روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (100)

{ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الارض مُرَاغَماً كَثِيراً } ترغيب في المهاجرة وتأنيس لها ، والمراد من المراغم المتحول والمهاجر كما روي ذلك عن ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم فهو اسم مكان ، وعبر عنه بذلك تأكيداً للترغيب لما فيه من الأشعار بكون ذلك المتحول الذي يجده يصل فيه المهاجر إلى ما يكون سبباً لرغم أنف قومه الذين هاجرهم ، وعن مجاهد : إن المعنى يجد فيها متزحزحاً عما يكره ، وقيل : متسعاً مما كان فيه من ضيق المشركين ، وقيل : طريقاً يراغم بسلوكه قومه أي يفارقهم على رغم أنوفهم والرغم الذل والهوان ، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب ، وقرىء مرغماً { واسعة } أي من الرزق وعليه الجمهور ، وعن مالك سعة من البلاد .

{ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت } أي يحل به قبل أن يصل إلى المقصد ويحط رحال التسيار ، بل وإن كان ذلك خارج بابه كما يشعر به إيثار الخروج من بيته على المهاجرة ، وثمّ لا تأبى ذلك كما ستعرفه قريباً إن شاء الله تعالى ، وهو معطوف على فعل الشرط ، وقرىء { يُدْرِكْهُ } بالرفع ، وخرجه ابن جني كما قال السمين على أنه فعل مضارع مرفوع للتجرد من الناصب والجازم ، والموت فاعله ، والجملة خبر لمبتدأ محذوف أي ثم هو يدركه الموت وتكون الجملة الإسمية معطوفة على الفعلية الشرطية وعلى ذلك حمل يونس قول الأعشى :

إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا *** ( أو تنزلون فإنا معشر نزل )

أي أو أنتم تنزلون وتكون الاسمية حينئذ كما قال بعض المحققين : في محل جزم وإن لم يصح وقوعها شرطاً لأنهم يتسامحون في التابع ، وإنما قدروا المبتدأ ليصح رفعه مع العطف على الشرط المضارع ، وقال عصام الملة : ينبغي أن يعلم أنه على تقدير المبتدأ يجب جعل { مِنْ } موصولة لأن الشرط لا يكون جملة اسمية ويكون { يَخْرُجُ } أيضاً مرفوعاً ، ويرد عليه حينئذ أنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ ، فالأولى أن الرفع بناءاً على توهم رفع { يَخْرُجُ } لأن المقام من مظان الموصول ، ولا يخفى أنه خبط وغفلة عما ذكروا ، وقيل : إن ضم الكاف منقول من الهاء كأنه أراد أن يقف عليها ، ثم نقل حركتها إلى الكاف كقوله :

عجبت والدهر كثير عجبه *** من عنزي يسبني لم أضربه

وهو كما في «الكشف » ضعيف جداً لإجراء الوصل مجرى الوقف والنقل أيضاً ، ثم تحريك الهاء بعد النقل بالضم وإجراء الضمير المتصل مجرى الجزء من الكلمة ؛ والبيت ليس فيه إلا النقل وإجراء الضمير مجرى الجزء ، وقرأ الحسن { يُدْرِكْهُ } بالنصب ، وخرجه غير واحد على أنه بإضمار إن نظير ما أنشده سيبويه من قوله :

سأترك منزلي لبني تميم *** وألحق بالحجاز فأستريحا

ووجهه فيه أن سأترك مستقبل مطلوب فجرى مجرى الأمر ونحوه ، والآية لكون المقصود منها الحث على الخروج وتقدم الشرط الذي هو شديد الشبه بغير الموجب كانت أقوى من البيت ، وذكر بعض المحققين أن النصب في الآية جوزه الكوفيون لما أن الفعل الواقع بين الشرط والجزاء يجوز فيه الرفع والنصب والجزم عندهم إذا وقع بعد الواو والفاء كقوله :

ومن لا يقدم رجله مطمئنة *** فيثبتها في مستوى القاع يزلق

وقاسوا عليهما ثم ، فليس ما ذكر في البيت نظير الآية ، وقيل : من عطف المصدر المتوهم على المصدر المتوهم مثل أكرمني وأكرمك أي ليكن منك إكرام ومني ، والمعنى من يكن منه خروج من بيته وإدراك الموت له .

{ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } أي وجب بمقتضى وعده وفضله وهو جواب الشرط ، وفي مقارنة هذا الشرط مع الشرط السابق الدلالة على أن المهاجر له إحدى الحسنيين إما أن يرغم أنف أعداء الله ويذلهم بسبب مفارقته لهم واتصالهم بالخير والسعة ، وإما أن يدركه الموت ويصل إلى السعادة الحقيقية والنعيم الدائم ، وفي الآية ما لا يخفى من المبالغة في الترغيب فقد قيل : كان مقتضى الظاهر ومن يهاجر إلى الله ورسوله ويمت يثبه إلا أنه اختير { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا } على ومن يهاجر لما أشرنا إليه آنفاً ، ووضع { يُدْرِكْهُ الموت } موضع يمت إشعاراً بمزيد الرضا من الله تعالى ، وأن الموت كالهدية منه سبحانه له لأنه سبب للوصول إلى النعيم المقيم الذي لا ينال إلا بالموت ، وجيء بثم بدل الواو تتميماً لهذه الدقيقة ، وأن مرتبة الخروج دون هذه المرتبة ، وأقيم { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } مقام يثبه لما أنه مؤذن باللزوم والثبوت ، وأن الأجر عظيم لا يقادر قدره ولا يكتنه كنهه لأنه على الذات الأقدس المسمى بذلك الاسم الجامع ؛ وعن الزمخشري : إن فائدة { ثُمَّ يُدْرِكْهُ } بيان أن الأجر إنما يستقر إذا لم يحبط العمل الموت ، واختلف فيمن نزلت ؛ فأخرج ابن جرير عن ابن جبير أنها نزلت في جندب بن ضمرة ، وكان بلغه قوله تعالى : { إِنَّ الذين توفاهم الملئكة ظالمى أَنفُسِهِمْ } [ النساء : 97 ] الآية وهو بمكة حين بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسلميها فقال لبنيه : احملوني فإني لست من المستضعفين ، وإني لأهتدي الطريق ، وإني لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة وكان شيخاً كبيراً فمات بالتنعيم ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على شماله ؛ ويقول : اللهم هذه لك وهذه لرسولك صلى الله عليه وسلم أبايعك على ما بايع عليه رسولك ، ولما بلغ خبر موته الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا : ليته مات بالمدينة فنزلت ، وروى الشعبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في أكتم بن صيفي لما أسلم ومات وهو مهاجر ، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير أنها نزلت في خالد بن حزام وقد كان هاجر إلى الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات ، وروي غير ذلك ، وعلى العلات فالمراد عموم اللفظ لا خصوص السبب ، وقد ذكر أيضاً غير واحد أن من سار لأمر فيه ثواب كطلب علم وحج وكسب حلال وزيارة صديق وصالح ومات قبل الوصول إلى المقصد فحكمه كذلك ، وقد أخرج أبو يعلى والبيهقي عن أبي هريرة قال :

«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة ، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة ، ومن خرج غازياً في سبيل الله تعالى فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة » ، واحتج أهل المدينة بالآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة ، والصحيح ثبوت الأجر الأخروي فقط { وَكَانَ الله غَفُوراً } مبالغاً في المغفرة فيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج { رَّحِيماً } مبالغاً في الرحمة فيرحمه سبحانه بإكمال ثواب هجرته ونيته .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ } عن مقار النفس المألوفة { يَجِدْ فِى الارض } أي أرض استعداده { مُرَاغَماً كَثِيراً } أي منازلاً كثيرة يرغم فيها أنوف قوى نفسه { واسعة } أي انشراحاً في الصدر لسبب الخلاص من مضايق صفات النفس وأسر الهوى { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ } أي مقامه الذي هو فيه مهاجراً إلى الله بالتوجه إلى توحيد الذات { وَرَسُولُهُ } بالتوجه إلى طلب الاستقامة في توحيد الصفات { ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت } أي الانقطاع { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } حسبما توجه إليه { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } [ النساء : 100 ] فيستر بصفاته صفات من توجه إليه ويرحم من انقطع دون الوصول بما هو أهله ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (100)

قوله تعالى : ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مرغما كثيرا وسعة من يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ) .

