روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ} (214)

{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدّة والخوف والبرد وسوء العيش وأنواع الأذى ، حتى بلغت القلوب الحناجر ، وقيل : في غزوة أحد ، وقال عطاء : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتدّ الضر عليهم ، لأنهم خرجوا بغير مال وتركوا ديارهم وأموالهم بيد المشركين ، وآثروا رضا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسر قوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله تطييباً لقلوبهم هذه الآية ، والخطاب إمّا للمؤمنين خاصة ، أو للنبي صلى الله عليه وسلم ولهم ، ونسبة الحسبان إليه عليه الصلاة والسلام إمّا لأنه لما كان يضيق صدره الشريف من شدائد المشركين نزل منزلة من يحسب أن يدخل الجنة بدون تحمل المكاره ، وإمّا على سبيل التغليب كما في قوله سبحانه : { أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا } [ الأعراف : 88 ] و{ أَمْ } منقطعة والهمزة المقدّرة لإنكار ذلك الحسبان وأنه لا ينبغي أن يكون ، وقيل : متصلة بتقدير معادل ، وقيل : منقطعة بدون تقدير ، وفي الكلام التفات إلا أنه غير صريح من الغيبة إلى الخطاب لأنّ قوله سبحانه : { كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } [ البقرة : 213 ] كلام مشتمل على ذكر الأمم السابقة والقرون الخالية ، وعلى ذكر من بعث إليهم من الأنبياء وما لقوا منهم من الشدائد ، وإظهار المعجزات تشجيعاً للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين ، أو للمؤمنين خاصة فكانوا من هذا الوجه مرادين غائبين ويؤيده { فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ } [ البقرة : 3 21 ] الخ فإذا قيل : بعد { أَمْ حَسِبْتُمْ } كان نقلاً من الغيبة إلى الخطاب ، أو لأنّ الكلام الأوّل تعريض للمؤمنين بعدم التثبت والصبر على أذى المشركين ، فكأنه وضع موضع كان من حق المؤمنين التشجيع والصبر تأسياً بمن قبلهم ، كما يدل عليهم ما أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي والإمام أحمد عن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقينا من المشركين فقلنا : ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله تعالى لنا ؟ فقال : «إنّ من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فتخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه ثم قال : والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلى الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون » وهذا هو المضرب عنه ببل التي تضمنتها { أَمْ } أي دع ذلك أحسبوا أن يدخلوا الجنة فترك هذا إلى الخطاب وحصل الالتفات معنى ، ومما ذُكر يعلم وجه ربط الآية بما قبلها ، وقيل : وجه ذلك أنه سبحانه لما قال :

{ يَهْدِى مَن يشاء إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } [ البقرة : 3 21 ] وكان المراد بالصراط الحق الذي يفضي اتباعه إلى دخول الجنة بين أن ذلك لا يتم إلا باحتمال الشدائد والتكليف

{ وَلَمَّا يَأْتِكُم } الواو للحال ، والجملة بعدها نصب على الحال أي غير آتيكم { وَلَمَّا } جازمة كلم وفرّق بينهما في «كتب النحو » ، والمشهور أنها بسيطة ، وقيل : مركبة من لم وما النافية وهي نظيره قد في أنّ الفعل المذكور بعدها منتظر الوقوع . / { مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } أي مثل مثلهم وحالهم العجيبة ، فالكلام على حذف مضاف ، و( الذين ) صفة لمحذوف أي المؤمنين ، { وَمِنْ قَبْلِكُمْ } متعلق ب { خَلَوْاْ } وهو كالتأكيد لما يفهم منه . { مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء } بيان للمثل على الاستئناف سواء قدّر كيف ذلك المثل أو لا ، وجوّز أبو البقاء كونها حالية بتقدير قد { وَزُلْزِلُواْ } أي أزعجوا إزعاجاً شديداً بأنواع البلاء . { حتى يَقُولَ الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } أي انتهى أمرهم من البلاء إلى حيث اضطروا إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بما يليق به تعالى ، وما تقتضيه حكمته ، والمؤمنون المقتدون بآثاره ، المهتدون بأنواره { متى } يأتي { نَصْرُ الله } طلباً وتمنياً له ، واستطالة لمدة الشدّة لا شكاً وارتياباً والمراد من ( الرسول ) الجنس لا واحد بعينه ، وقيل : هو اليسع ، وقيل : شعياء ، وقيل : أشعياء ، وعلى التعيين يكون المراد من { الذين خَلَوْاْ } قوماً بأعيانهم وهم أتباع هؤلاء الرسل وقرأ نافع { يِقُولُ } بالرفع على أنها حكاية حال ماضية و{ مَعَهُ } يجوز أن يكون منصوباً ب { يِقُولُ } أي إنهم صاحبوه في هذا القول وأن يكون منصوباً ب { ءامَنُواْ } أي وافقوه في الإيمان { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } استئناف نحوي على تقدير القول أي فقيل لهم حينئذ ذلك تطييباً لأنفسهم بإسعافهم بمرامهم وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقق مضمونها وتقريره ما لا يخفى ، واختيار حكاية الوعد بالنصر لما أنها في حكم إنشاء الوعد للرسول والاقتصار على حكايتها دون حكاية النصر مع تحققه للإيذان بعدم الحاجة إلى ذلك لاستحالة الخلف ، وقيل : لما كان السؤال بمتى يشير إلى استعلام القرب تضمن الجواب القرب واكتفى به ليكون الجواب طبق السؤال ، وجوز أن يكون هذا وارداً من جهته تعالى عند الحكاية على نهج الاعتراض لا وارداً عند وقوع المحكي ، والقول بأن هذه الجملة مقول الرسول { متى نَصْرُ الله } تعالى مقول من معه على طريق اللف والنشر الغير المرتب ليس بشيء ، أما لفظاً فلأنه لا يحسن تعاطف القائلين دون المقولين ، وأما معنى للأنه لا يحسن ذكر قول الرسول { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } في الغاية التي قصد بها بيان تناهي الأمر في الشدة ، والقول بأن ترك العطف للتنبيه على أن كلا مقول لواحد منهما ، واحتراز عن توهم كون المجموع مقول واحد وتنبيه على أن الرسول قال لهم في جوابهم وبأن منصب الرسالة يستدعي تنزيه الرسول عن التزلزل لا ينبغي أن يلتفت إليه لأنه إذا ترك العطف لا يكون معطوفاً على القول الأول فكيف التنبيه على كون كل مقولاً لواحد منهما ، ولا نأمن وراء منع كون منصب الرسالة يستدعي ذلك التنزيه وليس التزلزل والانزعاج أعظم من الخوف ، وقد عرى الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم كما يصرح به كثير من الآيات ، وفي الآية رمز إلى أن الوصول إلى الجناب الأقدس لا يتيسر إلا برفض اللذات ومكابدة المشاق كما ينبئ عنه خبر

«حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات » وأخرج الحاكم وصححه عن أبي مالك قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز فذلك الذي نجاه الله تعالى من السيآت ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي قد افتتن »

( ومن باب الإشارة ) : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ } جنة المشاهدة ومجالس الأنس بنور المكاشفة { وَلَمَّا يَأْتِكُم } حال السالكين قبلكم مستهم بأساء الفقر وضراء المجاهدة وكسر النفس بالعبادة حتى تضجروا من طول مدة الحجاب وعيل صبرهم عن مشاهدة الجمال وطلبوا نصر الله تعالى بالتجلي فأجيبوا إذا بلغ السيل الزبى ، وقيل : لهم إلا إن نصر الله برفع الحجاب وظهور آثار الجمال قريب ممن بذل نفسه وصرف عن غير مولاه حسنه وتحمل المشاق وذبح الشهوات بسيف الأشواق :

ومن لم يمت في حبه لم يعش به *** ودون اجتناء النحل ما جنت النحل

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ} (214)

قوله تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } . قال قتادة والسدي : نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد ، وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى كما قال الله تعالى : ( وبلغت القلوب الحناجر ) وقيل نزلت في حرب أحد . وقال عطاء : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتد عليهم الضر ، لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين وآثروا رضا الله ورسوله ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسر قوم النفاق ، فأنزل الله تعالى تطييباً لقلوبهم ( أم حسبتم ) أي : أحسبتم ، " والميم " صلة ، قاله الفراء ، وقال الزجاج : بل حسبتم ، ومعنى الآية : أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة .

قوله تعالى : { ولما يأتكم } . أي ولم يأتكم " وما " صلة .

قوله تعالى : { مثل الذين خلوا } . شبه الذين مضوا .

قوله تعالى : { من قبلكم } . من النبيين ، والمؤمنين .

قوله تعالى : { مستهم البأساء } . الفقر والشدة والبلاء .

قوله تعالى : { والضراء } . المرض والزمانة .

قوله تعالى : { وزلزلوا } . أي حركوا بأنواع البلايا ، والرزايا وخوفوا .

قوله تعالى : { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } . ما زال البلاء بهم حتى استبطؤوا النصر . قوله تعالى : { ألا إن نصر الله قريب } . قرأ نافع ( حتى يقول الرسول ) بالرفع ، معناه " حتى قال الرسول " ، وإذا كان الفعل الذي يلي " حتى " في معنى الماضي ، ولفظه لفظ المستقبل فلك فيه الوجهان ، الرفع والنصب ، فالنصب على ظاهر الكلام ، لأن حتى تنصب الفعل المستقبل ، والرفع لأن معناه الماضي ، وحتى لا تعمل في الماضي .

