روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ} (93)

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } كالذين قالوا { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } [ الأنعام : 91 ] { أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ } من جهته تعالى { وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ } أي والحال أنه لم يوح إليه { شَىْء } كمسيلمة . والأسود العنسي { وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله } أي أنا قادر على مثل ذلك النظم كالذين قالوا : { لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا } [ الأنفال : 31 ] وتفسير الأول : بما ذكرناه لم نقف عليه لغيرنا ، وتفسير الثاني : ذهب إليه الزمخشري وغيره وتفسير الثالث : ذهب إليه الزجاج ومن وافقه . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج أن قوله سبحانه : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } نزلت في مسيلمة الكذاب والأخير نزل في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وجعل بعضهم على هذا عطف { أَوْ قَالَ } الأول على { افترى } الخ من عطف التفسير .

وتعقب بأنه لا يكون بأو ، واستحسن أنه من عطف المغاير باعتبار العنوان وأو للتنويع يعني أنه تارة ادعى أن الله تعالى بعثه نبياً وأخرى أن الله تعالى أوحى إليه وإن كان يلزم النبوة في نفس الأمر الإيحاء ويلزم الإيحاء النبوة ، ويفهم من صنيع بعضهم أن أو بمعنى الواو ، وأما ابن أبي سرح فلم يدع صريحاً القدرة ولكن قد يقتضيها كلامه على ما يفهم من بعض الروايات ، وفسر بعضهم الثاني بعبد الله ودعواه ذلك على سبيل الترديد ، فقد روي أن عبد الله بن سعد كان قد تكلم بالإسلام فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فكتب له شيئاً فلما نزلت الآية في المؤمنين { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } [ المؤمنون : 12 ] أملاها عليه فلما انتهى إلى قوله سبحانه { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال : { تَبَارَكَ الله * أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] فقال رسول الله : هكذا أنزلت عليَّ فشك حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقاً لقد أوحيَّ إليَّ ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال ، وجعل الشق الثاني في معنى دعوى القدرة على المثل فيصح تفسير الثاني والثالث به لا يصح إلا إذا اعتبر عنوان الصلة في الأخير من باب المماشاة مثلاً كما لا يخفى . واعتبر الإمام عموم افتراء الكذب على الله تعالى وجعل المعطوف عليه نوعاً من الأشياء التي وصفت بكونها افتراء ثم قال : والفرق بين هذا القول وما قبله أن في الأول : كان يدعي أنه أوحي إليه فيما يكذب به ولم ينكر نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وفي الثاني : أثبت الوحي لنفسه ونفاه عنه عليه الصلاة والسلام فكان جمعاً بين أمرين عظيمين من الكذب إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود انتهى .

وفيه عدول عن الظاهر حيث جعل ضمير { إِلَيْهِ } راجعاً للنبي صلى الله عليه وسلم والواو في { وَلَمْ يُوحَ } للعطف والمتعاطفان مقول القول والمنساق للذهن جعل الضمير لمن والواو للحال وما بعدها من كلامه سبحانه وتعالى ، وربما يقال لو قطع النظر عن سبب النزول : إن المراد بمن افترى على الله كذباً من أشرك بالله تعالى أحداً يحمل افتراء الكذب على أعظم أفراده ، وهو الشك وكثير من الآيات يصدح بهذا المعنى وبمن قال : { أُوحِىَ إِلَيْكَ } والحال لم يوح إليه مدعي النبوة كاذباً وبمن قال : { سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله } الطاعن في نبوة النبي عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل : من أظلم ممن أشرك بالله عز وجل أو ادعى النبوة كاذباً أو طعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم الكلام على مثل هذه الجملة الاستفهامية فتذكر وتدبر .

{ وَلَوْ تَرَى } أي تبصر ، ومفعوله محذوف لدلالة الظرف في قوله تعالى { إِذِ الظالمون } عليه ثم لما حذف أقيم الظرف مقامه والأصل لو ترى الظالمين إذ هم ، و { إِذْ } ظرف لترى و { الظالمون } مبتدأ ، وقوله تعالى { فِى غَمَرَاتِ الموت } خبره و ( إذ ) ظرف لترى ، وتقييد الرؤية بهذا الوقت ليفيد أنه ليس المراد مجرد رؤيتهم بل رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر ، وقيل : المفعول { إِذْ } والمقصود تهويل هذا الوقت لفظاعة ما فيه ، وجواب الشرط محذوف أي لرأيت أمراً فظيعاً هائلاً ، والمراد بالظالمين ما يشمل الأنواع الثلاثة من الإفتراء والقولين الأخيرين ، والغمرة كما قال الشهاب في الأصل : المرة من غمر الماء ثم استعير للشدة وشاع فيها حتى صار كالحقيقة . ومنه قول المتنبي

: وتسعدني في غمرة بعد غمرة *** سبوح لها منها عليها شواهد

والمراد هنا سكرات الموت كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .

{ والملئكة } الذين يقبضون أرواحهم وهم أعوان ملك الموت { بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } أي بالعذاب ، وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم قائلين لهم { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } أي خلصوها مما أنتم فيه من العذاب ، والأمر للتوبيخ والتعجيز ، وذهب بعضهم أن هذا تمثيل لفعل الملائكة في قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ويقول له : أخرج ما لي عليك الساعة ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك ، وفي «الكشف » إنه كناية عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال ولا بسط ولا قول حقيقة هناك ، واستظهر ابن المنير أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة على الصور المحكية ، وإذا أمكن البقاء على الحقيقة فلا معدل عنها2 .

