{ وَكَتَبْنَا } عطف على { أَنزَلْنَا التوراة } [ المائدة : 44 ] والمعنى قدرنا وفرضنا { عَلَيْهِمْ } أي على الذين هادوا ، وفي مصحف أبي ( وأنزلنا على بني إسرائيل ) { فِيهَا } أي في التوراة ، والجار متعلق بكتبنا ، وقيل : بمحذوف وقع حالاً أي فرضنا هذه الأمور مبينة فيها ، وقيل : صفة لمصدر محذوف أي كتبنا كتابة مبينة فيها . { أَنَّ النفس بالنفس } أي مأخوذة أو مقتولة أو مقتصة بها إذا قتلتها بغير حق ، ويقدر في كل مما في قوله تعالى : { والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن } ما يناسبه كالفقء . والجدع والصلم والقلع ، ومنهم من قدر الكون المطلق وقال : إنه مرادهم أي يستقر أخذها بالعين ونحو ذلك . وقرأ الكسائي : { العين } وما عطف عليه بالرفع ، ووجهه أبو علي الفارسي بأن الكلام حينئذ جمل معطوفة على جملة { أَنَّ النفس بالنفس } لكن من حيث المعنى لا من حيث اللفظ ، فإن معنى كتبنا عليهم أن النفس بالنفس قلنا لهم : النفس بالنفس ، فالجملة مندرجة تحت ما كتب على بني إسرائيل ، وجعله ابن عطية على هذا القول من العطف على التوهم وهو غير مقيس ، وقيل : إنه محمول على الاستئناف بمعنى أن الجمل إسمية معطوفة على الجملة الفعلية ، ويكون هذا ابتداء تشريع وبيان حكم جديد غير مندرج فيما كتب في التوراة ، وقيل : إنه مندرج فيه أيضاً على هذا ، والتقدير وكذلك العين بالعين الخ لتتوافق القراءتان . وقال الخطيب : لا عطف ، والاستئناف بمعناه المتبادر منه ، والكلام جواب سؤال كأنه قيل : ما حال غير النفس ؟ فقال سبحانه : { العين * بالعين } الخ ، وقيل : إن العين وكذا سائر المرفوعات معطوفة على الضمير المرفوع المستتر في الجار والمجرور الواقع خبراً ، والجار والمجرور بعدها حال مبينة للمعنى ، وضعف هذا بأنه يلزمه العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير فصل ولا تأكيد ، وهو لا يجوز عند البصريين إلا ضرورة . وأجيب بأنه مفصول تقديراً إذ أصله النفس مأخوذة أو مقتصة هي بالنفس إذ الضمير مستتر في المتعلق المقدم على الجار والمجرور بحسب الأصل وإنما تأخر بعد الحذف وانتقاله إلى الظرف كذا قيل ، وهو يقتضي أن الفصل المقدر يكفي للعطف وفيه نظر ، ويقدر المتعلق على هذا عاماً ليصح العطف إذ لو قدر النفس مقتولة بالنفس والعين لم يستقم المعنى كما لا يخفى فليفهم .
واعلم أن النفس في كلامهم إذا أريد منها الإنسان بعينه مذكر ، ويقال : ثلاثة أنفس على معنى ثلاثة أشخاص ، وإذا أريد بها الروح فهي مؤنثة لا غير ، وتصغيرها نفيسة لا غير ، والعين بمعنى الجارحة المخصوصة مؤنثة ، وإطلاق القول بالتأنيث لا يظهر له وجه إذ لا يصح أن يقال : هذه عين هؤلاء الرجال ، وأنت تريد الخيار ، والأذن مثلها ، والأنف مذكر لا غير ، والسن تؤنث ولا تذكر وإن كانت السن من الكبر لكن ذكر ابن الشحنة أن السن تطلق على الضرس والناب ، وقد نصوا على أنهما مذكران وكذا الناجذ والضاحك والعارض ، ونص ابن عصفور على أن الضرس يجوز فيه الأمران ، ونظم ما يجوز فيه ذلك بقوله :
وهاك من الأعضاء ما قد عددته *** تؤنث أحياناً وحيناً تذكر
لسان الفتى والإبط والعنق والقفا *** وعاتقه والمتن والضرس يذكر
وعندي الذراع والكراع مع المعى *** وعجز الفتى ثم القريض المحبر
كذا كل نحوي حكى في كتابه *** سوى سيبويه وهو فيهم مكبر
يرى أن تأنيث الذراع هو الذي *** أتى وهو للتذكير في ذلك منكر
وقد شاع أن ما منه اثنان في البدن كاليد والضلع والرجل مؤنث ، وما منه واحد كالرأس والفم والبطن مذكر ، وليس ذاك بمطرد ، فإن الحاجب والصدغ والخد والمرفق والزند كل منها مذكر مع أن في البدن منه اثنين ، والكبد والكرش فإنهما مؤنثان وليس منهما في البدن إلا واحد ، وتفصيل ما يذكر ولا يؤنث وما يؤنث ولا يذكر من الأعضاء يفضي إلى بسط يد المقال ، والكف أولى بمقتضى الحال هذا .
