضي التخصيص إذ لو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا الرضاع ، وقال الواحدي : الأولى أن يخص بالوالدات حال بقاء النكاح لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة ولا يخفى أن الحمل على العموم أولى ولا يفوت الغرض من التعقيب ؛ وإيجاب الرزق والكسوة للمرضعات لا يقتضي التخصيص لأنه باعتبار البعض على أنه على ما قيل : ليس في الآية ما يدل على أنه للرضاع ومن قال : إنه له جعل ذلك أجرة لهن إلا أنه لم يعبر بها وعبر بمصرفها الغالب حثاً على إعطائها نفسها لذلك أو إعطاء ما تصرف لأجله فتدبر .

{ حَوْلَيْنِ } أي عامين والتركيب يدور على الانقلاب وهو منصوب على الظرفية و{ كَامِلَيْنِ } صفته ، ووصف بذلك تأكيداً لبيان أن التقدير تحقيق لا تقريبي مبني على المسامحة المعتادة { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } بيان للمتوجه عليه الحكم ، والجار في مثله خبر لمحذوف أي ذلك لمن أراد إتمام الرضاعة وجوز أن يكون متعلقاً بيرضعن ، فإن الأب يجب عليه الإرضاع كالنفقة للأم والأم ترضع له وكون الرضاع واجباً على الأب لا ينافي أمرهن لأنه للندب أو لأنه يجب عليهن أيضاً في الصور السابقة .

واستدل بالآية على أنّ أقصى مدة الإرضاع حولان ولا يعتد به بعدهما فلا يعطى حكمه وأنه يجوز أن ينقص عنهما ، وقرئ { أَن يُتِمُّ } بالرفع واختلف في توجيهه فقيل : حملت ( أن ) المصدرية على ما أختها في الإهمال كما حملت أختها عليها في الأعمال في قوله صلى الله عليه وسلم : «كما تكونوا يولى عليكم » على رأي ، وقيل : أن يتموا بضمير الجمع باعتبار معنى من وسقطت الواو في اللفظ لالتقاء الساكنين فتبعها الرسم .

{ وَعلَى المولود لَهُ } أي الوالد فإن الولد يولد له وينسب إليه ولم يعبر به مع أنه أخصر وأظهر للدلالة على علة الوجوب بما فيه من معنى الانتساب المشيرة إليه اللام وتسمى هذه الإشارة إدماجاً عند أهل البديع وإشارة النص عندنا ، وقيل : عبر بذلك لأن الوالد قد لا تلزمه النفقة ، وإنما تلزم المولود له كما إذا كانت تحته أمة فأتت بولد فإن نفقته على مالك الأم لأنه المولود له دون الوالد ، وفيه بعد ؛ لأن المولود له لا يتناول الوالد والسيد تناولاً واحداً وحكم العبيد دخيل في البين { رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } أي إيصال ذلك إليهن أي الوالدات أجرة لهن ، واستئجار الأم جائز عند الشافعي وعندنا لا يجوز ما دامت في النكاح أو العدة { بالمعروف } أي بلا إسراف ولا تقتير أو حسب ما يراه الحاكم ويفي به وسعه . { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } تعليل لإيجاب المؤن بالمعروف أو تفسير للمعروف ولهذا فصل وهو نص على أنه تعالى لا يكلف العبد بما لا يطيقه ولا ينفي الجواز والإمكان الذاتي فلا ينتهض حجة للمعتزلة ، ونصب { وُسْعَهَا } على أنه مفعول ثان لتكلف وقرئ و( لا تكلف ) بفتح التاء و( لا نكلف ) بالنون .

{ لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ بِوَلَدِهِ } تفصيل لما يفهم من سابقه وتقريب له إلى الفهم وهو الداعي للفصل ، والمضارة مفاعلة من الضرر ، والمفاعلة إما مقصودة والمفعول محذوف أي تضار والدة زوجها بسبب ولدها ، وهو أن تعنف به وتطلب ما ليس بعدل من الرزق والكسوة وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد وأن تقول بعد أن ألفها الصبي : اطلب له ظئراً مثلاً ، ولا يضار مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من رزقها وكسوتها ، أو يأخذ الصبي منها وهي تريد إرضاعه أو يكرهها على الإرضاع وإما غير مقصودة ، والمعنى/ لا يضر واحد منهما الآخر بسبب الولد ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ( لا تضار ) بالرفع فتكون الجملة بمنزلة بدل الاشتمال مما قبلها ، وقرأ الحسن ( تضار ) بالكسر وأصله تضار مكسور الراء مبنياً للفاعل وجوز فتحها مبنياً للمفعول ، ويبين ذلك أنه قرئ ( ولا تضارر ) ، ( ولا تضارر ) بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها ، وعلى تقدير البناء للمفعول يكون المراد النهي عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج وأن يلحق الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد ، والباء على كل تقدير سببية ولك أن تجعل فاعل بمعنى فعل والباء سيف خطيب ، ويكون المعنى : لا تضر والدة ولدها بأن تسيء غذاءه وتعهده وتفرط فيما ينبغي له وتدفعه إلى الأب بعدما ألفها ولا يضر الوالد ولده بأن ينزعه من يدها أو يقصر في حقها فتقصر هي في حقه ، وقرأ أبو جعفر ( لا تضار ) بالسكون مع التشديد على نية الوقف ، وعن الأعرج ( لا تضار ) بالسكون والتخفيف ، وهو من ضار يضير ونوى الوقف كما نواه الأول ، وإلا لكان القياس حذف الألف ، وعن كاتب عمر رضي الله تعالى عنه ( لا تضرر ) والتعبير بالولد في الموضعين ، وإضافته إليها تارة وإليه أخرى للاستعطاف ، والإشارة إلى ما هو كالعلة في النهي ولذا أقام المظهر مقام المضمر ، ومن غريب التفسير ما رواه الإمامية عن السيدين الصادق والباقر رضي الله تعالى عنهما أن المعنى لا تضار والدة بترك جماعها خوف الحمل لأجل ولدها الرضيع ولا يضار مولود له بمنعه عن الجماع كذلك لأجل ولده ، وحينئذٍ تتعين الباء للسببية ، ويجب أن يكون الفعلان مبنيين للمفعول ، ولا يظهر وجه لطيف للتعبير بالولد في الموضعين ، وتخرج الآية عما يقتضيه السياق ، وبعيد عن الباقر والصادق الإقدام على ما زعمه هذا الراوي الكاذب .

{ وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك } عطف على قوله تعالى : { وَعلَى المولود لَهُ } الخ وما بينهما تعليل أو تفسير معترض والمراد بالوارث وارث الولد فإنه يجب عليه مثل ما وجب على الأب من الرزق والكسوة بالمعروف إن لم يكن للولد مال ، وهو التفسير المأثور عن عمر وابن عباس وقتادة ومجاهد وعطاء وإبراهيم والشعبي وعبد الله بن عتبة وخلق كثير ، ويؤيده أن أل كالعوض عن المضاف إليه الضمير ورجوع الضمير لأقرب مذكور وهو الأكثر في الاستعمال ، وخص الإمام أبو حنيفة هذا الوارث بمن كان ذا رحم محرم من الصبي ، وبه قال حماد ، ويؤيده قراءة ابن مسعود ( وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك ) ، وقيل : عصباته ، وبه قال أبو زيد ، ويروى عن عمر رضي الله تعالى عنه ما يؤيده ، وقال الشافعي : المراد وارث الأب وهو الصبي أي مؤن الصبي من ماله إذا مات الأب ، واعترض أن هذا الحمل يأباه أنه لا يخص كون المؤنة في ماله إذا مات الأب بل إذا كان له مال لم يجب على الأب أجرة الإرضاع بل يجب عليه النفقة على الصبي وأجرة الإرضاع من مال الصبي بحكم الولاية وفيه نظر ، وقيل : المراد الباقي من الأبوين ، وقد جاء الوارث بمعنى الباقي كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني » قيل : وهذا يوافق مذهب الشافعي إذ لا نفقة عنده فيما عدا الولاد ، ولا يخفى ما في ذلك من البحث لأن من إن كانت للبيان لزم التكرار أو الركاكة أو ارتكاب خلاف الظاهر ، وإن كانت للابتداء كان المعنى الباقي غير الأبوين وهو يجوز أن يكون من العصبات أو ذوي الأرحام الذين ليست قرابتهم قرابة الولاد وكون ذلك موافقاً لمذهب الشافعي إنما يتأتى إذا تعين كون الباقي ذوي قرابة الولاد ، وليس في اللفظ ما يفيده كما لا يخفى .