{ اليوم } المراد به مطلق الزمان لا المتعارف ، وهو إما حين الموت أو ما يشمله وما بعده { تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } أي المشتمل على الهوان والشدة والإضافة كما في رجل سوء تفيد أنه متمكن في ذلك لأن الإختصاص الذي تفيده الإضافة أقوى من اختصاص التوصيف ، وجوز أن تكون الإضافة على ظاهرها لأن العذاب قد يكون للتأديب لا للهوان والخزي . ومن الناس من فسر غمرات الموت بشدائد العذاب في النار فإنها وإن كانت أشد من سكرات الموت في الحقيقة إلا أنها استعملت فيها تقريباً للإفهام ، وبسط الملائكة أيديهم بضربهم للظالمين في النار بمقامع من حديد والإخراج بالإخراج من النار وعذابها واليوم باليوم المعلوم .

{ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ } مفترين { عَلَى الله غَيْرَ الحق } من نفي إنزاله على بشر شيئاً وادعاء الوحي أو من نسبة الشرك إليه ودعوى النبوة كذباً ونفيها عمن اتصف بها حقيقة أو نحو ذلك . وفي التعبير { بِغَيْرِ الحق } عن الباطل ما لا يخفى وهو مفعول { تَقُولُونَ } ، وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي قولاً غير الحق { وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ } أي تعرضون فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } كمن ادعى الكمال والوصول إلى التوحيد والخلاص عن كثرة صفات النفس وزعم أنه بالله عز وجل وأنه من أهل الإرشاد وهو ليس كذلك { أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } كمن سمى مفتريات وهمه وخياله ومخترعات عقله وفكره وحيا فيضاً من الروح القدسي فتنبأ لذلك { وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله } كمن تفرعن وادعى الألوهية { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون } وهم هؤلاء الأصناف الثلاثة { فِى غَمَرَاتِ الموت } الطبيعي { والملئكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } بقبض أرواحهم كالمتقاضي الملظ يقولون { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } تغليظاً وتعنيفاً عليهم

{ اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } [ الأنعام : 93 ] والصغار لوجود صفات نفوسكم وهيآتها المظلمة وتكاثف حجاب أنانيتكم وتفرعنكم

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ} (93)

قوله تعالى : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظلمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ءايته تستكبرون ( 93 ) ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعائكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركؤا لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون } .

نزلت في مسيلمة الكذاب ، إذ ادعى النبوة وافترى من الكلام المتهافت المصطنع الذي زعم أنه من عند الله ما يثير السخرية والاشمئزاز . وفي الآيات هنا تهديد رعيب لكل مفتر كذاب ولكل وضاع دجال يدعي على الله الكذب ويهذي للناس أنه أوحي إليه وهو كاذب خادع مأفون . لا جرم أن هذا الصنف من الناس غائر في الكفر والعتو ، وسادر في الضلالة والباطل ، أولئك فريق أثيم توعدهم الله بأشد العذاب والتنكيل سواء في الدنيا لدى الموت في سكراته المريرة ، العسيرة ثم في الآخرة وما فيها من القواصم والبلايا .

قوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } من ، في محل رفع مبتدأ . وخبره أظلم . أي ليس من أحد أسوأ ولا أظلم من أحد اختلق كذبا على الله فادعى أنه مبعوث من عنده نبيا ورسولا للناس أو زعم أن الوحي يأتيه من السماء وهو في الحقيقة كاذب ، إذ لم يوح إليه بشيء . وهذا شأن الكذابين الدجاجلة من أشرار البرية كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي وسجاح .

قوله : { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } والمراد بهذا ما قاله النضر بن الحرث وهو قوله : { لو نشاء لقلنا مثل هذا } وقوله في القرآن : إنه من أساطير الأولين ، وكل أحد يمكنه الإتيان بمثله . وهذا من دعوى الكذابين الأفاكين الذين يهذون بأن القرآن يمكن معارضته .

قوله : { ولو ترى إذ الظلمون في غمرات الموت } إذ ، ظرف زمان لترى . والمراد بالظالمين الذين يعدلون بربهم الآلهة والأنداد والذين قالوا { ما أنزل الله على بشر من شيء } والذين افتروا على الله الكذب بزعمهم أن الله أوحى إليهم ولم يوح إليهم . وغمرات الموت جمع غمرة وهي في الأصل : المرة من غمر الماء . ومنه غمره الماء ، ثم استعير للشدة والمكروه . وغمرات الموت ، أي سكراته وشدائده التي يكابد منها الظالمون لدى انتزاع أرواحهم فيذوقون من فظاعة النزاع ما لا يتصوره غير المعاينين لهذا العذاب المزلزل .

قوله : { والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم } { والملائكة باسطوا أيديهم } في محل نصب على الحال ، بسط اليد يعني مدها . والمراد به هنا الضرب . فهم يضربون وجوه هؤلاء الظالمين وأدبارهم قائلين لهم : { أخرجوا أنفسكم } أي خلصوها من العذاب إن استطعتم وهو توبيخ لهم وتعجيز . وقيل : المراد أخرجوها كرها ، لأن روح الكافر تنزع انتزاعا عنيفا شديدا . بخلاف المؤمن ، إذ تنشط روحه للخروج لملاقاة ربها . قال الرازي في تأويل قوله : { أخرجوا أنفسكم } : أي أخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال .

قوله : { اليوم تجزون عذاب الهون } اليوم ، أي حين الموت ، وما بعده . والهون ، أي الهوان الشديد . وهو عذاب جهنم حيث الإهانة والإذلال والتنكيل .

قوله : { بما كنتم تقولون على الله غير الحق } أي ما يصيب الظالمين المفترين من ويل ونكال وهوان إنما سببه قولهم على الله غير الحق . وهو افتراؤهم الكذب على الله . وكذلك سببه استكبارهم عن آيات الله . أي عن التصديق بها والعمل بمقتضاها فجوزوا بذلك عذاب الهون جزاء وفاقا .