روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (92)

{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } شروع في بيان حال المؤمنين بعد بيان حال الكافرين والمنافقين ، وقيل : لما رغب سبحانه في قتال الكفار ذكر إثره ما يتعلق بالمحاربة في الجملة أي ما صح له وليس من شأنه { أَن يَقْتُلَ } بغير حق { مُؤْمِناً } فإن الإيمان زاجر عن ذلك { إِلاَّ خَطَئاً } فإنه مما لا يكاد يحترز عنه بالكلية وقلما يخلو المقاتل عنه ، وانتصابه إما على أنه حال أي ما كان له أن يقتل مؤمناً في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ ، أو على أنه مفعول له أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ ، أو على أنه صفة للمصدر أي إلا قتلا خطأ فالاستثناء في جميع ذلك مفرغ وهو استثناء متصل على ما يفهمه كلام بعض المحققين ، ولا يلزم جواز القتل خطأ شرعاً حيث كان المعنى أن من شأن المؤمن أن لا يقتل إلا خطأ . وقال بعضهم : الاستثناء في الآية منقطع أي لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر ، وقيل : إلا بمعنى ولا ، والتقدير وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأ ، وقيل : الاستثناء من مؤمن أي إلا خاطئاً ، والمختار مع الفصل الكثير في مثل ذلك النصب ، والخطأ ما لا يقارنه القصد إلى الفعل أو الشخص ، أو لا يقصد به زهوق الروح غالباً ، أو لا يقصد به محظور كرمي مسلم في صف الكفار مع الجهل بإسلامه ، وقرىء خطاء بالمد وخطا بوزن عمى بتخفيف الهمزة ، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي وكان أخا أبي جهل والحرث بن هشام لأمهما أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحب ولد أمه إليها فشق ذلك عليها فحلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه ، فأقبل أبو جهل والحرث حتى قدما المدينة فأخبرا عياشاً بما لقيت أمه ، وسألاه أن يرجع معهما فتنظر إليه ولا يمنعاه أن يرجع وأعطياه موثقاً أن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمداً إليه فشداه وثاقاً وجلداه نحواً من مائة جلدة ، وأعانهما على ذلك رجل من بني كنانة فحلف عياش ليقتلن الكناني إن قدر عليه فقدما به مكة فلم يزل محبوساً حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فخرج عياش فلقي الكناني وقد أسلم ، وعياش لا يعلم بإسلامه فضربه حتى قتله فأخبر بعد بذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فنزلت ، وروي مثل ذلك عن مجاهد وعكرمة .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد

" أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له فوجد رجلاً من القوم في غنم له فحمل عليه بالسيف ، فقال : لا إله إلا الله فبدر فضربه ، ثم جاء بغنمه إلى القوم ثم وجد في نفسه شيئاً فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا شققت عن قلبه وقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه ؟ا فقال : كيف بي يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : فكيف بلا إلا إلا الله ؟ا وتكرر ذلك قال أبو الدرداء فتمنيت أن ذلك اليوم مبتدأ إسلامي ثم نزل القرآن "

{ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أي فعليه ( أي فواجبة ) تحرير رقبة والتحرير الإعتاق ؛ وأصل معناه جعله حراً أي كريماً لأنه يقال لكل مكرم حر ، ومنه حر الوجه للخد وأحرار الطير ، وكذا تحرير الكتاب من هذا أيضاً ، والمراد بالرقبة النسمة تعبيراً عن الكل بالجزء ، قال الراغب : إنها في المتعارف للمماليك كما يعبر بالرأس والظهر عن المركوب ، فيقال : فلان يربط كذا رأساً وكذا ظهراً { مُؤْمِنَةٍ } محكوم بإيمانها وإن كانت صغيرة ، وإلى ذلك ذهب عطاء ، وعن ابن عباس والشعبي وإبراهيم والحسن لا يجزىء في كفارة القتل الطفل ولا الكافر ، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال في حرف أبي : ( فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها صبي ) ، وفي الآية رد على من زعم جواز عتق كتابي صغير أو مجوسي كبير أو صغير ، واستدل بها على عدم إجزاء نصف رقبة ونصف أخرى { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } أي مؤداة إلى ورثة القتيل يقتسمونها بينهم على حسب الميراث ، فقد أخرج أصحاب «السنن الأربعة » عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال : كتب إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها ، ويقضي منها الدين وتنفذ الوصية ولا فرق بينها وبين سائر التركة ، وعن شريك لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية . وعن ربيعة الغرة لأم الجنين وحدها ؛ وذلك خلاف قول الجماعة ، وتجب الرقبة في مال القاتل ، والدية تتحملها عنه العاقلة ، فإن لم تكن فهي في بيت المال ، فإن لم يكن ففي ماله .

{ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } أي يتصدق أهله عليه ، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه ، وقد أخرج الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم : " كل معروف صدقة " وهو متعلق بعليه قبل ، أو بمسلمة أي فعليه الدية أو يسلمها في جميع الأحيان إلا حين أن يتصدق أهله بها فحينئذ تسقط ولا يلزم تسليمها ، وليس فيه كما قيل دلالة على سقوط التحرير حتى يلزم تقدير عليه آخر قبل قوله : { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } فالمنسبك في محل نصب على الاستثناء ، وقال الزمخشري : إن المنسبك في محل النصب على الحال من القاتل أو الأهل أو الظرف ، وتعقبه أبو حيان بأن كلا التخريجين خطأ لأن { ان } والفعل لا يجوز وقوعهما حالاً ، ولا منصوباً على الظرفية كما نص عليه النحاة وذكر أن بعضهم استشهد على وقوع { ان } وصلتها موقع ظرف الزمان بقوله :

فقلت لها لا تنكحيه فإنه *** لأول سهم ( أن ) يلاقي مجمعا

أي لأول سهم زمان ملاقاته ، وابن مالك كما قال السفاقسي يقدر في الآية والبيت حرف الجر أي بأن يصدقوا وبأن يلاقي ، وقرأ أبي إلا أن يتصدقوا .

{ فَإن كَانَ } أي المقتول خطأ { مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ } أي كفار يناصبونكم الحرب { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } ولم يعلم به القاتل لكونه بين أظهر قومه بأن أتاهم بعد ( أن أسلم ) لمهم ، أو بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم ، والآية نزلت كما قال ابن جبير في مرداس بن عمرو لما قتله خطأ أسامة بن زيد { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } أي فعلى قاتله الكفارة دون الدية إذ وراثة بينه وبين أهله { وَإِن كَانَ } أي المقتول المؤمن ما روي عن جابر بن زيد { مِن قَوْمٍ } كفار { بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق } أي عهد مؤقت أو مؤبد { فِدْيَةٌ } أي فعلى قاتله دية { مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } من أهل الإسلام إن وجدوا ، ولا تدفع إلى ذوي قرابته من الكفار وإن كانوا معاهدين إذ لا يرث الكافر المسلم ، ولعل تقديم هذا الحكم كما قيل مع تأخير نظيره فيما سلف للإشعار بالمسارعة إلى تسليم الدية تحاشياً عن توهم نقض الميثاق { وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } كما هو حكم سائر المسلمين ، ولعل إفراده بالذكر ما قيل أيضاً مع اندراجه في حكم ما سبق في قوله سبحانه : { وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً } الخ لبيان أن كونه فيما بين المعاهدين لا يمنع وجوب الدية كما منعه كونه بين المحاربين . وقيل : المراد بالمقتول هنا أحد أولئك القوم المعاهدين فيلزم قاتله تحرير الرقبة ، وأداء الدية إلى أهله المشركين للعهد الذي بيننا وبينهم ، وروي ذلك عن ابن عباس والشعبي وأبي مالك ، واستدل بها على أن دية المسلم والذمي سواء لأنه تعالى ذكر في كل الكفارة والدية فيجب أن تكون ديتهما سواءاً كما أن الكفارة عنهما سواء . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية المسلم ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم ؛ وأخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن دية أهل الكتاب كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم النصف من دية المسلمين وبذلك أخذ مالك .

وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم ودية المجوسي ثلثا عشرها ، وزعم بعضهم وجوب الدية أيضاً فيما إذا كان المقتول من قوم عدو لنا وهو مؤمن لعموم الآية الأولى ، وأن السكوت عن الدية في آيته لا ينفيها ، وإنما سكت عنها لأنه لا يجب فيه دية تسلم إلى أهله لأنهم كفار بل تكون لبيت المال ، فأراد أن يبين بالسكوت أن أهله لا يستحقون شيئاً ، وقال آخرون إن الدية تجب في المؤمن إذا كان من قوم معاهدين ، وتدفع إلى أهله الكفار وهم أحق بديته لعهدهم ، ولعل هؤلاء لا يعدون ذلك إرثاً إذ لا يرث الكافر ولو معاهداً المسلم كما برهن عليه .

{ الهدى فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة يحررها بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها من الثمن { فَصِيَامُ } أي فعليه صيام { شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } قال مجاهد : لا يفطر فيهما ولا يقطع صيامهما ، فإن فعل من غير مرض ولا عذر استقبل صيامهما جميعاً ، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما بقي منهما ، فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستين مسكيناً لكل مسكين مدّ ، رواه ابن أبي حاتم . وأخرج عنه أيضاً أنه قال : فمن لم يجد دية أو عتاقة فعليه الصوم ، وبه أخذ من قال : إن الصوم لفاقد الدية والرقبة يجزيه عنهما ، والاقتصار على تقدير الرقبة مفعولاً هو المروي عن الجمهور وأخرج ابن جرير عن الضحاك أنه قال : الصيام لمن لم يجد رقبة ، وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء ، ثم قال وهو الصواب لأن الدية في الخطأ على العاقلة والكفارة على القاتل ، فلا يجزىء صوم صائم عما لزم غيره في ماله ، واستدل بالآية من قال : إنه لا إطعام في هذه الكفارة ، ومن قال : ينتقل إليه عند العجز عن الصوم قاسه على الظهار وهو أحد قولين للشافعي رحمه الله تعالى ، وبذكر الكفارة في الخطأ دون العمد ، من قال : أن لا كفارة في العمد ، والشافعي يقول : هو أولى بها من الخطأ { تَوْبَةً } نصب على أنه مفعول له أي شرع لكم ذلك توبة أي قبولاً لها من تاب الله تعالى عليه إذا قبل توبته ، وفيه إشارة إلى التقصير بترك الاحتياط . وقيل : التوبة هنا بمعنى التخفيف أي شرع لكم هذا تخفيفاً عليكم ، وقيل : إنه منصوب على الحالية من الضمير المجرور في عليه بحذف المضاف أي فعليه صيام شهرين حال كونه ذا توبة ، وقيل : على المصدرية أي تاب عليكم توبة ، وقوله سبحانه : { مِنَ الله } متعلق بمحذوف وقع صفة للنكرة أي توبة كائنة من الله تعالى . { وَكَانَ الله عَلِيماً } بجميع الأشياء التي من جملتها حال هذا القاتل { حَكِيماً } في كل ما شرع وقضى من الأحكام التي من جملتها ما شرع وقضى في شأنه .

( ومن باب الإشارة ) : في بعض ما تقدم من الآيات : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } أي وما ينبغي لمؤمن الروح { أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً } وهو مؤمن القلب { إِلا } أن يكون قتلاً { خطأ } ، وذلك إنما يكون إذا خلصت الروح من حجب الصفات البشرية فإذا أرادت أن تتوجه إلى النفس أنوارها لتميتها وقع تجليها على القلب فخر صعقاً من ذلك التجلي ودك جبل النفس دكاً فكان قتله خطأ لأنه لم يكن مقصوداً { خَطَئاً وَمَن قَتَلَ } قلباً { مُؤْمِناً } خطأ { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } وهي رقبة السر الروحاني وتحريرها إخراجها عن رق المخلوقات { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } تسلمها العاقلة وهي الألطاف الإلهية إلى القوى الروحانية فيكون لكل منهما من حظ الأخلاق الربانية { إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } وذلك وقت غنائهم بالفناء بالله تعالى { فَإن كَانَ } المقتول بالتجلي { مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ } بأن كان من قوى النفس الأمارة { وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } وهي رقبة القلب فيطلقه من وثاق رق حب الدنيا والميل إليها ، ولا دية في هذه الصورة لأهل القتيل { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ } بأن كان من قوى النفس القابلة للأحكام الشرعية ظاهراً والمهادنة للقلب { فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } واجبة على عاقلة الرحمة { إلى أَهْلِهِ } أي أهل تلك النفس من الصفات الأخر { وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } وهي رقبة الروح وتحريرها إفناؤها وإطلاقها عن سائر القيود { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة كذلك بأن كانت روحه محررة قبل

{ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } [ النساء : 92 ] أي فعليه الإمساك عن العاديات وترك المألوفات ستين يوماً ، وهي مقدار مدة الميقات الموسوي ونصفها رجاء أن يحصل له البقاء بعد الفناء

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (92)

قوله تعالى : ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ، وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) .

المعنى : لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ، أو لا يصح ولا يستقيم ولا يليق به أن يقتل مؤمنا ابتداء . والاستثناء هنا منقطع . ومعنى " إلا " لكن . وتقدير الجملة كما ذهب سيبويه وغيره هو : ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة ، لكن إن قتله خطأ فعليه كذا وكذا{[805]} .

وقال صاحب الكشاف : والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما أو يرمي شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم .

وقوله : ( وما كان ) لا يفيد النفي ، بل يفيد التحريم والنهي . ولو كان في ذلك نفي لانتفى بذلك حدوث القتل العمد مع أن ذلك حاصل وموجود . وضروب الخطأ كثيرة مردّها جميعا إلى عدم القصد . ومن جملة الخطأ أن يعمد المسلم إلى رمي المشركين ثم يصيب مسلما فيقتله ، أو أن يقصد بالرمي غرضا من الأغراض فيصيب مسلما ، أو أن يحمل على مستحق القتل فيرمي غيره وهو يظن أنه المستحق للقتل . ومثال ذلك كثير . والمعلوم أن المسلم مصون الدم إلا بإحدى ثلاث كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن النبي ( ص ) قال : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيّب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " حتى إنه ليس لأحد من الناس أن يحمل على واحد من هؤلاء الثلاثة ليقتله ، بل إن ذلك من شأن الدولة المسلمة فهي التي قد نيط بها تنفيذ العقوبات سواء في ذلك القصاص أو الحدود أو التعزير . وإذا كان لكل فرد أن يتصرف مندفعا ليقتل من يستحق القتل آل الأمر إلى فوضى وتسيّب .

وقتل المؤمن خطأ يجب فيه تحرير رقبة مؤمنة ثم الدية التي يتسلمها أهله . أما الرقبة فهي العبد فإنه إذا تحرر فهو كأنما تنبعث فيه الحياة المتحركة بعد موات وركود ناشئين عن مهانة العبودية أو هو بمثابة انعتاق لإنسان مؤمن لينتشر في الأرض حرا نشطا بعد استرقاق . ولا جرم أن يتضمن هذا الإعتاق تلافيا لنكسة يمنى بها المجتمع نتيجة لموت امرئ مؤمن وافتقاده من على وجه الأرض وفي ذلك من الخسارة على الأمة الإسلامية ما يوجب سدا لهذه الثغرة بتشريع الإعتاق وهو على سبيل الجبر لما حل به من كسر . وشرط الرقبة أن تكون مؤمنة ، إذ لا يجزئ الكافر وهو ظاهر الآية . أما أوصاف الرقبة وشروطها من أجل أن تجزئ وذلك من حيث الصغر والكبر أو من حيث السلامة والعيوب وغير ذلك فإن ذلك موضع خلاف العلماء .

