روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (75)

{ مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ } استئناف مسوق لتحقيق الحق الذي لا محيد عنه ، وبيان حقيقة حاله عليه السلام وحال أمه بالإشارة أولاً : إلى ما امتازا به من نعوت الكمال حتى صارا من أكمل أفراد الجنس ، وآخراً إلى الوصف المشترك بينهما وبين أفراد البشر ، بل أفراد الحيوانات ، وفي ذلك استنزال لهم بطريق التدريج عن رتبة الإصرار ، وإرشاد إلى التوبة والاستغفار أي هو عليه السلام مقصور على الرسالة لا يكاد يتخطاها إلى ما يزعم النصارى فيه عليه الصلاة والسلام ، وهو قوله سبحانه : { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل } صفة رسول منبئة عن اتصافه بما ينافي الألوهية ، فإن خلو الرسل قبله منذر بخلوه ، وذلك مقتض لاستحالة الألوهية أي ما هو إلا رسول كالرسل الخالية قبله خصه الله تعالى ببعض الآيات كما خص كلاً منهم ببعض آخر منها ، ولعل ما خص به غيره أعجب وأغرب مما خصه به ، فإنه عليه الصلاة والسلام إن أحيا من مات من الأجسام التي من شأنها الحياة ، فقد أحيا موسى عليه الصلاة والسلام الجماد ، وإن كان قد خلق من غير أب ، فآدم عليه الصلاة والسلام قد خلق من غير أب وأم ، فمن أين لكم وصفه بالألوهية ؟

{ وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ } أي وما أمه أيضاً إلا كسائر النساء اللواتي يلازمن الصدق أو التصديق ويبالغن في الاتصاف به ، فمن أين لكم وصفها بما عري عنه أمثالها ؟ا والمراد بالصدق هنا صدق حالها مع الله تعالى ، وقيل : صدقها في براءتها مما رمتها به اليهود ، والمراد بالتصديق تصديقها بما حكى الله تعالى عنها بقوله سبحانه : { وَصَدَّقَتْ بكلمات رَبَّهَا وَكُتُبِهِ } [ التحريم : 12 ] .

وروي هذا عن الحسن واختاره الجبائي ، وقيل : تصديقها بالأنبياء ، والصيغة كيفما كانت للمبالغة كشريب ورجح كونها من الصدق بأن القياس في صيغة المبالغة الأخذ من الثلاثي لكن ما حكي ربما يؤيد أنها من المضاعف ، والحصر الذي أشير إليه مستفاد من المقام والعطف كما قال العلامة الثاني وتوقف في ذلك بعضهم ، وليس في محله ، واستدل بالآية من ذهب إلى عدم نبوة مريم عليها السلام ، وذلك أنه تعالى شأنه إنما ذكر في معرض الإشارة إلى بيان أشرف ما لها الصديقية ، كما ذكر الرسالة لعيسى عليه الصلاة والسلام في مثل ذلك المعرض ، فلو كان لها عليها السلام مرتبة النبوة لذكرها سبحانه دون الصديقية لأنها أعلى منها بلا شك ، نعم الأكثرون على أنه ليس بين النبوة والصديقية مقام ، وهذا أمر آخر لا ضرر له فيما نحن بصدده .

{ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام } استئناف لا موضع له من الإعراب مبين لما أشير إليه من كونهما كسائر أفراد البشر ، بل أفراد الحيوان في الاحتياج إلى ما يقوم به البدن من الغذاء ، فالمراد من أكل الطعام حقيقته ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .

وقيل : هو كناية عن قضاء الحاجة لأن من أكل الطعام احتاج إلى النفض ، وهذا أمرّ ذَوْقاً في أفواه مدعي ألوهيتهما لما في ذلك مع الدلالة على الاحتياج المنافي للألوهية بشاعة عرفية ، وليس المقصود سوى الرد على النصارى في زعمهم المنتن واعتقادهم الكريه ، قيل : والآية في تقديم ما لهما من صفات الكمال ، وتأخير ما لأفراد جنسهما من نقائص البشرية على منوال قوله تعالى : { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } [ التوبة : 43 ] حيث قدم سبحانه العفو على المعاتبة له صلى الله عليه وسلم لئلا توحشه مفاجأته بذلك .

