روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (49)

{ إِذْ يَقُولُ المنافقون } ظرف لزين أو نكص أو { شديد العقاب } [ الأنفال : 48 ] ، وجوز أبو البقاء أيضاً أن يقدر اذكروا { والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } أي الذين لم تطمئن قلوبهم بالإيمان بعد وبقي فيها شبهة ، قيل : وهم فتية من قريش أسلموا بمكة وحبسهم آباؤهم حتى خرجوا معهم إلى بدر . منهم قيس بن الوليد بن المغيرة . والعاص بن منبه بن الحجاج . والحرث بن زمعة . وأبو قيس بن الفاكه ، فالمرض على هذا مجاز عن الشبهة .

وقيل : المراد بهم المنافقون سواء جعل العطف تفسيرياً أو فسر مرض القلوب بالأحن والعداوات والشك مما هو غير النفاق ، والمعنى إذ يقول الجامعون بين النفاق ومرض القلوب ، وقيل : يجوز أن يكون الموصول صفة المنافقين ، وتوسطت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف لأن هذه صفة للمنافقين لا تنفك عنهم ، أو تكون الواو داخلة بين المفسر والمفسر نحو أعجبني زيد وكرمه ، وزعم بعضهم أن ذلك وهم وهو من التحامل بمكان إذ لا مانع من ذلك صناعة ولا معنى ، والقول بأن وجه الوهم فيه أن المنافقين جار على موصوف مقدر أي القوم المنافقون فلا يوصف ليس بوجيه إذ للقائل أن يقول : إنه أجرى المنافقون هنا مجرى الأسماء مع أن الصفة لا مانع من أن توصف وقيام العرض بالعرض دون إثبات امتناعه خرط القتاد ، ومن فسر الذين في قلوبهم مرض بأولئك الفئة الذين أسلموا بمكة قال : إنهم لما رأوا قلة المسلمين قالوا : { غَرَّ هَؤُلاء } يعنون المؤمنين الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { دِينَهُمُ } حتى تعرضوا لمن لايدي لهم به فخرجوا وهم ثلثمائة وبضعة عشر إلى زهاء الألف ، وعلى احتمال جعله صفة للمنافقين يشعر كلام البعض أن القول لم يكن عند التلاقي ، فقد روى عن الحسن أن هؤلاء المنافقين لم يشهدوا القتال يوم بدر .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : هم يومئذٍ في المسلمين ، وفي القلب من هذا شيء ، فإن الذي تشهد له الآثار أن أهل بدر كانوا خلاصة المؤمنين { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله } جواب لهم ورد لمقالتهم { فَإِنَّ الله عَزِيزٌ } غالب لا يذل من توكل عليه ولا يخذل من استجار به وإن قل { حَكِيمٌ } يفعل بحكمته البالغة ما تستبعده العقول ، وتحار في فهمه ألباب الفحول . وجواب الشرط محذوف لدلالة المذكور عليه أو أنه قائم مقامه .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (49)

قوله تعالى : { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } ، شك ونفاق .

قوله تعالى : { غر هؤلاء دينهم } ، يعني : غر المؤمنين دينهم ، هؤلاء قوم كانوا مستضعفين بمكة وقد أسلموا ، وحبسهم أقرباؤهم من الهجرة ، فلما خرجت قريش إلى بدر ، أخرجوهم كرهاً ، فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدوا ، وقالوا : غر هؤلاء دينهم ، فقتلوا جميعاً ، منهم : قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان ، والحارث ابن زمعة بن الأسود بن المطلب ، وعلي بن أمية بن خلف الجمحي ، والعاص بن منبه بن الحجاج .

قوله تعالى : { ومن يتوكل على الله } ، أي : ومن يسلم أمره إلى الله ويثق به .

قوله تعالى : { فإن الله عزيز } ، قوي يفعل بأعدائه ما يشاء .

قوله تعالى : { حكيم }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (49)

قوله : { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم } المنافقون : هم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر . أما الذين في قلوبهم مرض : فيراد بهم الشاكون وضعاف الإيمان الذين لم تشرح صدورهم بالإيمان فهم على حرف ؛ لأنهم حديثو عهد بالإسلام . فهم بذلك دون المنافقين . والمراد أن هؤلاء جميعا قالوا عند التقاء الصفين { غر هؤلاء دينهم } أي غر هؤلاء المسلمين الذين يقاتلون المشركين ، من أنفسهم دنيهم وهو الإسلام . يعنون أن المسلمين قد اغتروا بدينهم وأنهم يتقون به فيستطيعون هزم خصومهم وهم الأكثرون الأقوياء .

قال ابن عباس في هذه الآية : لما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين ، وقلل المشركون في أعين المسلمين . فقال المشركون : غر هؤلاء دينهم . وإنما قالوا ذلك من قتلهم في أعينهم فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك . فقال الله : { ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم } أي من يسلم أمره إلى الله ويثق به تمام الثقة ويركن إليه تمام الركون ؛ فلسوف ينصره ويرعاه ؛ لأن الله عزيز ؛ أي قوي الجلال والسلطان ، لا يغلبه شيء ولا يقهره قاهر . فمن استجار بجنابه ؛ حفظه وكفاه . وهو كذلك { حكيم } فلا تصدر أفعاله وأوامره وزواجره وأقداره إلا عن حكمة ، فينصر من يستحق النصر ، ويخذل من لا يستحق غير ذلك{[1675]} .

وذلك أمر من الله لعباده المؤمنين بان يديموا التوكل على الله وحده دون أحد من خلقه ؛ فإن الله حافظهم وجاعل الغلبة لهم .


[1675]:الكشاف جـ 2 ص 163 وتفسير الطبري جـ 10 ص 16 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 318.