والإعتاق فيه التطهير للقاتل عما اقترفه من تقصير قد أدّى إلى هلاك امرئ مسلم وكان عليه أن يحتاط ويأخذ زمام الحرص كيلا يقع في خطورة القتل لكنه قد ترك الحرص والحر وأهمل الاحتياط والتنبيه الذي ينبغي أن يسبق القتل فقتل فلزمه بذلك أن يضطلع بالعتق جزاء بما فرّط وجبرا لما أحدث من زوال لكائن مسلم يعبد الله ويدين له في خضوع واستسلام .

أما الدية بكسر الدال . ومنه الفعل : ودى يدي . نقول وداه أي أعطى ديته{[806]} . فهي ما يعطي لولي القتيل عوضا عن دمه . وقوله : ( مسلّمة ) أي مؤداه ومدفوعة . وإيجابها في الآية ينطوي على إجمال غير مبيّن وتبيين ذلك تفصيلا إنما يؤخذ من السنّة النبوية . وبذلك فلا مندوحة عن السنّة وأقوال الفقهاء من المجتهدين من أجل الوقوف على نوعية ما يعطي للوليّ ليكون دية ثم إيجابها على العاقلة بدلا من القاتل نفسه . وهي تجب على العاقلة لا على سبيل العقاب لهم وإنما على سبيل المؤازرة والمواساة فقط .

وتفصيل ذلك أن الدية مقدّرة بمائة من الإبل كما ثبت في أخبار الرسول ( ص ) فقد روي في الموطأ أن رسول الله ( ص ) كتب كتابا لعمرو بن حزم في العقول ( الديات ) فكتب " أن في النفس مائة من الإبل " . وإذا لم يكن هناك إبل قدّرت الدية بالذهب وهي ألف دينار ، أو بالفضة إذا لم يتيسر الذهب وهي من الفضة اثنا عشر ألف درهم . وتلك خلاصة ما ذهب إليه الفقهاء في هذه المسألة استنادا إلى السنة الصحيحة والاستنباط السليم . وهو تقدير للدية في ضوء ما ثبت في الخبر الصحيح ، فقد أخرج النسائي عن عمرو بن حزم أن رسول الله ( ص ) كتب إلى أهل اليمن " وأن في النفس مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار " .

وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عباس " أن رجلا من بني عدي قُتل فجعل النبي ( ص ) ديته اثني عشر ألفا " يعني من الدراهم . أما التقدير بالنقد في العصر الحديث فهو شأن يناط بأهل الخبرة من ذوي الاختصاص حتى يمكن الكشف عن كمية الدية على نحو محدد ومضبوط .

والدية في القتل الخطأ تجب على العاقلة وذلك ما قضى به الرسول ( ص ) وهو إجماع العلماء . والعاقلة معناها عصبته أي أقرباؤه من طريق الذكورة . وهي في اللغة من العقل بمعنى المنع والحبس . فالعاقلة هم الأقربون الذين يمنعون قريبهم من الاعتداء عليه أو التمكن منه . والعقل على لسان الفقهاء معناه الدية . وسميت الدية عقلا ؛ لأنها تعقل الدماء من أن تسفك{[807]} .

والمقدار من الدية الذي تلتزم بأدائه العاقلة ما جاوز الثلث ، فالثلث يؤديه القاتل نفسه والثلثان الآخران يقوم بدفعهما الأقربون وهم ما يعرفون بالعاقلة . وذلك قول المالكية والحنابلة وآخرين . فالعاقلة تحمل من الدية ما يبلغ الثلث أو أكثر . وما كان دون ذلك فيتحمله الجاني في ماله .

واستدلوا لذلك بما روي عن ابن عباس مرفوعا أن النبي ( ص ) قال : " لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا اعترافا ولا صلحا ولا ما دون الثلث " .

أما الحنفية فقالوا : إنما تحمل العاقلة ما كان نصف عشر الدية فأكثر . واستدلوا بحديث ابن عباس مرفوعا أنه " لا تعقل العواقل عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش الموضحة " وقالوا : أرش الموضحة ما بلغ نصف عشر بدل النفس . أما ما نقص عن نصف عشر الدية فهو في مال الجاني .

