والفاء في قوله تعالى : { فَجَعَلَهُمْ } فصيحة أي فولوا فأتى إبراهيم عليه السلام الأصنام فجعلهم { جُذَاذاً } أي قطعاً فعال بمعنى مفعول من الجذ الذي هو القطع ، قال الشاعر :
بنو المهلب جذ الله دابرهم *** أمسوا رماداً فلا أصل ولا طرف
فهو كالحطام من الحطم الذي هو الكسر ، وقرأ الكسائي . وابن محيصن . وابن مقسم . وأبو حيوة . وحميد والأعمش في رواية { جُذَاذاً } بكسر الجيم ، وابن عباس . وابن نهيك . وأبو السمال { جُذَاذاً } بالفتح ، والضم قراءة الجمهور ، وهي كما روى ابن جني عن أبي حاتم لغات أجودها الضم ؛ ونص قطرب أنه في لغات أجودها الضم ؛ ونص قطرب أنه في لغاته الثلاث مصدر لا يثنى ولا يجمع ، وقال اليزيدي : جذاذاً بالضم جمع جذاذة كزجاج وزجاجة ، وقيل : بالكسر جمع جذيذ ككريم وكرام ، وقيل : هو بالفتح مصدر كالحصاد بمعنى المحصود .
وقرأ يحيى بن وثابت { جُذَاذاً } بضمتين جمع جذيذ كسرير وسرر ، وقرئ { جذذاً } بضم ففتح جمع جذة كقبة وقبب أو مخفف فعل بضمتين . روى أن آزر خرج به في عيد لهم فبدؤوا ببيت الأصنام فدخلوه فسجدوا لها ووضعوا بينها طعاماً خرجوا به معهم وقالوا إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا فذهبوا فلما كان إبراهيم عليه السلام في الطريق ثنى عزمه عن المسير معهم فقعد وقال { إني سقيم } [ الصافات : 89 ] فدخل على الأصنام وهي مصطفة وثم صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل فكسر الكل بفأس كان في بده ولم يبق إلا الكبير وعلق الفأس في عنقه ، وقيل : في يده وذلك قوله تعالى : { جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } أي الأصنام كما هو الظاهر مما سيأتي إن شاء الله تعالى . وضمير العقلاء هنا وفيما مر على زعم الكفرة ، والكبر إما في لمنزلة على زعمهم أيضاً أو في الجثة ، وقال أبو حيان : يحتمل أن يكون الضمير للعبدة ، قيل : ويؤيده أنه لو كان للأصنام لقيل إلا كبيرهم { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } استئناف لبيان وجه الكسر واستبقاء الكبير ، وضمير { إِلَيْهِ } عند الجمهور عائد على إبراهيم عليه السلام أي لعلهم يرجعون إلى إبراهيم عليه السلام لا إلى غيره فيحاجهم ويبكتهم بما سيأتي من الجواب إن شاء الله تعالى ، وقيل : الضمير لله تعالى أي لعلهم يرجعون إلى الله تعالى وتوحيده حين يسألونه عليه السلام فيجيبهم ، ويظهر عجز آلهتهم ويعلم من هذا أن قوله سبحانه : { إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } ليس أجنبياً في البين على هذا القول كما توهم نعم لا يخفى بعده .
وعن الكلبي أن الضمير للكبير أي لعلهم يرجعون إلى الكبير كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون له ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً والفأس في عنقك أو في يدك ؟ وحينئذ يتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر ويظهر أنهم في عبادته على جهل عظيم ، وكأن هذا بناء على ظنه عليه السلام بهم لما جرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهم في آلهتهم وتعظيمهم لها .
ويحتمل أنه عليه السلام يعلم أنهم لا يرجعون إليه لكن ذلك من باب الاستهزاء والاستجهال واعتبار حال الكبير عندهم فإن قياس حال من يسجد له ويؤهل للعبادة أن يرجع إليه في حل المشكل ، وعلى الاحتمالين لا إشكال في دخول لعل في الكلام ، ولعل هذا الوجه أسرع الأوجه تبادراً لكن جمهور المفسرين على الأول ، والجار والمجرور متعلق بيرجعون ، والتقديم للحصر على الأوجه الثلاثة على ما قيل ، وقيل : هو متعين لذلك في الوجه الأول وغير متعين له في الأخيرين بل يجوز أن يكون لأداء حق الفاصلة فتأمل .
وقد يستأنس بفعل إبراهيم عليه السلام من كسر الأصنام لمن قال من أصحابنا إنه لا ضمان على من كسر ما يعمل من الفخار مثلاً من الصور ليلعب به الصبيان ونحوهم وهو القول المشهور عند الجمهور .
{ فجعلهم جذاذاً } قرأ الكسائي { جذاذاً } بكسر الجيم أي كسراً وقطعاً جمع جذيذ ، وهو الهشيم مثل خفيف وخفاف ، وقرأ الآخرون بضمها مثل الحطام والرفات ، { إلا كبيراً لهم } فإنه لم يكسره ووضع الفأس على عنقه ، وقيل ربطه بيده وكانت اثنين وسبعين صنماً بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد وبعضها من رصاص وشبه وخشب وحجر ، وكان الصنم الكبير من الذهب مكللاً بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان . قوله تعالى : { لعلهم إليه يرجعون } قيل : معناه لعلهم يرجعون إلى دينه وإلى ما يدعوهم إليه إذا علموا ضعف الآلهة وعجزها ، وقيل : لعلهم إليه يرجعون فيسألونه ، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم جذاذاً .
قوله : ( فجعلهم جذاذا ) أي حطاما أو قطعا . من الجذ بالفتح وهو القطع{[3041]} .
هكذا فعل إبراهيم بالأصنام ؛ إذ كسّرها بفأسه تكسيرا حتى صيرها حطاما باستثناء الصنم الكبير منها ؛ فقد تركه ثم علق فأسه في عنقه- أي عنق الصنم .
قوله : ( لعلهم إليه يرجعون ) أي فعل إبراهيم ما فعله بأصنامهم ترجيا منه أن يرجعوا إلى الله بالتوبة والندامة والاستغفار ومجانبة الشرك والضلال ، أو يرجعوا إلى الصنم الكبير وقد علق إبراهيم الفأس في عنقه فيسألوه عمن فعل هذا بالأصنام فلا يجيبهم . وفي ذلك ما يحملهم على مراجعتهم أنفسهم أو تبكيتها ثم الإدراك بأن هذا الصنم أصم لا يعي ولا ينطق . وما الأصنام المكسرة إلا أحجار من الحجارة المصفوفة الخرساء ، فأجدر ألا تكون آلهة مربوبة ، مما ينبههم إلى أنهم غائرون في السفاهة والباطل ، فعسى أن يزدرجوا عن ظلمهم ويفيئوا إلى الحق بعبادة الله وحده .
وعندما رجع القوم من عيدهم وأقبلوا على أصنامهم فألفوها على حالها من التحطيم أسقط في أيديهم واستشاطوا غضبا ورغبة في الثأر والانتقام لما حل بآلهتهم المصطنعة من تكسير وتهشيم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.