{ والجروح قِصَاصٌ } بالنصب عطف على اسم أنَّ ، و { قِصَاصٌ } هو الخبر ، ولكونه مصدراً كالقتال ، وليس عين المخبر عن يؤوّل بأحد التأويلات المعروفة في أمثاله ، والكسائي كما قرأ بالرفع فيما قبل قرأ به هنا أيضاً ، وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وإن نصبوا فيما تقدم رفعوا هنا على أنه إجمال لحكم الجراح بعد ما فصل حكم غيرها من الأعضاء ، وهذا الحكم فيما إذا كانت بحيث تعرف المساواة كما فصل في الكتب الفقهية .
واستدل بعموم { أَنَّ النفس بالنفس } من قال : يقتل المسلم بالكافر والحر بالعبد والرجل بالمرأة ، ومن خالف استدل بقوله تعالى : { الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والانثى بالانثى } [ البقرة : 178 ] وبقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يقتل مؤمن بكافر " وأجاب بعض أصحابنا بأن النص تخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه ، والمراد بما روى الحربي لسياقه «ولا ذوعهد في عهده » ، والعطف يقتضي المغايرة ، وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قتل مسلماً بذمي ، وذكر ابن الفرس أن الآية في الأحرار المسلمين لأن اليهود المكتوب عليهم ذلك في التوراة كانوا ملة واحدة ليسوا منقسمين إلى مسلم وكافر ، وكانوا كلهم أحراراً لا عبيد فيهم ، لأن عقد الذمة والاستعباد إنما أبيح للنبي صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء لأن الاستبعاد من الغنائم ، ولم تحل لغيره عليه الصلاة والسلام ، وعقد الذمة لبقاء الكفار ولم يقع ذلك في عهد نبي بل كان المكذبون يهلكون جميعاً بالعذاب ، وأخر ذلك في هذه الأمة رحمة انتهى .
/ وأنت تعلم أن اللفظ ظاهر في العموم لكن لم يبقوه على ذلك ، فقد قال الأصحاب : لا يقتل المسلم بالمستأمن ولا الذمي به لأنه غير محقون الدم على التأبيد ، وكذا كفره باعث على الحراب لأنه على قصد الرجوع ، ولا المستأمن بالمستأمن استحساناً لقيام المبيح ، ويقتل قياساً للمساواة ، ولا الرجل بابنه لقوله صلى الله عليه وسلم : «لا يقاد الوالد بولده » وهو باطلاقه حجة على مالك في قوله : يقاد إذا ذبحه ذبحاً ، ولأنه سبب لإحيائه ، فمن المحال أن يستحق له إفناؤه ، ولهذا لا يجوز له قتله وإن وجده في صف الأعداء مقاتلاً أو زانياً وهو محصن ، والقصاص يستحقه المقتول أولاً ثم يخلفه وارثه ، والجد من قبل الرجال والنساء وإن علا في هذا بمنزلة الأب ، وكذا الوالدة والجدة من قبل الأم أو الأب قربت أو بعدت لما بينا ، ولا الرجل بعبده ولا مدبره ، ولا مكاتبه ولا بعبد ولده لأنه لا يستوجب لنفسه على نفسه القصاص ولا ولده عليه ، وكذا لا يقتل بعبد ملك بعضه لأن القصاص لا يتجزأ فليفهم ، واستدل بها على ما روي عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه من أنه لا يقتل الجماعة بالواحد لقوله تعالى فيها : { أَنَّ النفس بالنفس } بالإفراد ، وأجيب بأن حكمة القصاص وهو صون الدماء والأحياء اقتضت القتل ، وصرف الآية عما ذكر فإنه لو كان كذلك قتلوا مجتمعين حتى يسقط عنهم القصاص ، وحينئذ تهدر الدماء ويكثر الفساد كذا قيل .
