فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا} (88)

{ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ( 88 ) }

ثم احتج سبحانه على المشركين بإعجاز القرآن فقال : { قُل لَّئِنِ } اللام لام قسم وفيه ما تقدم { اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ } وكذا الملائكة ، وإنما لم يذكروا لأن التحدي ليس معهم والتصدي لمعارضته لا يليق بشأنهم .

{ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ } المنزل من عند الله الموصوف بالصفات الجليلة من كمال الفصاحة ونهاية البلاغة وحسن النظم وجزالة اللفظ { لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } أظهر في مقام الإضمار ولم يكتف بأن يقول لا يأتون به ، على أن الضمير راجع إلى المثل المذكور لدفع توهم أن يكون له مثل معين ، وللإشعار بأن المراد نفي المثل على أي صفة كان ، وهو جواب قسم محذوف أو جواب للشرط واعتذروا عن رفعه بأن الشرط ماض والأول أظهر .

ثم أوضح سبحانه عجزهم عن المعارضة سواء كان المتصدي لها أحدهم على الانفراد أو كان المتصدي لها المجموع بالمظاهرة فقال : { وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } أي عونا ونصيرا في تحقيق ما يتوخونه من الإتيان بمثله ، فثبت أنهم لا يأتون بمثله على كل حال مفروض ، ولو في هذه الحال المنافية لعدم الإتيان به فضلا عن غيرها ، وفيه حسم لأطماعهم الفارغة في روم تبديل بعض آياته ببعض وقد تقدم وجه الإعجاز في أوائل سورة البقرة .

وفي هذه الآية رد لما قاله الكفار : { لو نشاء لقلنا مثل هذا } وإكذاب لهم .

عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محمود بن شحان ونعيمان ابن آصي وبحري بن عمرو وسلام بن مشكم ، فقالوا : أخبرنا يا محمد بهذا الذي جئت به أحق من عند الله ، فإنا لا نراه متناسقا كما تناسق التوراة ، فقال لهم : ( والله إنكم لتعرفونه أنه من عند الله ، قالوا : إنا نجيئك بمثل ما أتى به ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

فالقرآن كلام الله في أعلى طبقات البلاغة والفصاحة لا يشبه كلام الخلق وهو غير مخلوق ، ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله ، وهو معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب .