روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} (50)

{ قُلْ } أيها الرسول البشير النذير للكفرة الذين يقترحون عليك ما يقترحون : { لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله } أي مقدوراته جمع خزينة أو خزانة وهي في الأصل ما يحفظ فيه الأشياء النفيسة تجوز فيها عما ذكر ، وعلى ذلك الجبائي وغيره ، ولم يقل : لا أقدر على ما يقدر عليه الله قيل : لأنه أبلغ لدلالته على أنه لقوة قدرته كأن مقدوراته مخزونة حاضرة عنده ، وقيل : إن الخزائن مجاز عن المرزوقات من إطلاق المحل على الحال أو اللازم على الملزوم ؛ وقيل : الكلام على حذف مضاف أي خزائن رزق الله تعالى أو مقدوراته ، والمعنى لا أدعي أن هاتيك الخزائن مفوضة إليَّ أتصرف فيها كيفما أشاء استقلالاً أو استدعاء حتى تقترحوا عليَّ تنزيل الآيات أو إنزال العذاب أو قلب الجبال ذهباً أو غير ذلك مما لا يليق بشأني .

{ وَلا أَعْلَمُ الغيب } عطف على محل { عِندِى خَزَائِنُ الله } فهو مقول { أَقُولُ } أيضاً ، ونظر فيه الحلبي من حيث إنه يؤدي إلى أن يصير التقدير ولا أقول لكم لا أعلم الغيب وليس بصحيح . وأجيب بأن التقدير ولا أقول لكم أعلم الغيب بإضماء القول بين { لا } و { أَعْلَمُ } لا بين الواو و { لا } ، وقيل : ( لا ) في { لا * أَعْلَمُ } مزيدة مؤكدة للنفي . وقال أبو حيان : «الظاهر أنه عطف على { لا أَقُولَ } لا معمول له فهو أمر أن يخبر عن نفسه بهذه الجمل ( الثلاث ) فهي معمولة للأمر الذي هو { قُلْ } » ، وتعقب بأنه لا فائدة في الإخبار بأني لا أعلم الغيب وإنما الفائدة في الإخبار بأني لا أقول ذلك ليكون نفيا لا دعاء الأمرين اللذين هما من خواص الإلهية ليكون المعنى إني لا أدعي الإلهية .

{ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } ولا أدعي الملكية ، ويكون تكرير { لا أَقُولَ } إشارة إلى هذا المعنى . وقال بعض المحققين : إن مفهومي { عِندِى خَزَائِنُ الله } . و { إِنّى مَلَكٌ } لما كان حالهما معلوماً عند الناس لم يكن حاجة إلى نفيهما وإنما الحاجة إلى نفي ادعائهما تبرياً عن دعوى الباطل ، ومفهوم { أَنّى لاَ * أَعْلَمُ الغيب } لما لم يكن معلوماً احتيج هنا إلى نفيه فدعوى أنه لا فائدة في الإخبار بذلك منظور فيها . والذي اختاره مولانا شيخ الإسلام القول الأول وأن المعنى «ولا أدعي أيضاً أني أعلم الغيب من أفعاله عز وجل حتى تسألوني عن وقت الساعة أو وقت إنزال العذاب أو نحوهما2 .

وخص ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الغيب بعاقبة ما يصيرون إليه أي لا أدعي ذلك ولا أدعي أيضاً الملكية حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقة للعادات ما لا يطيقه البشر من الرقي في السماء ونحوه أو تعدوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحاً في أمري كما ينبىء عنه قولهم :

{ مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الاسواق } [ الفرقان : 7 ] وليس في الآية على هذا دليل على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما هو محل النزاع كما زعم الجبائي لأنها إنما وردت رداً على الكفار في قولهم { مَا لهذا الرسول } الخ وتكليفهم له عليهم الصلاة والسلام بنحو الرقي في السماء . ونحن لا ندعي تميز الأنبياء على الملائكة عليهم الصلاة والسلام في عدم الأكل مثلا والقدرة على الأفاعيل الخارقة كالرقي ونحوه ولا مساواتهم لهم في ذلك بل كون الملائكة متميزين عليهم عليهم الصلاة والسلام في ذلك مما أجمع عليه الموافق والمخالف ولا يوجب ذلك اتفاقاً على أن الملائكة أفضل منهم بالمعنى المتنازع فيه وإلا لكان كثير من الحيوانات أفضل من الإنسان ولا يدعي ذلك الاجماد .