{ فَمَن تَصَدَّقَ } أي من المستحقين للقصاص { بِهِ } أي بالقصاص أي فمن عفا عنه ، والتعبير عن ذلك بالتصدق للمبالغة في الترغيب { فَهُوَ } أي التصدق المذكور { كَفَّارَةٌ لَّهُ } للمتصدق كما أخرجه ابن أبي شيبة عن الشعبي وعليه أكثر المفسرين ، وأخرج الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية فقال : «هو الرجل يكسر سنه أو يجرح من جسده فيعفو فيحط عنه من خطاياه بقدر ما عفا عنه من جسده ، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه ، وإن كان ربع الدية فربع خطاياه ، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه ، وإن كان الدية كلها فخطاياه كلها »
وأخرج سعيد بن منصور وغيره عن عدي بن ثابت «أن رجلاً هتم فم رجل على عهد معاوية رضي الله تعالى عنه فأعطي دية فأبى إلا أن يقتص فأعطى ديتين فأبى فأعطى ثلاثاً فحدث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال : من تصدق بدم فما دونه فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت » وقيل : الضمير عائد إلى الجاني ، وإلى ذلك ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما أخرجه عنه ابن جرير ومجاهد وجابر فيما أخرجه عنهما ابن أبي شيبة ، ومعنى كون ذلك كفارة له على هذا التقدير أنه يسقط به ما لزمه ويتعين عليه أن يكون خبر المبتدأ مجموع الشرط والجزاء حيث لم يكن العائد إلا في الشرط ، وإليه ذهب العلامة الثاني ، وقيل : إن في الجزاء عائداً أيضاً باعتبار أن هو بمعنى تصدقه فيشتمل بحسب المعنى على ضمير المبتدأ ، فالتعين ليس بمسلم ، وقال بعضهم : إنه يحتمل أن يكون معنى الآية أن كل من تصدق واعترف بما يجب عليه من القصاص ، وانقاد له فهو كفارة لما جناه من الذنب ، ويلائمه كل الملاءمة قوله تعالى :
{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } فضمير { لَهُ } حينئذ عائد إلى المتصدق مراداً به الجاني نفسه ، وفيه بعد ظاهر ، وقرأ أبيّ ( فهو كفارته له ) ، فالضمير المرفوع حينئذ للمتصدق لا للتصدق ، وكذا الضميران المجروران والإضافة للاختصاص واللام مؤكدة لذلك ، أي فالمتصدق كفارته التي يستحقها بالتصدق له لا ينقص منها شيء لأن بعض الشيء لا يكون ذلك الشيء ، وهو تعظيم لما فعل حيث جعل مقتضياً للاستحقاق اللائق من غير نقصان ، وفيه ترغيب في العفو ، والآية نزلت كما قال غير واحد لما اصطلح اليهود على أن لا يقتلوا الشريف بالوضيع والرجل بالمرأة ، فلم ينصفوا المظلوم من الظالم ، وعن السيد السند أن القصاص كان في شريعتهم متعيناً عليهم فيكون التصدق مما زيد في شريعتنا ، وقال الضحاك : لم يجعل في التوراة دية في نفس ولا جرح ، وإنما كان العفو أو القصاص وهو الذي يقتصيه ظاهر الآية .
قوله تعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } .
فرض الله على بني إسرائيل في التوراة أن يسووا في النفس والنفس ، لكنهم خالفوا ذلك عمدا وعنادا فغيروه وبدلوه ففضلوا بني النضير على بني قريظة ، وخصصوا إيجاب القود على بني قريظة دون بني النضير ، فكانوا لا يقيدون القرظي من النضري بل يعدلون إلى الدية ، مثلما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن ، إذ عدلوا عنه إلى الجلد والتحميم والإشهار . من أجل ذلك جاء قوله { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } توبيخا لهم وتقريعا ، لكونهم يخالفون ما كتبه الله عليهم في التوراة .
وقد اختلف العلماء في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا ؟
القول الأول : إننا متعبدون بشرع من قبلنا ما لم يظهر ما ينسخه . وقد ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية وبعض الشافعية ، أحمد في إحدى الروايتين عنه . وقالت به طائفة من المتكلمين . وهو قول الفقهاء . واختاره الرازي وابن الحاجب . وقال به معظم المالكية{[979]} .