أما الشافعية فقالوا : تجب الدية على العاقلة مهما كان قدرها ، سواء كانت قليلة أم كثيرة . وحجتهم في ذلك أن النبي ( ص ) " قضى على العاقلة بالدية " وإطلاق ذلك يوجب الدية كلها على العاقلة{[808]} .

ولا تقدم الدية للولي دفعة واحدة فإن في ذلك مشقة وإرهاقا وإنما تقدم على دفعات من خلال ثلاث سنوات يقوم بأدائها من يعقل عن الجاني .

وإذا كان القتيل جنينا فثمّة تفصيل . فإن مات في بطن أمه وذلك أن تضرب أمه على بطنها فتلقيه حيا ثم يموت ففيه الدية كاملة كما لو كان كبيرا .

أما ما تعلم به حياته فقد اتفق العلماء على أنه يعتبر حيا فيما إذا ارتضع أو تنفّس بعد نزوله وكذلك إذا استهل صارخا أي جاء يبكي كعادة المولود لدى نزوله . فإن كانت الحالة كذلك فإن الدية تجب كاملة . لكن الشافعي وأبا حنيفة قد قالا بكفاية أدنى حركة لتدل على أنه حي . وخالف الإمام مالك في ذلك واشترط أن تقترن حياته لدى نزوله بطول الإقامة ليقضي فيه حينئذ بالدية كاملة . ذلك إذا ألقته أمه حيا ثم مات . أما إذا ألقته ميتا بسبب ضرب أو غيره فإن فيه غرة وهي عشر دية الأم . وذلك لما رواه المغيرة بن شعبة أن امرأتين لزوجين من الأنصار قد تغايرتا فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها فاختصم إلى النبي ( ص ) الرجلان فقالا : ندي من لا صاح ولا أكل ولا شرب ولا استهل فمثل ذلك يطلّ . أي كيف ندفع دية لمخلوق ليس كالأحياء من حيث الصياح أو الأكل أو الشرب ولم يستهل فإن من كان كذلك يطلّ أي يهدر دمه فقال النبي ( ص ) مستنكرا : " أسجع كسجع الأعراب " فقضى فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة . فإن كانت دية المرأة على العاقلة فإن غرة الجنين على العاقلة كذلك من باب القياس .

وإن ماتت الأم وبقي الجنين في بطنها فلا شيء فيه . وكذلك إذا خرج من بطنها ميتا بعد موتها فلا شيء فيه أيضا ، وذلك موضع اتفاق العلماء وقيل إجماعهم . وخالف داود الظاهري في هذا وقال : إذا خرج الجنين ميتا بعد موت أمه فإن فيه الغرّة يستوي ذلك أن تلقيه الأم قبل موتها أو بعده ما دامت قد ضربت على بطنها وهي حية فالحكم هنا منوط بحياتها عند الضرب . وما أجمع عليه العلماء هو الصحيح ويعزز ذلك القياس وهو أنه لو ضربت الأم على بطنها وهي حية فماتت وهي حامل من غير أن ينزل الجنين فإنه لا شيء فيه . فالحكم نفسه إذا سقط الجنين بعد موتها .

وقد اتفق العلماء على أن الجنين إذا سقط حيا ثم مات فإنه تجب فيه الكفارة ( عتق رقبة ) والدية . أما إذا سقط الجنين ميتا فهل تجب فيه كفارة ؟ ذلك موضع خلاف . فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن فيه الغرّة مع الكفارة . وخالفهما الإمام مالك إذ استحسن الكفارة استحسانا دون وجوب . وقال الحنفية : لا كفارة في الجنين ؛ لأن الشرع إنما أوجب الكفارة في النفس المطلقة .

وفي ميراث الغرّة عن الجنين خلاف . فقد قيل إنها ( الغرّة ) موروثة عن الجنين بمعنى أن الجنين قد توفي عن مال الغرة فأصبح هذا المال من نصيب ورثة الجنين على النحو المبين في كتاب الله وسنة نبيه ( ص ) . وذلك قول المالكية والشافعية والحنابلة .

