روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (179)

{ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة } عطف على قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 178 ] والمقصود منه توطين النفس على الانقياد لحكم القصاص لكونه شاقاً للنفس وهو كلام في غاية البلاغة وكان أوجز كلام عندهم في هذا المعنى القتل أنفى للقتل وفضل هذا الكلام عليه من وجوه ، الأول : قلة الحروف ، فإن الملفوظ هنا عشرة أحرف إذا لم يعتبر التنوين حرفاً على حدة وهناك أربعة عشر حرفاً ، الثاني : الاطراد ، إذ في كل قصاص حياة وليس كل قتل أنفى للقتل فإن القتل ظلماً أدعى للقتل . الثالث : ما في تنوين ( حياة ) من النوعية أو التعظيم . الرابع : صنعة الطباق بين القصاص والحياة فإن القصاص تفويت الحياة فهو مقابلها . الخامس : النص على ما هو المطلوب بالذات أعني الحياة ، فإن نفي القتل إنما يطلب لها لا لذاته . السادس : الغرابة من حيث جعل الشيء فيه حاصلاً في ضده ، ومن جهة أن المظروف إذا حواه الظرف صانه عن التفرق ، فكان القصاص فيما نحن فيه يحمي الحياة من الآفات . السابع : الخلوّ عن التكرار مع التقارب ، فإنه لا يخلو عن استبشاع ، ولا يعد ردع العجز على الصدر حتى يكون محسناً . الثامن : عذوبة اللفظ وسلاسته حيث لم يكن فيه ما في قولهم من توالي الأسباب الخفيفة إذ ليس في قولهم : حرفان متحركان على التوالي إلا في موضع واحد ، ولا شك أنه ينقص من سلاسة اللفظ وجريانه على اللسان ، وأيضاً الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة لبعد الهمزة من اللام وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام التاسع : عدم الاحتياج إلى الحيثية ، وقولهم : يحتاج إليها . العاشر : تعريف القصاص بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم المشتملة على الضرب والجرح والقتل وغير ذلك ، وقولهم : لا يشمله الحادي عشر : خلوه من أفعل الموهم أن في الترك نفياً للقتل أيضاً . الثاني عشر : اشتماله على ما يصلح للقتال وهو الحياة بخلاف قولهم ، فإنه يشتمل على نفي اكتنفه قتلان ، وإنه لمما يليق بهم . الثالث عشر : خلوّه عما يوهمه ظاهر قولهم من كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال إلى غير ذلك فسبحان من علت كلمته ، وبهرت آيته ثم المراد بالحياة إما الدنيوية وهو الظاهر لأن في/ شرع القصاص والعلم به يروع القاتل عن القتل ، فكيون سبب حياة نفسين في هذه النشأة ، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل ، والجماعة بالواحد ، فتثور الفتنة بينهم ، وتقوم حرب البسوس على ساق ، فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون ويصير ذلك سبباً لحياتهم ويلزم على الأول : الإضمار ، وعلى الثاني : التخصيص ، وأما الحياة الأخروية بناءاً على أن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤاخذ بحق المقتول في الآخرة ، وعلى هذا يكون الخطاب خاصاً بالقاتلين ، والظاهر أنه عام والظرفان إما خبران لحياة أو أحدهما خبر والآخر صلة له ، أو حال من المستكن فيه .

وقرأ أبو الجوزاء { فِي القصص } وهو مصدر بمعنى المفعول ، والمراد من المقصوص هذا الحكم بخصوصه أو القرآن مطلقاً ، وحينئذ يراد بالحياة حياة القلوب لا حياة الأجساد ، وجوز كون القصص مصدراً بمعنى القصاص فتبقى الحياة على حالها .

{ يأُوْلِي الألباب } يا ذوي العقول الخالصة عن شوب الهوى ، وإنما خصهم بالنداء مع أن الخطاب السابق عام لأنهم أهل التأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس ، وقيل : للإشارة إلى أن الحكم مخصوص بالبالغين دون الصبيان { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ربكم باجتناب معاصيه المفضية إلى العذاب أو القتل بالخوف من القصاص وهو المروي عن ابن عباس والحسن وزيد رضي الله تعالى عنهم ، والجملة متعلقة بأول الكلام .