واحتجوا في ذلك بعدة أدلة منها قوله تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } والنبي صلى الله عليه وسلم من جملة النبيين فوجب في حقه الحكم بها .
وكذلك قوله تعالى : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يقتدي بهدي من سبقه من النبيين . وشرعهم من هداهم فوجب عليه اتباعه .
ومنها قوله تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } فدل على وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لشريعة نوح ومنها قوله تعالى : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم } فقد أمر باتباع ملة إبراهيم والأمر للوجوب .
واحتجوا من السنة بأدلة منها ما أخرجه مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " وتلا قوله تعالى : { وأقم الصلاة لذكري } وهذا خطاب مع موسى عليه السلام . ولو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته متعبدين بما كان موسى متعبدا به في دينه لما صح الاستدلال بالآية .
القول الثاني : إن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا . وهو قول المعتزلة والمتكلمين وأكثر الشافعية ، وأحمد في الرواية الثانية عنه ، واختاره الآمدي والغزالي . واستدلوا على ذلك بعدة أدلة منها : قوله تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } وهذا يدل على أن كل واحد من النبيين ينفرد بشرع لا يشاركه فيه غيره . وأجيب عن ذلك بأن مشاركتهم في بعض الأحكام لا يمنع من أن يكون لكل واحد منهم شرع يخالف شرع الآخر ، فمشاركتهم في التوحيد لا تمنع انفراد كل واحد منهم بشريعة تخالف شريعة غيره .
ومنها : ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي عمر رضي الله عنه ومعه شيء من التوراة ينظر فيه فقال : " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " {[980]} وهذا يدل على نسخ ما تقدم .
وأجيب عن ذلك بأنه إنما نهي عن النظر في التوراة لما أصابها من تغيير وتبديل . لكن المراد هنا ما حكى الله عن دينهم في الكتاب أو ثبت عنهم بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم{[981]} .
ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قاضيا له : " بم تحكم " ؟ قال : بكتاب الله . قال : " فإن لم تجد " قال : " بسنة رسول الله " قال " " فإن لم تجد " قال : " أجتهد رأيي . ولم يذكر شيئا من كتب الأنبياء الأولين وسننهم . وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال : " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله " . ولو كانت الشرائع السابقة شرائع لنا لما جاز لمعاذ العدول إلى اجتهاد الرأي .
وأجيب عن ذلك بأن معاذا لم يتعرض لذكر التوراة والإنجيل اكتفاء منه بآيات في الكتاب الحكيم تدل على اتباعهما . ولأن اسم الكتاب يدخل تحته التوراة والإنجيل لكونهما من الكتب المنزلة{[982]} .
أما أحكام القصاص المختلفة في النفس فقد بيناها في تفسير سورة البقرة عند قوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } ولا داعي بعد ذلك للتكرار هنا . لكننا نعرض هنا للكلام عن القصاص في الأطراف أو فيما دون النفس وما يتفرع عن ذلك من أحكام . والأصل في ذلك قوله تعالى : { والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص } هذه تدل على جريان القصاص فيما ذكر إلا أن يعفو المجني عليه مطلقا أو على الدية . وذلكم بيان تفصيلي بأحكام الجناية على ما ذكر في الآية . على أننا نعرض لجملة شروط يجب تحققها كيما يجوز القصاص في الأطراف أو فيما دون النفس . وتلكم هي الشروط بإيجاز واقتضاب .
الشرط الأول : التكليف في حق الجاني . فإن كان غير مكلف فلا قصاص عليه . وكونه مكلفا أن يكون بالغا عاقلا .
الشرط الثاني : أن يكون الجاني غير أصل للمجني عليه ، كأن يكون أباه أو جده .
الشرط الثالث : العصمة . وهي أن يكون المجني عليه معصوما على التأييد . وبذلك لا يقطع المسلم بالحربي أو المستأمن لعدم العصمة المؤبدة .
الشرط الرابع : أن تكون الجناية عمدا عدوانا . فلا قصاص في الخطأ إجماعا .