وهذا الجواب أظهر مما نقل عن القاضي زكريا من أن هذا القول منه صلى الله عليه وسلم من باب التواضع وإظهار العبودية نظير قوله عليه الصلاة والسلام : «لا تفضلوني على ابن متى » في رأي بل هو ليس بشيء كما لا يخفى . وقيل : إن الأفضلية مبنية على زعم المخاطبين وهو من ضيق العطن ، وقيل : حيث كان معنى الآية لا أدعي الألوهية ولا الملكية لا يكون فيها ترق من الأدنى إلى الأعلى بل هي حينئذ ظاهرة في التدلي ، وبذلك تهدم قاعدة استدلال الزمخشري في قوله تعالى : { لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملئكة المقربون } [ النساء : 172 ] على تفضيل الملك على البشر إذ لا يتصور الترقي من الألوهية إلى ما هو أعلا منها إذ لا أعلا ليترقى إليه . وتعقب بأنه لا هدم لها مع إعادة { لا أَقُولَ } الذي جعله أمراً مستقلاً كالإضراب إذ المعنى لا أدعي الألوهية بل ولا الملكية ، ولذا كرر { لا أَقُولَ } .

وقال بعضهم في التفرقة بين المقامين : إن مقام نفي الاستنكاف ينبغي فيه أن يكون المتأخر أعلا لئلا يلغو ذكره ، ومقام نفي الادعاء بالعكس فإن من لا يتجاسر على دعوى الملكية أولى أن لا يتجاسر على دعوى الألوهية الأشد استبعاداً ، نعم في كون المراد من الأول نفي دعوى الألوهية والتبري منها نظر وإلا لقيل لا أقول لكن إني إله كما قيل { وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } وأيضاً في الكناية عن الألوهية بعندي خزائن الله ما لا يخفى من البشاعة ، وإضافة الخزائن إليه تعالى منافية لها . ودفع المنافاة بأن دعوى الألوهية ليس دعوى أن يكون هو الله تعالى بل أن يكون شريكاً له عز اسمه في الألوهية فيه نظر لأن إضافة الخزائن إليه تعالى اختصاصية فتنافي الشركة اللهم إلا أن يكون خزائن مثل خزائن أو تنسب إليه وهو كما ترى .

ومن هنا قال شيخ الإسلام : إن جعل ذلك تبرياً عن دعوى الألوهية مما لا وجه له قطعاً .

{ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ } أي ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي من غير أن يكون لي مدخل ما في الوحي أو في الموحي بطريق الاستدعاء أو بوجه آخر من الوجوه أصلاً . وحاصله إني عبد يمتثل أمر مولاه ويتبع ما أوحاه ولا أدعي شيئاً من تلك الأشياء حتى تقترحوا عليّ ما هو من آثارها وأحكامها وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلاً على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة . ولا يخفى أن هذا أبلغ من إني نبي أو رسول ولذا عدل إليه . ولا دلالة فيه لنفاة القياس ولا لمانعي جواز اجتهاده عليه الصلاة والسلام كما لا يخفى . وذهب البعض إلى أن المقصود من هذا الرد على الكفرة كأنه قيل : إن هذه دعوى وليست مما يستبعد إنما المستبعد ادعاء البشر الألوهية أو الملكية ولست أدعيهما . وقد علمت آنفاً ما في دعوى أن المقصود مما تقدم نفي ادعاء الألوهية والملكية .

{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير } أي الضال والمهتدي على الإطلاق كما قال غير واحد . والإستفهام إنكاري ، والمراد إنكار استواء من لا يعلم ما ذكر من الحقائق ومن يعلمها مع الإشعار بكمال ظهورها والتنفير عن الضلال والترغيب في الاهتداء ، وتكرير الأمر ( لتثبيت ) التبكيت وتأكيد الإلزام .

{ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } عطف على مقدر يقتضيه المقام أي ألا تسمعون هذا الكلام الحق فلا تتفكرون فيه أو أتسمعونه فلا تتفكرون . والاستفهام ( للتقرير ) والتوبيخ . والكلام داخل تحت الأمر . ومناط التوبيخ عدم الأمرين على الأول وعدم التفكر مع تحقق ما يوجبه على الثاني . وذكر بعضهم أن في { الاعمى والبصير } ثلاث احتمالات إما أن يكونا مثالاً للضال والمهتدي أو مثالاً للجاهل والعالم أو مثالاً لمدعي المستحيل كالألوهية والملكية ومدعى المستقيم كالنبوة . وإن المعنى لا يستوي هذان الصنفان أفلا تتفكرون في ذلك فتهتدوا أي فتميزوا بين ادعاء الحق والباطل أو فتعلموا أن اتباع الوحي مما لا محيص عنه . والجملة تذييل لما مضى إما من أول السورة إلى هنا أو لقوله سبحانه : { إِنْ أَتَّبِعُ } الخ أو لقوله عز شأنه { لا أَقُولَ } . ورجح في «الكشف » الأول ثم الثاني . ولا يخفى بعد هذا الترجيح . واعترض القول بإحالة الملكية بأنها من الممكنات لأن الجواهر متماثلة والمعاني القائمة ببعضها يجوز أن تقوم بكلها . وأجيب بعد تسليم ما فيه أن البشر حال كونه بشراً محال أن يكون ملكاً لتمايزهما بالعوارض المتنافية بلا خلاف وإقدام آدم عليه الصلاة والسلام بعد سماع { مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين } [ الأعراف : 20 ] على الأكل ليس طمعاً في الملكية حال البشرية على أنه يجوز أن يقال : إنه لم يطمع في الملكية أصلاً وإنما طمع في الخلود فأكل .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى } أي من حيث أنا { خَزَائِنُ الله } أي مقدوراته { وَلا أَعْلَمُ } أي من حيث أنا أيضاً { الغيب وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } أي روح مجرد لا أحتاج إلى طعام ولا شراب { إِنْ أَتَّبِعُ } أي من تلك الحيثية { إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ } من الله تعالى . وله صلى الله عليه وسلم مقام { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى } [ الأنفال : 17 ] . و { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ] وليس لطير العقل طيران في ذلك الجو { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعمى } عن نور الله تعالى وإحاطته بكل ذرة من العرش إلى الثرى وظهوره بما شاء حسب الحكمة وعدم تقييده سبحانه بشيء من المظاهر { والبصير } [ الأنعام : 50 ] بذلك فيتكلم في كل مقام بمقال

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} (50)

قوله تعالى : { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ( 50 ) وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ( 51 ) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظلمين ( 52 ) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ( 53 ) وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ( 54 ) وكذلك نفصل الأيت ولتستبين سبيل المجرمين } .

الخزائن جمع خزينة أو خزانة . وهي في الأصل ما يحفظ فيه من الأشياء النفائس . والمراد بالخزائن هنا رزق الله ومقدوراته . وذلك جواب لاقتراحات المشركين أن يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من ربه إنزال الآيات أو أن يقلب الجبال ذهبا أو أن يوسع عليهم منافع الدنيا وخيراتها ويفتح عليهم أبواب سعادتها . فخاطب الله نبيه أن يجيبهم { قل لا أقول لكم عندي خزئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك } أي لا أدعي أن خزائن الله مفوضة إلي فأتصرف فيها كيفما أشاء حتى تقترحوا علي فعل الخوارق من الأعمال فمثل ذلك ليس من شأني بل هو بيد الله القادر القاهر . وكذلك قال لهم : { ولا أعلم الغيب } وذلك أن القوم كانوا يظنون أن الذي يكون رسولا سيكون مطلعا على الغيب ومكتشفا لخوافي الأمور مما هو خفي مستور . فكانوا يقولون له : إن كنت رسولا من عند الله فأخبرنا عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح ودفع تلك المضار . فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم الغيب بل إن الغيب لا يعلمه إلا الله فكيف تسألوني ما ليس من شأني وما لا أملك .

وكذلك أمره ربه أن يقول لهم : { ولا أقول لكم إني ملك } ، لأنه لا ينبغي للملك أن يظهر بصورته لأنظار البشر في هذه الدنيا . وقد كانوا يتوهمون أن النبي ما ينبغي له أن يأكل الطعام ويمشي في الأسواق . ويفعل ما يفعله البشر ، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بملك ولكنه بشر بطبعه وصورته وأصله .

قوله : { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } يعني ما أتبع فيما أقوله لكم وأدعوكم إليه إلا ما أوحى إلي من ربي . فأنا لما جاءني من الله وحيا فأمضي لوحيه وأئتمر بأمره وأنزجر عن نواهيه . وتعرض في هذا الصدد مسألة وهي اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم . فقد اختلف العلماء في جواز اجتهاده عليه الصلاة والسلام وثمة مذاهب ثلاثة في هذه المسألة .

