{ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن } أي اتفقوا { على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان } المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة الشأن من البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى ، وتخصيص الثقلين بالذكر لأن المنكر لكونه من عند الله تعالى منهما لا من غيرهما والتحدي إنما كان معهما وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الملك كما هو مبعوث إليهما لا لأن غيرهما قادر على المعارضة فإن الملائكة عليهم السلام على فرض تصديهم لها وحاشاهم إذ هم معصومون لا يفعلون إلا ما يؤمرون عاجزون كغيرهم { لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } أي هذا القرآن وأوثر الاظهار على إيراد الضمير الراجع إلى المثل المذكور احترازاً عن أن يتوهم أن له مثلا معيناً وإيذاناً بأن المراد نفي الاتيان بمثل ما أي لا يأتون بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات الجليلة الشأن وفيهم العرب العرباء أرباب البراعة والبيان ، وقيل : المراد تعجيز الإنس وذكر الجن مبالغة في تعجيزهم لأنهم إذا عجزوا عن الاتيان بمثله ومعهم الجن القادرون على الأفعال المستغربة فهم عن الاتيان بمثله وحدهم أعجز وليسس بذاك ، وقيل : يجوز أن يراد من الجن ما يشمل الملائكة عليهم السلام وقد جاء إطلاق الجن على الملائكة كما في قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً } [ الصافات : 158 ] نعم الأكثر استعماله في غير الملائكة عليهم السلام ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ، وزعم بعضهم أن الملائكة عليهم السلام حيث كانوا وسائط في إتيانه لا ينبغي ادراجهم إذ لا يلائمه حينئذ { لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } وفيه أنه ليس المراد نفي الاتيان بمثله من عند الله تعالى في شيء ممن أسند إليهم الفعل ، وجملة { لاَ يَأْتُونَ } جواب القسم الذي ينبىء عنه اللام الموطئة وساد مسد جزاء الشرط ولولاها لكان { لاَ يَأْتُونَ } جزاء الشرط وإن كان مرفوعاً بناءاً على القول بأن فعل الشرط إذا كان ماضياً يجوز الرفع في الجواب كما في قول زهير :
وإن أتاه خليل يوم مسغبة . . . يقول لا غائب مالي ولا حرم
لأن أداة الشرط إذا لم تؤثر في الشرط ظاهراً مع قربه جاز أن لا تؤثر في الجواب مع بعده ، وهذا القول خلاف مذهب سيبويه ومذهب الكوفيين والمبرد كما فصل في موضعه ، ولا يجوز عند البصريين مع وجود هذه اللام جعل المذكور جواب الشرط خلافاً للفراء ، وأما قول الأعشى :
لئن منيت بنا عن غب معركة . . . لا تلفنا عن دماء الخلق تنتفل
فاللام ليست الموطئة بل هي زائدة على ما قيل فافهم ، وحيت كان المراد بالاجتماع على الاتيان بمثل القرآن مطلق الاتفاق على ذلك سواء كان التصدي للمعارضة من كل واحد منهم على الانفراد أو من المجموع بأن يتألبوا على تلفيق كلام واحد بتلاحق الأفكار وتعاضد الأنظار قال سبحانه : { وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } أي معينا في تحقيق ما يتوخونه من الاتيان بمثله ، والجملة عطف على مقدر أي لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم لبعض ظهيراً ولو كان الخ ؛ وهي في موضع الحال كالجملة المحذوفة ، والمعنى لا يأتون بمثله على كل حال مفروض ولو في مثل هذه الحال المنافية لعدم الاتيان به فضلاً عن غيرها وفيه رد لليهود أو قريش في زعمهم الاتيان بمثله ، فقد روي أن طائفة من الأولين قالوا : أخبرنا يا محمد بهذا الحق الذي جئت به أحق من عند الله تعالى فانا لا نراه متناسقاً كتناسق التوراة فقال صلى الله عليه وسلم لهم : أما والله إنكم لتعرفونه أنه من عند الله تعالى قالوا : إنا نجيئك بمثل ما تأتي به فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وفيه رواية أن جماعة من قريش قالوا له صلى الله عليه وسلم : جئنا بآية غريبة غير هذا القرآن فانا نحن نقدر على المجيء بمثله فنزلت ، ولعل مرادهم بهذه الآية الغريبة ما تضمنه الآيات بعد وهي قوله تعالى : { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } [ الإسراء : 90 ] الخ وحينئذ قيل يمكن أن تكون هذه الآية مع الآيات الأخر رد لجميع ما عنوه بهذا الكلام إلا أنه ابتدأ برد قولهم : نحن نقدر الخ اهتماماً به فإن قولهم ذلك منشأ طلبهم الآية الغريبة .