{ فَإِنْ أَرَادَا } أي الوالدان { فِصَالاً } أي فطاماً للولد قبل الحولين وهو المروي عن مجاهد وقتادة وأهل البيت ، وقيل : قبلهما أو بعدهما وهو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعلى الأول : يكون هذا تفصيلاً لفائدة { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ } وبياناً لحكم إرادة عدم الإتمام ، والتنكير للإيذان بأنه فصال غير معتاد ، وعلى الثاني : توسعة في الزيادة والتقليل في مدة/ الرضاعة بعد التحديد والتنكير للتعميم ، ويجوز على القولين أن يكون للإشارة إلى عظمه نظراً للصبي لما فيه من مفارقة المألوف { عَن تَرَاضٍ } متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن وإن كان كوناً خاصاً أي : صادراًعن تراض وجوز أن يتعلق بأراد { مِنْهُمَا } أي الوالدين لا من أحدهما فقط لاحتمال إقدامه على ما يضر الولد بأن تمل الأم أو يبخل الأب { وَتَشَاوُرٍ } في شأن الولد وتفحص أحواله وهو مأخوذ من الشور وهو اجتناء العسل ، وكذا المشاورة والمشورة والمشورة والمراد من ذلك استخراج الرأي وتنكيره للتفخيم . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } في ذلك وإنما اعتبر رضا المرأة مع أن ولي الولد هو الأب وصلاحه منوط بنظره مراعاة لصلاح الطفل لأن الوالدة لكمال شفقتها على الصبي ربما ترى ما فيه المصلحة له .

{ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ } خطاب للآباء هزاً لهم للامتثال على تقدير عدم الاتفاق على عدم الفطام { أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم } بحذف المفعول الأول استغناءاً عنه أي تسترضعوا المراضع أولادكم من أرضعت المرأة طفلاً واسترضعتها إياه كقولك : أنجح الله تعالى حاجتي واستنجحتها إياه ، وقد صرح الإمام الكرماني بأن الاستفعال قد جاء لطلب المزيد كالاستنجاء لطلب الإنجاء والاستعتاب لطلب الإعتاب وصرح به غيره أيضاً ، فلا حاجة إلى القول بأنه من رضع بمعنى أرضع ولم يجعل من الأول أول الأمر لعدم وجوده في كلامهم فإنه بمعزل عن التحقيق ، وقيل : إن استرضع إنما يتعدى إلى الثاني بحرف الجر يقال : استرضعت المرأة للصبي والمراد : أن تسترضعوا المراضع لأولادكم فحذف الجار كما في قوله تعالى : { وَإِذَا كَالُوهُمْ } [ المطففين : 3 ] أي كالوا لهم { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أي في ذلك ، واستدل بالإطلاق على أن للزوج أن يسترضع للولد ويمنع الزوجة من الإرضاع وهو مذهب الشافعية ، وعندنا أن الأم أحق برضاع ولدها وأنه ليس للأب أن يسترضع غيرها إذا رضيت أن ترضعه لقوله تعالى : { والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن } وبه يخصص هذا الإطلاق وإلى ذلك يشير كلام ابن شهاب { إِذَا سَلَّمْتُم } إلى المراضع { مَّا ءاتَيْتُم } أي ضمنتم والتزمتم أو أردتم إتيانه لئلا يلزم تحصيل الحاصل ، وقرأ ابن كثير ( أتيتم ) من أتى إليه إحساناً إذا فعله ، وشيبان عن عاصم ( أوتيتم ) أي ما آتاكم الله تعالى وأقدركم عليه من الأجرة { بالمعروف } متعلق بسلمتم أي بالوجه المتعارف المستحسن شرعاً وجوز أن يتعلق بآتيتم وأن يكون حالاً من فاعله أو فاعل الفعل الذي قبله ، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله وليس التسليم شرطاً لرفع الإثم بل هو الأولى والأصلح للطفل ، فشبه ما هو من شرائط الأولية بما هو من شرائط الصحة للاعتناء به فاستعير له عبارته ، وقيل : لا حاجة إلى هذا لأن نفي الإثم بتسليم الأجرة مطلقاً غير مقيد بتقديمها عليه يعني لا جناح عليكم في الاسترضاع لو لم تأثموا بالتعدي في الأجرة وتظلموا الأجير ، وفيه تأمل لأن الإثم إذا لم يسلم بعد إنما هو بالتعدي ، والاسترضاع كان قبل خالياً عما يوجب الإثم { واتقوا الله } في شأن مراعاة الأحكام { واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا تخفى عليه أعمالكم فيجازيكم عليها ، وفي إظهار الاسم الجليل تربية للمهابة ، وفي الآية من التهديد ما لا يخفى .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (233)

قوله تعالى : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ) . الوالدات مبتدأ مرفوع ، خبره الجملة الفعلية ( يرضعن أولادهن ) . وذلك تبيين من الله للناس عن الولد من حيث إرضاعه وحضانته والإنفاق عليه ، كيلا يبيت عرضة للتضييع والتقصير خصوصا بعد طلاق أمه .

أما قوله : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) فهو عام في النساء الوالدات ، سواء كن ذوات أزواج أو مطلقات فإنهن يرضعن أولادهن مدة عامين كاملين ، وهي المدة الوافية المثلى للرضاع ؛ ولذلك قال سبحانه : ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) فلا بأس بالرضاع دون حولين إن كان في ذلك ما يكفي للطفل ولم يلحق به الضرر . وقيل : الآية في المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن . والأظهر أن الآية في الزوجات في حال بقاء النكاح ؛ لأنهن المستحقات للنفقة والكسوة ، أرضعن أو لم يرضعن .

وصمة مسألة اختلفت فيها كلمة العلماء وهي : الإرضاع حق للوالدة أم هو حق عليها ؟

فقد قيل : إن الإرضاع للمرأة ذات الزوج واجب استنادا إلى قوله تعالى : ( يرضعن ) أي ليرضعن فما دام الزوج قائما ، ونفقتها يضطلع بها الرجل ، فإنها ملزمة بإرضاع الولد . أما المطلقة طلاقا بائنا فلا تكلف بالإرضاع إلا في حالات نبينها في الفقرات اللاحقة . وقيل : إنه في حقهن مندوب وليس واجبا ؛ لان قوله : ( يرضعن ) محتمل . ولو أراد التصريح بكونه واجبا عليها لقال : وعلى الوالدات . كقوله : ( وعلى المولود له رزقهن ) .

وقيل إن الحكم في هذه المسألة مرتبط بالعرف الذي عليه النساء والذي يلتزمن بموجبه بإرضاع أولادهن ، فقد صار العرف ههنا كالشرط . وفي القواعد الفقهية أن المعروف عرفا كالمشروط شرطا .

أما إذا اشترطت المرأة لنفسها خلاف هذا العرف وهو أنها غير ملزمة بإرضاع الولد فلها ذلك . وعلى الأب حينئذ أن يهيئ لولده الرضاع .

ويستثنى من ذلك كله ما إذا رفض الولد الرضاعة من غير أمه ، فإن أمه تكون بذلك ملزمة بإرضاعه إلزاما . ومثل ذلك إذا انعدمت المرضعات في البلد وليس من ترضعه إلا الأم ، فعليها الرضاع بغير منودحة أو مناص .

وإذا مات الأب وليس من مال للصبي وجب إرضاعه عليها بخلاف النفقة ، فإنها يلتزم بها الأولياء من بعد الأب . وقيل : إرضاعه في هذه الحال على بيت المال .