الشرط الخامس : أن يكون الاستيفاء ممكنا ومن غير حيف . وذلك بالمماثلة الكاملة دون نقص أو زيادة لقوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ويضاف إلى ذلك عدم السراية إلى النفس غالبا . وذلك ككسر العنق والترقوة والصلب والفخذ . فإن القصاص في مثل هذه الأعضاء لا تؤمن معه السراية إلى النفس غالبا{[983]} .
أما الأطراف فهي مفردها طرف بالفتح . ويعني في اللغة الناحية . وعند الفقهاء ما له حد ينتهي إليه من أعضاء الجسد{[984]} وذلك كاليد والرجل والسن والأذن والأصابع وغير ذلك مما ينتهي إلى حد كالمفصل . فإن كان كذلك جاز فيه القصاص لإمكان حصوله من غير حيف . أما إن كان مما لا ينتهي إلى حد فلا يجوز إيقاع القصاص فيه لعدم استيفاء القصاص في مماثلة تامة ومن غير حيف بما يحتمل معه حصول النقص أو الزيادة .
ويضاف إلى هذا الاشتراط الأساسي لإجراء القصاص في الأطراف شرطان آخران هما :
أولا : التساوي . أي أن يكون الطرف في المجني عليه مساويا لنظيره في الجاني ، وبذلك لا يؤخذ طرف صحيح بطرف أشل . ولا يد كاملة الأصابع بناقصة الأصابع ، ولا تؤخذ أصبع أصلية بأخرى زائدة .
ثانيا : الاشتراك في الاسم الخاص بالعضو أو الطرف . فلا تؤخذ يمين بيسار . ولا يسار بيمين . وكذلك لا تؤخذ أصبع بأخرى مخافة لها ، كالخنصر بالسبابة ، أو البنصر بالوسطى . ولا تؤخذ شفة سفلى بشفة عليا ، ولا جفن أيمن بجفن أيسر ، أو أذن يمنى بأذن يسرى ، لأن كل واحد مما ذكر مختص باسم منفرد{[985]} .
إذا تبين ذلك ، نأخذ في الكلام عن الأطراف المذكورة في الآية وهي :
العين : وهي طرف من الأطراف التي تنتهي إلى مفصل فيجري فيها القصاص مع اعتبار الشرطين المذكورين آنفا وهما التساوي والاشتراك في الاسم . ولا ينبغي اعتبار صفة العين كالصغر والكبر ، أو الضعف والقوة ، أو الحسن والقبح ، فمثل هذه الصفات لا يؤثر في إجراء القصاص . وعلى هذا تؤخذ عين الشاب بعين الشيخ . أو العين السليمة بالعين المريضة . أو العين الحسنة بالعين القبيحة .
الأنف : يؤخذ الأنف قصاصا بالأنف من غير اعتبار للفرق في الصفة بين الأنفين ، كالصغر والكبر ، أو الحسن والقبح أو المنفعة وعدمها . فيقطع الأنف الأخشم بالأخشم{[986]} والأخشم بالشام لتساويهما في سلامة الصورة والمنظر ؟
أما القصاص في الأنف فإنما يكون في المارن ، لأنه ينتهي إلى مفصل . والمارن هو ما لان من لحم الأنف دون قصبته ، لأنه ينتهي بحد . وبذلك يقتص من مارن الجاني بمثله ويقدر ما قطع من الأنف بالأجزاء كالنصف والثلث والربع ، ولا يقدر القصاص بالمساحة .
الأذن : تقطع الأذن قصاصا في العمد ، لأنها تنتهي إلى حد فاصل ، وذلك بغض النظر عن اختلاف الأوصاف بين الآذان ، ولذلك تؤخذ الأذن الكبيرة بالأذن الصغيرة . وتؤخذ أذن السميع بأذن الأصم . وأذن الأصم بأذن السميع لتساويهما في السلامة من نقص الصورة والمنظر .
ولو قطع بعض الأذن كان للمجني عليه أن يقطع من أذن الجاني بقدر ما قطع من أذنه على أن يقدر ذلك بالأجزاء كالنصف والثلث والربع{[987]} .
السن : وهو الضرس وجمعه أسنان وأسنة . وهو مما يجري فيه القصاص وعلى هذا تؤخذ السن الصحيحة بالصحيحة . وتؤخذ المكسورة بالصحيحة . لكن لا تؤخذ الصحيحة بالمكسورة ، كيلا يأخذ المجني عليه أكثر من حقه . وتؤخذ السن الزائدة بالسن الزائدة إذا اتفق محلهما لكونهما متساويين .
