جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي - الإيجي محيي الدين  
{۞وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (233)

{ وَالْوَالِدَاتُ {[444]} يُرْضِعْنَ } ، لفظه خبر ومعناه أمر ، على سبيل الاستحسان ، { أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ } : سنتين ، { كَامِلَيْنِ {[445]} } : تحديداً لا تقريبا { لِمَنْ أَرَادَ } ، أي : ذلك لمن أراد { أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } فعلم أن أقصى مدتها سنتان ، ولا اعتبار بالرضاعة بعدهما وعليه {[446]} السلف وأنه يجوز أن ينقص عنهما ، { وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ } أي : الأب ، وعبر عنه بهذه العبارة إشارة إلى جهة وجوب المؤن عليه { رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } ، أي : على والد الطفل نفقة أمه المطلقة مدة الإرضاع { بِالْمَعْرُوفِ } حسبما يراه الحاكم وهو يقدر ، { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } تعليل للتقييد بالمعروف ولإيجاب المؤن ، { لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا {[447]} } بأن تدفعه عن نفسها لمضرة أبيه بتربيته ، بل عليها إرضاعه ، { وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ } ، أي : الأب { بِوَلَدِهِ } بأن ينزع عنها إضراراً لها ، ولا " تضار " إلخ تفصيل لما قبله ، أي : لا يكلف كل منهما الآخر ما ليس في وسعه ولا يضاره بسبب الولد ، { وَعَلَى الْوَارِثِ } عطف على " وعلى المولود له " ، وما بينهما تعليل معترض ، أي : وعلى وارث الأب وهو الصبي نفسه ، فإنه إذا مات أبوه فمؤن مرضعته من ماله إن كان له مال وإلا تجبر الأم ، أو المراد وارث الطفل ، يعني إن مات الأب يجبر جميع ورثة الطفل على فرض موته –عصبة كانوا أو غيرهم- على نفقة مرضعته ، أو يجبر وارث الطفل المحرم منه بحيث لا يجوز النكاح بينهما على تقدير أن يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى لا الجميع ، أو عصبات الطفل فقط { مِثْلُ ذَلِكَ } : مثل ما على والده من الإنفاق وعدم الإضرار أو المراد {[448]} عدم الإضرار فقط لا الإنفاق ، { فَإِنْ أَرَادَا } أي : الأبوان { فِصَالاً } : فطاماً صادراً { عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ } : بينهما قبل الحولين { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } : في ذلك ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد في الفطام { وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ } : المراضع { أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم } : إلى المراضع ، { مَّا آتَيْتُم } ، أي : أردتم إيتاءه ، يعني : أجرتها ، أو إلى الأمهات أجرتهن بقدر ما أرضعن { بِالْمَعْرُوفِ } : بالوجه المتعارف شرعاً ومروءة ، ونفى الجناح مقيد بالتسليم لا لأنه شرط جواز الاسترضاع ، بل إرشاد إلى أن الأكثر ثواباً أن يكون الاسترضاع مقرونا بتسليم ما يعطى المرضع ، فشبه ما هو من شرائط الأولوية بما هو من شرائط الصحة ، فاستعيرت {[449]} له العبارة مبالغة ، { وَاتَّقُواْ اللّهَ } : في محافظة حدوده ، { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ، حث وتهديد .


[444]:ولما كان النكاح قد يكون سبب ولادة، فيكون عنها رضاع، وقد تكون المرضعة زوجة وقد تكون أجنبية، والزوجة متصلة أو منفصلة، والفراق بالطلاق أكثر منه بالموت وسطه بين عدتي الطلاق والوفاة اهتماماً بشأن الولد، فقال: "والوالدات يرضعن" الآية/12 وجيز.
[445]:تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير تحقيقي لا تقريبي، وفيه رد على أبي حنيفة في قوله: أن مدة الرضاعة ثلاثون شهر، وعلى زفر في قوله: أنها ثلاث سنين/12 فتح
[446]:وفي الدارقطني "قال عليه الصلاة والسلام: لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في حولين"/12 وجيز [وكذا أخرجه البيهقي في سننه (7/462) وهو صحيح]، وشذت عائشة – رضي الله عنها – من بينهم أن رضاع الكبير يؤثر في التحريم/12 منه [كما في صحيح مسلم _3/635) ط الشعب].
[447]:أضاف الولد إلى الأم أولا، ثم إلى الأب ثانيا، استعطافاً لهما عليه وتنبيها على أنه حقيق بأن يتفقا على الإشفاق عليه/ وجيز
[448]:الأول قول الجمهور، والثاني قول مجاهد والشعبي والضحاك/12 منه
[449]:أي: استعير له العبارة الموضوعة لإفادة التعليق بوصف الصحة اهتماماً بشأن ذلك الأمر فافهم/12 منه