أما المرأة المطلقة طلاقا بائنا فلا رضاع عليها . وعلى الأب أن يهيئ لولده ذلك استئجارا ، إلا أن ترغب أمه في إرضاعه بالأجرة ، فإنها أحق بذلك باعتبارها أكثر حنوا عليه وإخلاصا . وتصبح البائنة ملزمة بالإرضاع إلزاما إذا أبى الولد الرضاع من غيرها أو لم يكن في البلد من ترضعه إلا هي . وتفصيل ذلك في كتب الفقه{[318]} .

ويرد في هذا المجال من الرضاع مسألة التحريم . فقد تبين من الآية أن كمال الرضاعة يكون في سنتين . وليس من اعتبار للرضاعة خارج هذه المدة ، وذلك الذي عليه أكثر العلماء من السلف والخلف . فقد قالوا أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين ، فإذا رضع الولد وكانت سنة فوق عامين لم يقع تحريم بهذا الرضاع ، وقد احتج العلماء لمذهبهم هذا بما روي عن الرسول ( ص ) في هذه المسألة . فقد روى الدارقطني عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) : " لا يحرّم من الرضاع إلا ما كان في الحولين " .

وروى الترمذي عن السيدة أم سلمة- رضي الله عنها- قالت : قال رسول الله ( ص ) : " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعات في الثدي وكان قبل الفطام " . وعلى هذا فإن الإرضاع لا يحرم إلا في الصغر دون الحولين ، ولو فطم الصبي دون حولين ثم أرضعته امرأة بعد فصاله فإنه تثبت به الحرمة عند جمهور العلماء خلافا للإمام مالك ، فإن هذا الرضاع لا يحرم عنده ؛ لأنه صار بمنزلة الطعام . والراجح قول الجمهور استنادا إلى عموم خبر ابن كعباس " لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين " .

قوله : ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) ( المولود له ) هو الأب . والجار والمجرور في محل رفع خبر مقدم . و ( رزقهن ) مبتدأ مؤخر . والضمير في محل جر مضاف إليه .

والمراد في الآية أن على الأب أن ينفق على الزوجة نفقة رزق وكساء . والمقصود بالرزق هنا الإطعام ، على أن يكون ذلك كله بالمعروف ، أي بما تعورف عليه وبما جرت عليه العادة في الإنفاق من غير أن يكون في ذلك أسراف ولا تقتير ، وتبعا لحال الرجل من اليسار أو الإعسار ، وذلك كقوله تعالى : ( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) .

أما الوالدات فإن المراد بهن في الآية الزوجات . ودليل ذلك وجوب النفقة عليهن ؛ إذ لو كنّ غير زوجات لما وجبت لهن النفقة . وقيل المراد بهن المطلقات اللواتي لهن أولاد من أزواجهن ، فإن على الأب أن ينفق عليهن ما أرضعن الولد . وقيل : الآية عامة في المطلقات ذوات الأولاد ، وفي الزوجات حال بقاء النكاح .

وقد استنبط العلماء من هذه الآية ما يدل على أن الحضانة حق للأم سواء في الغلام أو الجارية . وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعي . إلا أنه ( الشافعي ) قال : إذا بلغ الولد ثمانية أعوام وهي سن التمييز فإنه حينئذ يخيّر بين أبويه . واحتج الشافعي لذلك بما رواه النسائي عن أبي هريرة أن امرأة جاءت إلى النبي ( ص ) فقالت له : زوجي يريد أن يذهب بابني ، فقال له النبي ( ص ) : " هذا أبوك وهذه أمك ، فخذ أيهما شئت " فأخذ بيد أمّه .

وفي تقديرنا أن تقييد الحضانة بثماني سنوات من عمر الطفل لا يعوّل عليه . وما احتج به الشافعي لذلك لا يدل على تحديد سن الحضانة بهذه المدّة .

والراجح عندي أن الحضانة حق للأم . وهو حق يمتد حتى سن البلوغ ، سواء كان صبيا أو جارية . والدليل على ذلك ما رواه أبو داود بإسناده عن عبد الله بن عمرو أن امرأة جاءت إلى النبي ( ص ) : " أنت أحق به ما لم تُنكح " فإذا نكحت فليس لها في حضانة ولدها . وهو ما خلاف فيه .