المذهب الأول : جواز الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم . وهو قول الجمهور . إذ ذهبوا إلى جواز الاجتهاد منه عليه السلام فيما فيه نص ، واحتجوا لذلك بعدة أدلة منها :

أولا : عموم قوله تعالى : { فاعتبروا يأولي الأبصار } والنبي صلى الله عليه وسلم كان أعلى الناس بصيرة وأعلمهم بالقياس . فهو بذلك حقيق أن يكون في جملة المأمورين هنا بالاعتبار .

ثانيا : الاجتهاد أكثر ثوابا لما فيه المشقة وبذل الجهد . وفي الحديث " أفضل العبادات أحمزها " {[1168]} أي أشقها . وقال . وقال عليه السلام : " ثوابك على قدر نصبك " {[1169]} أي تعبك . والأكثر ثوابا أولى وأفضل . وعلو درجته صلى الله عليه وسلم توجب أن لا يسقط عنه ذلك ، تحصيلا لمزيد الثواب . وكيلا يختص غيره بفضيلة ليست له .

ثالثا : العمل بالاجتهاد أدل على الفطانة وكمال البصيرة من العمل بالنص . وذلك لتوقف الاجتهاد على النظر الدقيق والقريحة المستجاشة . فلا يتركه النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه فضيلة .

المذهب الثاني : عدم جواز الاجتهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم . وهو قول الأشاعرة ، وهم التابعون لأبي الحسن الأشعري ، إذ منعوه شرعا وكذلك منعه أكثر المعتزلة عقلا . واحتجوا لذلك بعدة أدلة منها قوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى ( 3 ) إن هو إلا وحي يوحى } وكذلك هذه الآية التي نحن بصددها وهي { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } وهذا ظاهر في العموم وأن كل ما ينطق به فهو وحي وهو ينفي الاجتهاد ، لأنه قوله بالرأي . وأجيب عن ذلك بأن الظاهر من قوله : { وما ينطق } أنه رد لما كانوا يقولونه في القرآن من أنه مفترى ، فيختص بما بلغه وينتفي العموم .

ومنها : أنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لما أخر جوابا عما سئل عنه . وقد أخر كثيرا كما في الظهار واللعان . وفي هذا الاستدلال نظر . فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤخر الجواب في الظهار واللعان . بل أجاب في اللعان بقوله : " البينة أو الحد في ظهرك " وهو من رواية ابن ماجه عن ابن عباس . وكذلك قوله في الظهار " ما أرى إلا أنها قد بانت منك " ثم نسخ الحكمان بنزول آيتيهما .

المذهب الثالث : الوقف عن القطع بشيء من ذلك . هو أبي بكر الباقلاني والغزالي . وقال الشوكاني في رد ذلك : لا وجه للوقف في هذه المسألة لما قدمناه من الأدلة الدالة على الوقوع .

ويدل على علة وقوع الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } فقد عاتبه ربه على ما وقع منه . ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه . وكذلك معاتبه صلى الله عليه وسلم على أخذ الفداء من أسرى بدر بقوله : { ما كان لبني أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } إلى غير ذلك مما يدل على جواز الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم{[1170]} .

قوله : { قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون } الأعمى يراد به المشرك الظالم لنفسه ، والذي فسق عن دين الله وكذب رسله وجحد وشريعته .

وعمي عما الله من الأدلة والبراهين التي تكتشف عن وجه الحق . ويراد بالبصير ، المؤمن الذي وعى البينات والحجج وصدق رسل الله الكرام جميعا وأيقن أن القرآن حق . فهل يستوي هذان الاثنان ؟ لا جرم أنهما لا يستويان . كعدم استواء الحق والباطل ، أو كل متضادين متناقضين .

قوله : { أفلا تتفكرون } الاستفهام هنا للتقرير والتوبيخ . والمعنى : أفلا تمنعون التفكير والنظر فيما بيناه لكم من الدلائل والمعجزات التي تكشف عن حقيقة هذا الدين وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءكم به من ربه ؟ أفلا تفرقون بين الحق القائم على التوحيد والذي جاء به الإسلام هداية للناس . والباطل القائم على الشرك والضلال والهوى ؟


[1168]:- انظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس للعجلوني ج 1 ص 155.
[1169]:- رواه مسلم عن عائشة مرفوعا بلفظ: "إنما أجرك على قدر نصبك".
[1170]:- الإبهاج في شرح المنهاج ج 3 ص 247 وفواتح الرحموت ج 2 ص 366 والمبسوط للسرخسي ج 2 ص 63 وحاشية التفتازاني ج 2 ص 291 ونهاية السول ج 4 ص 531 وإرشاد الفحول ص 256.