وفي قول آخر بأن الغرّة من نصيب الأم وحدها . وتوجيه ذلك أن الجنين بمثابة عضو من أعضاء أمه ، وإسقاطه يعتبر من باب الجناية الواقعة عليها ( الأم ) فاستحقّت بذلك الغرّة بدلا عما أصابها وهو قول أبي حنيفة ، وقيل غير ذلك{[809]} .

قوله : ( إلا أن يصدقوا ) أصلها يتصدقوا من التصدّق وهو الإعطاء . ومعنى ذلك أن يبرئ أولياء القتيل خصمهم القاتل مما لهم في ذمته من دية . والأصل في ذلك أن الدية حق للأولياء الورثة فلهم حق التنازل عن هذا الحق وإبراء من وجب في ذمته شيء من هذا الحق . لكن الكفارة لا حق لأحد في التنازل عنها ؛ لأنها حق الله وليست حقا للعباد . فالقاتل خطأ تظل ذمته مشغولة بحق من حقوق الله ، وتلك هي الكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة ، ولا تبرأ هذه الذمة بعفو من الأولياء أو إبرائهم وإنما بالتحرير . وهو إذا ما حرر رقبة مؤمنة فإنه يتدارك ليقيم مؤمنا عتيقا مقام مؤمن آخر قد تسبب في قتله وقطعه من جماعة المؤمنين الذين يعبدون الله .

قوله : ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) إذا كان القتيل خطأ من قوم كافرين يعادون المسلمين فإن فيه الإعتاق فقط ولا دية هنا ؛ وذلك لأن في الدية تقوية للأعداء على المسلمين . وأضاف بعضهم وجها آخر وهو ضعف حرمة هذا المؤمن الذي رضي البقاء في حومة الكافرين ولم يعمل على تخليص نفسه من إيذائهم وفتنتهم له . والله سبحانه يقول : ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وليتهم من شيء حتى يهاجروا ) .

قوله : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين . . . ) .

ثمة قولان في حقيقة القتيل : فهل المقصود به أنه مؤمن من أولي ميثاق مع المسلمين ، أم أنه ذمي أو معاهد من قوم أولي ميثاق ؟ ويأخذ بكل من هذين القولين فريق من العلماء ، لكن الذي يترجح للمحقق القول الأول وهو أن الذي يقتل خطأ وهو مؤمن إن كان من قوم أولي ميثاق أو معاهدين فقد وجب فيه شيئان أولهما : الدية تدفع لورثة القتيل ويضطلع بأدائها عاقلة القاتل . ثانيهما : تحرير رقبة مؤمنة ، وهو إعتاقها مثلما بينا سابقا . ووجه هذا القول الراجح أنه لو كان المقصود بالقتيل أن يكون ذميا من أولي ميثاق لما لزم وجوب الكفارة على القاتل وهو تحرير رقبة . ذلك أن تحرير الرقبة كما أوضحنا في حينه يشكّل عملية تعويض لإنسان بإنسان . فثمة إنسان عابد لله قد مات ثم حرّر إنسان عابد آخر من رق العبودية ليقوم مقامه . وذلك هو المعنى المفهوم في عملية التحرير .

وتجب الدية للقتيل خطأ في أحوال كثيرة منها : أن يقود احدهما الآخر فيسقط في حفرة أو بئر ثم يقع أحدهما على الآخر فيقتله . أو يسقط أحد الناس من أعلى على آخر في الأسفل فيموت الساقط أو الذي أسقط عليه . أو اثنان تصادما فمات أحدهما لشدة الصدمة . أو الفارسان يصطدمان فيموتان كلاهما أو يموت أحدهما . أو السفينة التي تجنح إلى الغرق بفعل القيادة السيئة ونتيجة للإهمال . أو السيارة تصدم أحد المارّة فإن كان ذلك عمدا ففيه القصاص ، وإن كان خطأ ففيه الدية والكفّارة . وغير ذلك كثير من الأمثلة والنماذج على القتل الخطأ مما ليس موضعه هنا{[810]} .