قوله تعالى : { يسألونك ماذا ينفقون } . نزلت في عمرو بن الجموح ، وكان شيخاً كبيراً ذا مال فقال : يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق ؟ وعلى من ننفق ؟ فأنزل الله تعالى : { يسألونك ماذا ينفقون } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ} (214)

قوله تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) . ( أم ) تعني بل . للاستفهام . ( حسبتم ) أي ظننتم وهي تنصب مفعولين الأول المصدر من أن تدخلوا . والثاني محذوف تقديره واقعا . وتقدير العبارة : بل حسبتم دخول الجنة واقعا . ولما أداة نفي وجزم .

وقد جاء في سبب نزول هذه الآية عدة أقوال ، منها أنها نزلت في غزوة الخندق عندما أصاب المسلمين الفزع ونالهم من الكرب والشدة ما نالهم .

ومنها أنها نزلت بعد معركة أحد ، وهي المعركة الحافلة بالمواقف والمشاهد والعبر ، وقد مني المسلمون عقيبها بجراحات وقتل ، وأصابهم من القرح ما هزهم هزا .

ومنها أنها نزلت ؛ لتسري عن المهاجرين لتركهم ديارهم وأموالهم وأهليهم بعد أن خرجوا إلى المدينة لا يملكون من كراع الدنيا وزخرفها شيئا . وقيل غير ذلك{[290]} .

والصحيح أن هذه الآية تفيد العموم ، فهي في مدلولها تنسحب على كل المؤمنين الذين يقعون تحت طائلة الظالمين ليسوموهم العذاب الأليم ، وليست هذه الحقيقة قاصرة على زمن بعينه أو مكان محدود أو مجموعة من الناس بالذات ، ولكنها تصدق على كل مؤمن أيا كان ابتلاه الله بشيء من عذاب .

ويذكر الله عباده المؤمنين من أصحاب الملة المحمدية بالذين خلوا من قبلهم أي مضوا وبيّن لهم أنهم ( مستهم البأساء والضراء وزلزلوا ) و ( البأساء ) معناها الفقر و ( والضراء ) المرض . فالذين مضوا من قبلُ من المؤمنين امتحنهم الله بالشدائد والأرزاء التي تفتر عندها الهمم وتلين أمامها الإرادات . وكذلك قد امتحنهم بالله بالخوف والترعيب من الأعداء حتى ( زلزلوا ) أي حُرّكوا واضطربوا من شدة الخوف . والزلزلة تكون في الأشخاص وفي الأوضاع والأحوال ، وهي بمعنى الحركة والاضطراب لما حل من نكبات وقوارع ترتجف لها القلوب والأبدان .

وذلكم هو شان المؤمنين السابقين الذين ابتلوا بأشد ما يواجه الإنسان من شدائد كالفقر والسقم والترويع من الأعداء الذين بل يرعون في المؤمنين في كل زمان ومكان كرامة أو اعتبارا ، وإنما ينقضّون عليهم انقضاض الوحوش الكواسر في غابات يغيب فيها النظام والمنطق والضمير والرحمة .

وفي مثل هذه الزلزلة التي كانت تغشى عباد الله المؤمنين الصابرين عبر العصور السابقة ، يحدثنا الخباب بن الأرت قال : قلنا : يا رسول الله ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا . فقال : " إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه ، فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه " ثم قال : " والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون " . وفي هذا المعنى من التعذيب للمؤمنين والترويع لهم يقول عز من قائل في آية أخرى : ( ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) .

وفي يوم الأحزاب " معركة الخندق " أخذت المسلمين نوبة من الزلزال الشديد ؛ لما حاق بهم من شدة وضيق وخوف حتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر . وفي ذلك قال عز من قائل : ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) .

وقوله : ( حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ) . ( والرسول ) اسم جنس ، فهو لا يراد به خصوص رسول متعين ، بل عموم الرسل الذين أصابهم والذين آمنوا معهم البلاء والشدّة . وقيل : المراد بالرسول هو محمد ( ص ) . والقول الأول الراجح ؛ لعدم الدليل على تخصيصه . والمعنى أن الرسول والذين معه ، ممن ابتلاهم الله بنكال الكافرين وعدوانهم كان الضيق يبلغ منهم أشد مبلغ بعد أن تنزل بساحتهم الويلات وعظائم الأمور ويزلزلوا ، وإذ ذاك يجأرون إلى الله بالدعاء ليعجل لهم بالفرج وهم يقولون ( متى نصر الله ) ( متى ) اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم . ( نصر ) مبتدأ مؤخر . والجملة الإسمية من المبتدأ وخبره في محل نصب مفعول به ليقول . وبعد هذا الامتحان العسير والكروب المريرة التي تمر بالفئة المؤمنة الصابرة ، وبعد ما ألم بعباد الله العاملين المخلصين من ضروب الشدائد والأهوال وضروب الترويع والترعيب ، بعد ذلك كله ينبجس الفرج ويأتي الخلاص والنصر من عند الله . وفي ذلك يهتف القرآن في تقرير رباني حاسم ونداء علوي مبشر مريح ( ألا إن نصر الله قريب ) .


[290]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 40.