/خ178

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (179)

قوله تعالى : { ولكم في القصاص حياة } . أي بقاء ، وذلك أن القاصد للقتل إذا علم أنه إذا قتل يقتل يمنع عن القتل ، فيكون بقاؤه وبقاء من هم بقتله ، وقيل في المثل : القتل أنفى للقتل . وقيل : معنى الحياة سلامته من قصاص الآخرة ، فإنه إذا اقتص منه حيي في الآخرة وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتص منه في الآخرة .

قوله تعالى : { يا أولي الألباب لعلكم تتقون } . أي تنتهون عن القتل مخافة القود .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (179)

وقوله : ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) .

أما قوله : ( ولكم في القصاص حياة ) فهو غاية في الإيجاز والإحكام والروعة بما يعبر عن المقصود في جلاء واضح وبيان فصيح . فقد جاء في الأمثال البليغة لفصحاء العرب ، أو الكتب المتقدمة في قول آخر : ( القتل أنفى للقتل ) وهذه العبارة رغم إيجازها وفصاحتها فإنها لا تعدل في ميزان البيان والفصاحة شيئا إذا ما قيست بقوله سبحانه : ( ولكم في القصاص حياة ) فلا ريب أن القصاص زاجر كبير للناس ؛ إذ يبعث فيهم اليقظة والخوف ؛ كيلا يعتدي بعضهم على بعض ، وقد ذكر أن العرب كانت إذا قتل الرجل الآخر استشاط قبيلاهما فاقتتلوا فيما بينهم بما يوقع بينهم عداوة وإزهاقا للنفوس حتى إذا شرع القصاص أمسكوا جميعا عن القتل .

لذلك فإن تشريع القصاص في الإسلام يحقق للناس الأمن والاستقرار وسلامة النفوس ، ويحفظ عليهم المهج والأبدان . وبذلك تصان الأرواح وتحفظ الحياة .

وثمة مسألة تعرض في هذا الصدد وهي : هل لأحد أن يقتص بمفرده من أحد غيره ؟ فإن المتفق عليه بين أهل العلم أن إقامة الحدود وتنفيذ القصاص مما أنيط بالسلطان فالحاكم أو نائبه هو المكلف شرعا أن يقيم العقاب على الجاني ، والقاتل خاصة . فليس للأفراد أن يقتص الواحد فيهم من غيره وإلا وقع التجاوز وعمت الفوضى ، فضلا عن أن ذلك افتيات على سلطة الدولة المكلفة بذلك{[207]} .

وإذا اعتدى الحاكم فقتل عمدا فهل يُقتص منه ؟

فقد أجمع العلماء على أن الحاكم عليه أن يستقيد ( يقتص ) من نفسه للمعتدى عليه وذلك إن تعدى على أحد من الناس عمدا . فإنه ليس من فضل له على الناس أصلا إلا أنه قائم على شؤون الرعية يسوسهم بالعدل ويقيم شريعة الله . والأصل في ذلك أن المسلمين تتكافأ دماؤهم{[208]} .

وقد ثبت عن الخليفة الأول أبي بكر- رضي الله عنه- أنه قال لرجل شكا إليه من عامل قطع يده : لئن كنت صادقا لأقيدنك منه .

وروى النسائي في سننه عن أبي سعيد الخدري قال : بينا رسول الله ( ص ) يقسم شيئا إذا أكبّ عليه رجل ، فطعنه رسول الله ( ص ) بعرجون كان معه فصاح الرجل ، فقال له رسول الله ( ص ) : " تعال فاستقد " قال : بل عفوت يا رسول الله .

وذكر أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال : ألا من ظلمه أميره فليرفع ذلك إلي أقيده منه . فقام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين ! لئن أدب رجل منا رجلا من أهل رعيته لتقصنه منه ؟ قال : كيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله ( ص ) يقص من نفسه .

وذكر عنه –رضي الله عنه- أنه خطب الناس فقال : إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ، فمن فُعل ذلك به فليرفعه إليّ أقصه منه .

وقوله : ( لعلكم تتقون ) أي تتركون القتل العمد فتسلمون من الموت قصاصا ، وتحفظون بذلك حياتهم وأرواحكم من الهلاك . والتقوى هي اسم جامع لفعل الخيرات والطاعات وترك المعاصي والمحظورات .


[207]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 256 وتفسير البيضاوي ص 37.
[208]:- المغني جـ 7 ص 663 وتفسير القرطبي جـ 2 ص 256.