وقوله تعالى : { انظر كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الايات } تعجيب من حال الذين يدعون لهما الربوبية ولا يرعوون عن ذلك بعدما بين لهم حقيقة الحال بياناً لا يحوم حوله شائبة ريب ، والخطاب إما لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام ، أو لكل من له أهلية ذلك ، و { كَيْفَ } معمول لنبين والجملة في موضع النصب معلقة للفعل قبلها ، والمراد من الآيات الدلائل أي انظر كيف نبين لهم الدلائل القطعية الصادعة ببطلان ما يقولون .

{ ثُمَّ انظر أنى يُؤْفَكُونَ } أي كيف يصرفون عن الإصاخة إليها والتأمل فيها لسوء استعدادهم وخباثة نفوسهم ، والكلام فيه كما مر فيما قبله ، وتكرير الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب ، و { ثُمَّ } لاظهار ما بين العجبين من التفاوت ، أي إن بياننا للآيات أمر بديع في بابه بالغ لأقصى الغايات من التحقيق والإيضاح ، وإعراضهم عنها مع انتفاء ما يصححه بالمرة وتعاضد ما يوجب قبولها أعجب وأبدع ، ويجوز أن تكون على حقيقتها ، والمراد منها بيان استمرار زمان بيان الآيات وامتداده ، أي أنهم مع طول زمان ذلك لا يتأثرون ، ويؤفكون .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (75)

قوله : { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } أي ليس المسيح إلا رسولا كغيره من الرسل المتقدمين . فهو من جنس الرسل الذين سبقوه . ولئن جاء المسيح بآيات معجزات فقد أتوا من قبله بآيات معجزات فإن كان الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده ، فقد أحيا الله العصا وجعلها حية تسعى وفلق البحر على يد موسى . وإن كان خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب ولا أم .

قوله : { وأمه صديقة } مبتدأ وخبره . أي وكذلك ، ما أمه إلا كسائر النساء أولات الصدق ، المصدقات للأنبياء ، المؤمنات بهم . وقيل في تأويله { صديقة } أنها صدقت بآيات الله وكتبه . وقيل : اتصافها بالطهر والعفة وبالغ الشرف .

قوله : { كانا يأكلان الطعام } الأكل دليل على الحاجة إلى الطعام عقب الجوع . والحاجة من أقوى الأدلة على أنه ليس إلها . فالله غير محتاج لشيء أو لأحد . وأما الجوع فإنه لو كان واحد منهما إلها لدفع عن نفسه ألم الجوع من غير طعام أو شراب . فدل ذلك على أنه ليس إلها . قال القرطبي عن عبودية المسيح في هذه الآية : إنه مولود مربوب . ومن ولدته النساء وكان يأكل الطعام مخلوق محدث كسائر المخلوقين . فمتى يصلح المربوب لأن يكون ربا ؟ !

قوله : { انظر كيف نبين لهم الآيات } هذا تعجيب من حال هؤلاء المكابرين الذين يدعون الربوبية للمسيح وأمه . انظر كيف نبين لهم الدلائل القطعية التي تصدع ببطلان قولهم .

قوله : { ثم انظر أنى يؤفكون } يؤفكون ، من الأفك بفتح الهمز . وهو مصدر أفكه أي قلبه وصرفه عن الشيء . وكل مصروف عن الشيء مأفوك عنه{[1025]} .

والمعنى : انظر كيف يصرف هؤلاء المعاندون السفهاء عن الحق الظاهر الساطع بالرغم من كل ما سبق لهم في ذلك من دلائل وبراهين{[1026]} .


[1025]:- مختار الصحاح ص 19 والقاموس المحيط ج 3 ص 302.
[1026]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 249، 250 وتفسير الرازي ج 12 ص 63- 66 والكشاف ج 1 ص 634.