ولو كسر بعض سن ، كان للمجني عليه أن يقتص من الجاني . وذلك أن يقدر المكسور بالأجزاء . فيؤخذ النصف بالنصف والثلث بالثلث وكل جزء بمثله . ولا يقدر ذلك بالمساحة ، لأن التقدير بها ربما يؤدي إلى أخذ جميع سن الجاني ببعض سن المجنى عليه{[988]} .
وقوله : { والجروح قصاص } قصاص مصدر يراد به المفعول : أي والجروح متقاصة بعضها ببعض . وذلك إجمال بعد تفصيل . والمراد إجراء القصاص في كل ما يمكن أن يقتص منه على أن تراعي الشروط في ذلك والتي بيناها سابقا . وعلى هذا يجب القصاص في كل ما ينتهي إلى حد أو مفصل من الأطراف أو أعضاء الجسد ، كالشفتين واليدين والقدمين والأنثيين والذكر .
يراد بالأعضاء هنا أطراف البدن أو أجزاؤه التي تنتهي إلى مفاصل أو حدود والجناية على الواحد من هاتيك الأعضاء يستوجب دية كاملة أو دون ذلك ، على التفصيل في المسألة .
وكذلك الجناية على المعاني وهي منافع أعضاء البدن ، فإنها تستوجب الدية في مقابل كل معنى أو منفعة من منافع الجسد ، كالبصر والسمع الشم والذوق وغير ذلك من المعاني . على أن الضابط في ديات الأطراف ومعانيها هو أن كل ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية الكاملة . وذلك كاللسان والأنف والذكر . ففي كل واحد من هذه الأعضاء دية كاملة لانفراده في الإنسان .
وأما ما كان في الإنسان منه شيئان ففيهما كليهما الدية وفي كل واحد منهما نصف الدية . وذلك كالعينين والأذنين واليدين والقدمين .
وأما ما كان في الإنسان منه أربعة أشياء ففي الواحد منها ربع الدية وذلك كأجفان العينين ، وفيها مجتمعة الدية كاملة .
وأما ما كان في الإنسان منه عشرة أشياء ففي الواحد منها عشر الدية وفيها مجتمعة الدية كاملة . وذلك كأصبع اليدين والرجلين .
وكذلك منافع أعضاء البدن فإن في إتلاف المنفعة الواحدة الدية كاملة . وذلك كإذهاب السمع أو البصر أو الشم أو العقل أو غير ذلك من المنافع{[989]} .
إلى غير ذلك من الأحكام في الجناية على النفس وما دونها من الأطراف سواء في ذلك القصاص أو الديات . والتفصيل بأكثر من ذلك في هذه المسائل يراجع في مظانه من كتب الفقه .
قوله : { فمن تصدق به فهو كفارة له } أي أن المجني عليه المستحق للقصاص إن تصدق بالقصاص بأن عفا عن الجاني ، فإن ذلك كفارة للمتصدق ، إذ يكفر الله عنه بتصدقه ذنوبه .
وقيل : إنه كفالة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة ، لأن العفو يقوم مقام أخذ الحق منه . والأول هو الراجح ، وهو قول أكثر العلماء{[990]} .
ووجه الضعف في القول الثاني أن أمور الآخرة من الثواب والعقاب ، أو العفو والمؤاخذة ، منوط كل ذلك بتحقق النية في التوبة من الجاني أو غيره . فما لم يتب الجاني المتعمد أو يعتوره الندم فأنى له التوبة من الله ما دام غير عابئ ولا مكترث ولا متمعر{[991]} .
قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ . هم ، ضمير الفصل . الظالمون خبر الإشارة . وقيل : الضمير مبتدأ ثان وخبره الظالمون . والجملة في موضع رفع خبر الإشارة . الظلم معناه الشيء في غير موضعه . وفي المثل : من استرعى الذئب فقد ظلم{[992]} إذا تبين لنا ذلك علمنا أن تأويل الآية هو أن النكول عما فرضه الله من أحكام القصاص في القتل العمد أو الجروح ليستعاض عن ذلك بأحكام أخرى جائرة مخافة لشرع الله كقتل اثنين بواحد أو نحو ذلك فإن ذلك ظلم . أي وضع حكم الله في غير موضعه الصحيح الذي يليق به . أو هو وضع لرأي الإنسان القاصر في موضع أحكام الله .