قوله : ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) الذي لا يملك الرقبة وليس له مال يشتريها به وجب عليه أن يصوم شهرين على التتابع بغير انقطاع إلا لعذر شرعي مقبول كالحيض والنفاس والمرض . أما السفر فهو موضع خلاف من حيث كونه عذرا مشروعا . وغير ذلك من المعاذير لا تبرر قطع الصوم فلو صام شهرا ثم أفطر وجب عليه الاستئناف .

وثمة رأي بأن المقصود بغير الموجود هنا الدية مع الكفارة . وذلك قول ضعيف ومرجوح ؛ لأن الدية في القتل الخطأ إنما تجب على العاقلة فلا يلزم منه إذن وجوب الصيام لشهرين متتابعين ما دامت الدية على العاقلة لا القاتل . وبذلك فإن المقصود بغير الموجود هو تحرير الرقبة فقط{[811]} .

قوله : ( توبة من الله وكان الله عليما حكيما ) كذلك يتوب القاتل خطأ إذا لم يجد الكفارة وهي عتق رقبة ، وذلك أن شهرين متتابعين بغير انقطاع جزاء لإهماله وعدم تحرّره . وقوله : ( توبة ) منصوب على المفعول المطلق ، أو المفعول لأجله . ( وكان الله ) في الأزل الممتد والأبد الأبيد المديد . وهو سبحانه عالم بما يصلح عليه حال الناس من تشريع وحكم . أو من أوامر وزواجر . وهو كذلك له الكلمة البالغة فيما أوجب من تكليف أو فيما يصدر عنه من أمر ونهي فإنه في ذلك كله أحكم الحاكمين وأعلم العالمين .

وترد مسألة في باب الخطأ في القتل وهي ما لو قتل جماعة واحدا خطأ . فهل تجب الكفارة عليهم مجتمعين أم أنها واجبة على كل واحد منهم بمفرده . جاء في ذلك قولان ظاهران . أولهما : أن الكفارة تجب على كل واحد من هؤلاء الذين قتلوا خطأ وذلك ما ذهب إليه الحسن البصري والنخعي ومالك والشافعي وابن حنبل والحنفية . ثانيهما : أن القاتلين مجتمعين تجب عليهم كفارة واحدة فقط ، وهو قول طائفة من العلماء . إلا أن القول الأول هو الراجح لسببين : الأول : أن إيجاب الكفّارة على كل واحد من القاتلين لهو أوقع في نفس القاتل وأشد تأثيرا فيه بدلا عما اقترفه من تقصير وعدم تحفّظ واهتمام . لكن اشتراك الجميع في كفّارة واحدة أمر تتبسط به الكفارة كثيرا كيلا يبقى تأثير بعدها في نفس الجاني وهو المقصود من الكفارة . الثاني : أن كل واحد من القاتلين قد أسهم بنفسه في عملية القتل وشارك فيها مع الآخرين . وأن كل واحد منهم لو لم يقم بدوره في عملية القتل لما وقع القتل نفسه . وذلك يستوجب لزوم الكفارة على كل واحد من القاتلين{[812]} .


[805]:- تفسير النسفي جـ 1 ص 243 والبيان للأنباري جـ 1 ص 264 والكشاف جـ 1 ص 552.
[806]:- القاموس المحيط جـ 4 ص 403.
[807]:- لسان العرب جـ 13 ص 488 والمغني جـ 7 ص 884 والهداية جـ 4 ص 234.
[808]:- المغني جـ 7 ص 777 وأسهل المدارك جـ 3 ص 133 والكافي لابن قدامة جـ 3 ص 121 والهداية جـ 4 ص 229. والأم جـ 8 ص 326.
[809]:- البناية على الهداية جـ 10 ص 192 والمجموع جـ 19 ص 61 والمغني جـ 7 ص 805 والكافي جـ 3 ص 84 وبلغه السالك على شرح الدردير جـ 2 ص 398.
[810]:- البدائع جـ 7 ص 27 والبناية على الهداية جـ 10 ص 16 والمجموع جـ 19 ص 9-11
[811]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 464.
[812]:- تفسير القرطبي جـ 5 ص 325-328 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 535 وتفسير الطبري جـ 4 ص 131-136.