روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ} (243)

{ أَلَمْ تَرَ } هذه الكلمة قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجب والتقرير والتذكير لمن علم بما يأتي كالأحبار وأهل التواريخ ، وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه ، وقد اشتهرت في ذلك حتى أجريت مجرى المثل في هذا الباب بأن شبه حال من لم ير الشيء بحال من رآه في أنه لا ينبغي أن يخفى عليه ، وأنه ينبغي أن يتعجب منه ثم أجرى الكلام معه كما يجري مع من رأى قصداً إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجب ، والرؤية إما بمعنى الأبصار مجازاً عن النظر ، وفائدة التجوز الحث على الاعتبار لأن النظر اختياري دون الإدراك الذي بعده وإما بمعنى الإدراك القلبي متضمناً معنى الوصول والانتهاء ولهذا تعدت بإلى في قوله تعالى : { إِلَى الذين } كما قاله غير واحد ، وقال الراغب : إن الفعل مما يتعدى بنفسه لكن لما استعير لمعنى لم تنظر عدى تعديته بإلى ، وفائدة استفادته أن النظر قد يتعدى عن الرؤية فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة لها استعيرت له ، وقلما استعمل ذلك في غير التقرير فلا يقال رأيت إلى كذا انتهى . وقد يتعدى اللفظ على هذا المعنى بنفسه وقل من نبه عليه كقول امرئ القيس :

ألم تر بأني كلما جئت طارقا *** وجدت بها طيباً ولم تتطيب

والمراد بالموصول أهل قرية يقال لها داوردان قرب واسط

{ خَرَجُواْ مِن ديارهم } فارين من الطاعون أو من الجهاد حيث دعوا { وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت } وكانوا فوق عشرة آلاف على ما استظهره الأكثر بناءاً على أنه لا يقال عشرة ألوف ولا تسعة ألوف وهكذا وإنما يقال آلاف ، فقول عطاء الخراساني : إنهم كانوا ثلاثة آلاف ، وابن عباس في إحدى الروايات عنه أنهم أربعة آلاف ، ومقاتل والكلبي إنهم ثمانية آلاف ، وأبي صالح إنهم تسعة آلاف ، وأبي رءوف إنهم عشرة آلاف لا يساعده هذا الاستعمال ، والقائلون بالفوقية اختلفوا فقيل : كانوا بضعة وثلاثين ألفاً ، وحكى ذلك عن السدي ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم أربعون ألفاً ، وقال عطاء بن أبي رباح : إنهم سبعون ألفاً ، ولا أرى لهذا الخلاف ثمرة بعد القول بالكثرة وإلى ذلك يميل كلام الضحاك ، وحكي عن ابن زيد أن المراد : خرجوا مؤتلفي القلوب ولم يخرجوا عن تباغض فجعله جمع آلف مثل قاعد وقعود وشاهد وشهود وهو خلاف الظاهر ، وليس فيه كثير اعتبار إذ ورود الموت دفعة كما ينبئ عنه قوله تعالى : { فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ } على جمع عظيم أبلغ في الاعتبار ، وأما وقوعه على قوم بينهم ألفة فهو كوقوعه على غيرهم ، ومثل هذا القول بأن المراد ألفهم وحبهم لديارهم أو لحياتهم الدنيا ، والمراد بقوله تعالى إما ظاهره وإما مجاز عن تعلق إرادته تعالى بموتهم دفعة ، وقيل : هو تمثيل لإماتته تعالى إياهم ميتة نفس واحدة في أقرب وقت وأدناه وأسرع زمان وأوحاه بأمر مطاع لمأمور مطيع ، وقيل : ناداهم ملك بذلك ، وعن السدي أن المنادي ملكان وإنما أسند إليه تعالى تخويفاً وتهويلاً .

{ ثُمَّ أحياهم } عطف على مقدر يستدعيه المقام أي : فماتوا ثم أحياهم قيل : وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته الكونية ، وجوز أن يكون عطفاً على قال لما أنه عبارة عن الإماتة والمشهور أنهم بقوا موتى مدة حتى تفرقت عظامهم فمرّ بهم حزقيل الشهير بابن العجوز خليفة كالب بن يوفنا خليفة يوشع بن نوع ، وقيل : شمعون ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقال وهب : إنه شمويل وهو ذو الكفل ، وقيل : يوشع نفسه فوقف متعجباً لكثرة ما يرى منهم «فأوحى الله تعالى إليه أن ناد أيتها العظام أن الله تعالى يأمركم أن تجتمعي فاجتمعت حتى التزق بعضها ببعض فصارت أجساداً من عظام لا لحم ولا دم ، ثم أوحى الله تعالى إليه أن ناد أيتها الأجسام أن الله تعالى يأمرك أن تكتسي لحماً فاكتست لحماً ، ثم أوحى الله تعالى إليه أن ناد أن الله تعالى يأمرك تقومي فبعثوا أحياء يقولون سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت » والروايات في هذا الباب كثيرة .