ذلك تحريض من الله على الهجرة والخروج من أرض الفتنة إلى حيث الأمن وسلامة الدين والنفس وحيث العبادة والتحدّث في أمر الإسلام لتثبيته ونشره في الآفاق . وفي التحريض وعد من الله سبحانه بأن من يهاجر سوف يجد في الأرض مراغما كبيرا . وجاء في معنى المراغم بأنها التحوّل من أرض إلى أرض أو المتزحزح عما يؤدي أو الذهاب في الأرض . وقيل المبتغى للعيش وفي قول آخر مستنبط من الكلمة اشتقاقا وهو أن المراغم من الإرغام في غلبة وقهر . وكأن المؤمن المهاجر قد غمس أنوف المشركين في الرغام ( التراب ) حينما وجد مندوحة عن موطن قهرهم لحصوله بالهجرة على المنعة والتحصين{[818]} .

قوله : ( وسعة ) بمعنى الزرق والغنى بعد القلّة والضيق . وفي ذلك طمأنة للمؤمن الذي تحيط به الفتنة وسوء العذاب فيخرج مهاجرا في سبيل الله إلى حيث الأمن والسلامة . إنها طمأنة له كيلا يضطرب أو يتزعزع فيتثاقل إلى البقاء والاستدامة في أرض الضلال والإغواء خشية منه على الرزق أو هربا من عواقب الضيق والفاقة تحيق به إذا ما هاجر . فمن خلال هاتيك الظنون والهواجس التي قد تساور المسلم ينشر الله وعده بأن من يهاجر في سبيله سوف يجد في الأرض من الفضل والسعة ما يمكنه من العيش في هناءة وارتياح ، وأنه لن يكون في عداد الهائمين المضيعين . فالله ضمين لعباده الأتقياء الصابرين أن يدرأ عنهم كل أشكال العوادي والبوائق .

قوله : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا . . . ) جاء في سبب نزولها جملة أقوال لعلّ أقواها ما ورد في ضمرة بن جندب فقد خرج من مكة مهاجرا إلى رسول الله ( ص ) فمات في الطريق قبل أن يصل . وقيل غير ذلك{[819]} .

وتدل الآية على أن من يخرج من بيته مهاجرا في سبيل الله لا في سبيل مغنم أو دنيا ، ثم مات في الطريق ( فقد وقع أجره على الله ) أي حصل له عند الله من الثواب ما يساوي ثواب من هاجر . والحساب في ذلك أصلا يدور مع النية وهي أساس القبول والرضوان من الله جل وعلا ، وهي المثابة التي توزن في ضوئها أفعال العباد وأقوالهم فينالون أجورهم كاملة غير منقوصة . وثمة حديث عظيم نظل نعرض له باستمرار لأهميته وخطورته وهو ما ثبت في كتب الصحاح والمسانيد والسنن جميعا بإسناد عن عمر بن الخطاب عن النبي ( ص ) أنه قال : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " .

ولذلك فإن من يحمل بين جوانحه قصدا للخير أو نية في التصرف الصالح فإن أجره محسوب ولو لم يتمكن من تحقيق ذلك بالفعل . وقد أخرج الإمام أحمد رضي الله عنه بإسناده عن عبد الله بن عتيك قال : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : " من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله ، ثم قال : وأين المجاهدون في سبيل الله ، فخرّ عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله ، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله ، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله " .

وفي حديث آخر أخرجه الحافظ أبو يعلى بإسناده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاجّ إلى يوم القيامة ، ومن خرج متعمرا فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة ، ومن خرج غازيا في سبيل الله فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة " {[820]} .


[818]:- تفسير النسفي جـ 1 ص 246 وتفسير البيضاوي ص 124
[819]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 119.
[820]:- تفسير الطبري جـ 5 ص 147-154 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 541- 543.