وفي إرشاد العقل السليم أن في هذه الآية حسم أطماعهم الفارغة في روم تبديل بعض آياته ببعض ولا مساغ لكونها تقريراً لما قبلها من قوله تعالى : { ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً } [ الإسراء : 86 ] كما قيل لكن لا لما قيل من أن الاتيان بمثله أصعب من استرداد عينه ونفي الشيء إنما يقرره نفي ما دونه دون نفي ما فوقه لأن أصعبية الاسترداد بغير أمره تعالى من الاتيان المذكور مما لا شبهة فيه بل لأن الجملة القسمية ليست مسوقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل إلى المكابرين من قبله عليه الصلاة والسلام انتهى ، ومنه يعلم ما في قول بعضهم في وجه التقرير : أن عدم قدرة الثقلين على رده بعد إذهابه مساو لعدم قدرتهم على مثله لأن رده بعينه غير ممكن لعدم وصولهم إلى الله تعالى شأنه فلم يبق ألا رده بمثله فصرح بنفيه تقريراً له من النظر وعدم الجدوى ، هذا واستدل صاحب الكشاف بإعجاز القرآن على حدوثه إذ لم كان قديماً لم يكن مقدوراً فلا يكون معجزاً كالمحال ، وتعقبه في الكشف بأنه لا نزاع في حدوث النظم وإن تحاشى أهل السنة من إطلاق المخلوق عليه للإيهام وهو المعجز إنما النزاع في المعبر بهذه العبارة المعجزة وهو المسمى بالكلام النفسي فهو استدلال لا ينفعه وذكر نحوه ابن المنير .
وقال صاحب التقريب : الجواب منع الملازمة إذ مصحح المقدورية الإمكان وهو حاصل لا الحدوث وأيضاً المعجز لفظه ولا يقال بقدمه والقديم كلام النفس ولا يقال بإعجازه وأيضاً سلمنا أن القديم لا يقدر البشر على عينه لكن لم لا يقدر على مثله ، واختار العلامة الطيبي هذا الأخير في الجواب ، وقد ذكرنا في المقدمات من الكلام ما ينفعك في هذا المقام فتدبر والله تعالى ولي الأنعام ومسدد الأفهام .
قوله جل وعلا : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله } ، لا يقدرون على ذلك ، { ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً } ، عوناً ومظاهراً . نزلت حين قال الكفار : لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله تعالى . فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب ، وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق ، لأنه غير مخلوق ، ولو كان مخلوقاً لأتوا بمثله .
قوله تعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } ذلك إعلان من الله قاطع على أن القرآن معجزة الرسول ( ص ) . والمراد بمعجزته ما أعجز به الخصم عن التحدي . والهاء للمبالغة{[2739]} ، والإعجاز معناه الخروج عن المألوف مع الاقتران بالتحدي وعدم المعارضة من أحد . وذلك هو شأن القرآن الذي جيء به من عند الله بلاغا للناس ، وإنقاذا للعالمين من الضلال في هذه الدنيا وتنجية لهم من الخسران والعذاب في الآخرة .
ولقد جيء بالقرآن على صفته البالغة من الإعجاز ليتحدى الله به العالمين أن يأتوا بمثله . وكان ذلك في زمان كان العرب فيه في أوج نبوغهم من فصاحة الكلم وبراعة اللسان فما استطاعوا أن يأتوا بمثله .