والظاهر أنهم لم يروا في هذا الموت من الأهوال والأحوال ما يصير بها معارفهم ضرورية ، ويمنع من صحة التكليف بعد الإحياء كما في الآخرة ، ويمكن أن يقال إنهم رأوا ما يراه الموتى إلا أنهم أنسوه بعد العودة والقادر على الإماتة والإحياء قادر على الإنساء ، وسبحان من لا يعجزه شيء ، وعلى كلا التقديرين لا يشكل موت هؤلاء في الدنيا مرتين مع قوله تعالى : { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت } [ الدخان : 6 5 ] الآية لأن ذلك لم يكن عن استيفاء آجال كما قال مجاهد وإنما هو موت عقوبة فكأنه ليس بموت ، وأيضاً هو من خوارق العادات فلا يرد نقضاً ، ومن الناس من قال : إن هذا لم يكن موتاً كالموت الذي يكون وراءه الحياة للنشور ، وإنما هو نوع انقطاع تعلق الروح عن الجسد بحيث يلحقه التغير والفساد ، وهو فوق داء السكتة والإغماء الشديد حتى لا يشك الرائي الحاذق لو رآه بانقطاع التعلق أصلاً ولم يعلم أنه قد بقي تعلق ما لكنه لم يصل إلى حد الحياة المعلومة لدينا ، ولعل هذا القول يعود بالآخرة إلى انقسام الموت أو إلى أن إطلاق الموت على ما ذكر مجاز ، وكلا الأمرين في القلب منهما شيء بل أشياء .

وقد ذهب إلى مثله ابن الراوندي في جميع الأموات فقال : إن الأرواح لا تفارق الأبدان أصلاً ، وإنما يحدث في الأبدان عوارض وعلل يحدث تفرق الأجزاء منها كما يحدث للمجذومين ، والروح كامنة في الأجزاء المتفرقة أينما كانت ؛ لكونها عرية عن الإحساس والإدراك ، وهو مذهب تحكم الضرورة برده عافانا الله تعالى والمسلمين عن اعتقاد مثله .

{ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس } جميعاً ، أمّا أولئك فقد أحياهم ليعتبروا فيفوزوا بالسعادة وأمّا الذين سمعوا فقد هداهم إلى الاعتبار ، وهذا كالتعليل لما تقدم { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } استدراك مما تضمنه ما قبله والتقدير : فيجب عليهم أن يشكروا فضله ولكان الخ ، وجوز أن يراد بالشكر الاستبصار والاعتبار ، ولا يخفى بعده ، والإظهار في مقام الإضمار لمزيد التشنيع ومناسبة هذه لما قبلها أنه سبحانه لما ذكر جملاً من الأحكام/ التكليفية مشتملة على ذكر شيء من أحكام الموتى عقب ذلك بهذه القصة العجيبة تنبيهاً على عظيم قدرته ، وأنه القادر على الإحياء والبعث للمجازاة واستنهاضاً للعزائم على العمل للمعاد والوفاء بالحقوق والصبر على المشاق . وقيل : وجه المناسبة أنه لما ذكر سبحانه { كَذَلِكَ يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ البقرة : 242 ] ذكر هذه القصة لأنها من عظيم آياته وبدائع قدرته ، وقيل : جعل الله تعالى هذه القصة لما فيها من تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة ، والحث على التوكل والاستسلام للقضاء

تمهيداً لقوله تعالى :

( ومن باب الإشارة : ){ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم } أي أوطانهم المألوفة ومقار نفوسهم المعهودة ومقاماتهم ومراتبهم من الدنيا وما ركنوا إليها بدواعي الهوى { وَهُمْ } قوم { أُلُوفٌ } كثيرة أو متحابون متألفون في الله تعالى حذر موت الجهل والانقطاع عن الحياة الحقيقية والوقوع في المهاوي الطبيعية { فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ } أي أمرهم بالموت الاختياري أو أماتهم عن ذواتهم بالتجلي الذاتي حتى فنوا فيه ثم أحياهم بالحياة الحقيقية العلمية أو به بالوجود الحقاني والبقاء بعد الفناء { إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى } سائر { الناس } بتهيئة أسباب إرشادهم { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } [ البقرة : 243 ] لمزيد غفلتهم عما يراد بهم

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ} (243)

قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } . قال أكثر أهل التفسير : كانت قرية يقال لها : داوردان قبل واسط بها وقع الطاعون ، فخرجت طائفة منها وبقيت طائفة ، فهلك أكثر من بقي في القرية وسلم الذين خرجوا ، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين ، فقال الذين بقوا : أصحابنا كانوا أحزم منا ، لو صنعنا كما صنعوا لبقينا ، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن إلى أرض لا وباء بها ، فوقع الطاعون من قابل فهرب عامة أهلها ، وخرجوا حتى نزلوا وادياً أفيح ، فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا فماتوا جميعاً .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب ، عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام فلما جاء سرع بلغه أن الوباء قد وقع بالشام فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه " . فرجع عمر من سرغ .