وقوله : ( لا تكلف نفس إلا وسعها ) ( نفس ) نائب فاعل مرفوع . ( إلا ) أداة استثناء كفّها النفي عن العمل . ( وسعها ) مفعول به ثان منصوب والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة . أي أن الأزواج ينبغي عليهم أن ينفقوا على الوالدات مما في مقدورهم وحسب طاقتهم من غير أن يرهقوا في ذلك عسرا{[319]} .

وقوله : ( لا تضار والده بولدها ولا مولود له بولده ) أي ليس للأم أن تأبى إرضاع ولدها على سبيل الإضرار والنكاية بأبيه . وعلى أية حال فإن عليها إرضاعه اللّبأ وهو اللبن الذي يدّره الثدي في الأيام الأولى من ولادة الطفل وليس له عنه غنى ، وكذلك فإنه ليس للوالد أن يصدّ الأم عن إرضاع ابنها مادامت ترغب في ذلك ، وذلك على سبيل الإغاظة المقصود لها .

وقيل في معنى آخر قريب مما بينا وهو أن الأم لا يحل لها أن تدفع عنها الطفل إلى أبيه قاصدة بذلك إضراره بإرهاقه وإشغاله بتربيته وتدبير شؤونه ، ولا يحل للأب .

كذلك أن ينتزع منها الولد لمجرد الإضرار بها والإساءة إليها ، فإن في تصرف الوالدين على هذا النحو ما يسيء إليهما ويضر بهما إضرارا . وهو إضرار متعمد ومقصود ، وقد كانا في غنى عن ذلك لو حبسا عن أنفسهما الغضب وتشبثا بالصبر والعفو وسعة الصدر .

قوله : ( وعلى الوارث مثل ذلك ) أي على وارث والد الطفل مثل ما على والد الطفل نفسه من وجوب الإنفاق على والدة الطفل وعدم الإضرار بها . وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء . وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض .

وقيل : المراد بالوارث هو وراث الصبي فيما لو مات . وهو يلزمه توفير الإرضاع للولد .

وقيل : المراد هم عصبة الأب فإن عليهم نفقة الصبي وذلك إذا توفي الأب نفسه .

وثمة أقوال مفصلة في هذه المسألة ندع للمستزيد فرصة الرجوع فيها إلى مواطنها من كتب الفقه .

قوله : ( فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ) الفصل معناه الفطام ، والضمير في الفعل ( أرادا ) يعود على الوالدين . والتشاور هو أخذ المشورة للوقوف على الرأي المناسب النافع للطفل دون استبداد أحد الوالدين برأيه . فقد ذكرت الآية في مطلعها أن الرضاع بتمامه وكماله يكون في عامين كاملين ، وما تجاوز ذلك فهو ضرب من العبث الذي لا يحرم النكاح ، أما إذا اتفق الوالدان بعد تشاور منهما وتراض دون انفراد أحدهما برأيه على فطام الصبي قبل الحولين مادام ذلك نافعا له وفي مصلحته فهو جائز ولا بأس عليهما في ذلك .

قوله : ( وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف ) . المخاطب في الآية هم الوالدون والوالدات . والمعنى أنكم إذا أردتم لأولادكم الظئر لإرضاعهم ، فلا بأس عليكم في تسليم الطفل واستلامه ، إذ تسلّمه أمه لأبيه فيستلمه منها دون مغاضبة أو قصد لإضرار على أن يدفع لها أجرتها الماضية عن الإرضاع بالتي هي أحسن .

قوله : ( واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ) يحذّر الله عباده من مخالفة شرعه مما أمر به أو عند زجر ، وليعلموا دائما أن الله خبير بأعمالهم رقيب عليهم في أحوالهم وأقواهم وتصرفاتهم فلا يخفى عليه شيء من ذلك{[320]} .


[318]:- تفسير القرطبي جـ3 ص 160 وتفسير الطبري جـ 2 ص 301 وتفسير البيضاوي ص 51 والكشاف جـ 1 ص 369.
[319]:- تفسير النسفي جـ 1 ص 118.
[320]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 284 ، 285 وفتح القدير جـ 1 ص 245 وتفسير النسفي جـ 1 ص 118