ولقد بينا فيما مضى أن القرآن الكريم تتجلى فيه خصائص شتى من عجيب الصفات ، سواء في اللفظ والعبارة ، أو المعنى والمضمون . والقرآن في ذلك كله يأتي في غاية الكمال والجمال بما ليس له في النظم نظير . وهو في آياته وألفاظه ومقاطعه وعباراته معجز ، لفرط بلاغته الراقية ، وأسلوبه العجيب المميز ، وإيقاعه المؤثر الشجي ، وروعته التي تأخذ بالقلوب والألباب ، وتبهر النفس والوجدان أيما بهر .
وهو كذلك في معانيه ومضامينه معجز . وذلك بما حواه من هائل المعاني والأخبار والمواعظ ، وجليل المشاهد والحكم والقصص ، ومختلف الأوامر والزواجر والأحكام من حلال وحرام وتحذير وتنذير إلى غير ذلك من الحجج والدلائل والبراهين الساطعة في الحياة والطبيعة والإنسان .
ومن أعجب العجب أن يأتي ذلك كله في كتاب ذي حجم متوسط . ولو تكلف البشر أن يأتوا بكل هذه المعاني والمضامين لاستنفد ذلك منهم آلاف الكتب . ولو جهدوا أن يجعلوا كل ذلك في كتاب واحد ذي حجم متوسط كحجم القرآن ؛ لجاء كلامهم في غاية التكلف المصنوع والتنافر الثقيل المستقبح . لكن القرآن بتعدد ضروبه في المعاني ، وهائل علومه الكريمة العظام ، وواسع شموله الذي غشي الأولين والآخرين ، وشمل الدنيا والآخرة ، قد جاء في حجمه على غاية الإيجاز لكنه مع ذلك كان في الذروة السامقة من الإعجاز .
فالقرآن بخصائصه العجيبة هذه ومزاياه غير ذات النظير ، قائم يتحدى العالمين ان يأتوا بمثله ؛ إذ لم يستطيعوا . وهو قوله سبحانه : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ) يأمر الله نبيه محمدا ( ص ) بإبلاغ الناس على وجه التأكيد أنه لو اتفقت الإنس والجن- متعاونين فيما بينهم- على الإتيان بمثل القرآن المعجز ( لا يأتون بمثله ) ( لا يأتون ) ، جواب للقسم الموطأ له باللام . وقيل : جواب للشرط{[2740]} .
والمعنى ، أنهم عاجزون عن الإتيان بمثل هذا الكتاب الحكيم ؛ إذ لا يستطيعون مضاهاته البتة . ولو علموا من أنفسهم الاقتدار على الإتيان بمثله أو شيء منه لبادروا دون إبطاء أو وناء مبتغين بذلك إحراج النبي ( ص ) والتشكيك في قرآن الله ، بدلا من الاستعداد لهذه المهمة بالحرب كي يواجهوا الإسلام والمسلمين فتزهق بذلك أرواح رجالهم وتفنى أموالهم . وذلك يكشف عن عجزهم الكامل عن محاكاة القرآن أو معارضته ، فضلا عن الإتيان بمثله . ( ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) والظهير ، معناه المعين{[2741]} ؛ أي لو تكلفوا كل الأسباب والجهود من أجل الإتيان بمثل القرآن- وهم يعين بعضهم بعضا- لعجزوا بالغ العجز ، ولصاروا إلى الخذلان والخسران .
ومن أظهر الأدلة على ذلك ، تلك المحاولات التاعسة المخزية التي انزلق فيها نفر من الأشقياء والمغرورين والمخدوعين من أمثال الكذاب مسيلمة ؛ ذلك الجهول الغاشم الذي تولى كِبْره في الأرض ، سادرا في حماقته ، واغتراره ، وهو يزدرد من الكلمات ما هو فاضح وسقيم ومكذوب . فما كان هذا الدجال المأفون إلا مفتريا على الله الباطل من الكلام المضطرب المهين زاعما أنه من عند الله افتراء عليه ، حتى استطار زيفه وشاعت في الآفاق حماقته وبات على الدوام مدعاة للعن اللاعنين وسخرية المستسخرين{[2742]} .