قال الكلبي ومقاتل والضحاك : إنما فروا من الجهاد ، وذلك أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم ، فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت فاعتلوا وقالوا لملكهم : إن الأرض التي تأتيها بها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء ، فأرسل الله عليهم الموت فخرجوا من ديارهم فراراً من الموت فلما رأى الملك ذلك قال : اللهم رب يعقوب ، وإله موسى وهارون ، قد ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك ، فلما خرجوا قال لهم الله تعالى : موتوا ، عقوبة لهم ، فماتوا جميعاً وماتت دوابهم ، كموت رجل واحد فأتى عليهم ثمانية أيام حتى انتفخوا وأروحت أجسادهم ، فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم ، فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها . واختلفوا في مبلغ عددهم ، قال عطاء الخراساني : كانوا ثلاثة آلاف ، وقال وهب : أربعة آلاف وقال مقاتل والكلبي : ثمانية آلاف ، وقال أبو روق : عشرة آلاف ، وقالى السدي : بضعة وثلاثون ألفاً ، وقال ابن جريج : أربعون ألفاً ، وقال عطاء ابن رباح : سبعون ألفاً ، وأولى الأقاويل : قول من قال كانوا زيادة على عشرة آلاف ، لأن الله تعالى قال ( وهم ألوف ) والألوف جمع الكثير وجمعه القليل " آلاف " ، " والألوف " لا يقال لما دون عشرة آلاف ، قالوا : فأتت على ذلك مدة وقد بليت أجسادهم ، وعريت عظامهم ، فمر عليهم نبي يقال له ، حزقيل بن بودى ، ثالث خلفاء بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام ، وذلك أن القيم بعد موسى بأمر بني إسرائيل يوشع بن نون ، ثم كالب بن وقنا ، ثم حزقيل ، كان يقال له ابن العجوز ، لأن أمه كانت عجوزا ، فسألت الله الولد بعدما كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها . قال الحسن ، ومقاتل : هو ذو الكفل ، وسمي حزقيل ذا الكفل ، لأنه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل ، فلما مر حزقيل على أولئك الموتى وقف عليهم ، فجعل يتفكر فيهم متعجبا ، فأوحى الله تعالى إليه تريد أن أريك آية ؟ قال : نعم . فأحياهم الله وقيل : دعا حزقيل ربه أن يحييهم فأحياهم . وقال مقاتل والكلبي : هم كانوا قوم حزقيل أحياهم الله بعد ثمانية أيام ، وذلك أنه لما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى ، فبكى وقال : يا رب كنت في قوم يحمدونك ، ويسبحونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك ، فبقيت وحيداً لا قوم لي ، فأوحى الله تعالى إليه : أني جعلت حياتهم إليك ، قال حزقيل : احيوا بإذن الله ! فعاشوا . قال مجاهد : إنهم قالوا حين أحيوا : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، لا إله إلا أنت فرجعوا إلى قومهم وعاشوا دهراً طويلاً وسحنة الموت على وجوههم ، لا يلبسون ثوباً إلا عاد دنساً مثل الكفن ، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : وإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح ، قال قتادة : مقتهم الله على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة لهم ، ثم بعثوا ليستوفوا مدة آجالهم ولو جاءت آجالهم ما بعثوا ، فذلك قوله تعالى : ( ألم تر ) أي ألم تعلم بإعلامي إياك ، وهو من رؤية القلب . قال أهل المعاني : هو تعجيب يقول هل رأيت مثلهم ؟ كما تقول : ألم تر إلى ما يصنع فلان ؟ وكل ما في القرآن ( ألم تر ) ولم يعاينه النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا وجهه ( ألم ترى إلى الذين خرجوا من ديارهم ) .

قوله تعالى : { وهم ألوف } . جمع ألف وقيل مؤتلفة قلوبهم : جمع آلف مثل قاعد وقعود ، والصحيح أن المراد منه العدد .

قوله تعالى : { حذر الموت } . أي خوف الموت .

قوله تعالى : { فقال لهم الله موتوا } . أمر تحويل كقوله تعالى ( كونوا قردة خاسئين ) .

قوله تعالى : { ثم أحياهم } . بعد موتهم .

قوله تعالى : { إن الله لذو فضل على الناس } . قيل هو على العموم في حق الكافة في الدنيا ، وقيل على الخصوص في حق المؤمنين .

قوله تعالى : { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } . أما الكفار فلم يشكروا ، وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية الشكر .