روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (116)

{ فَلَوْلاَ كَانَ } تحضيض فيه معنى التفجع مجازاً أي فهلا كان { مّنَ القرون } أي الأقوام المقترنة في زمان واحد { مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ } أي ذوو خصلة باقية من الرأي والعقل . أو ذوو فضل على أن يكون البقية اسماً للفضل والهاء للنقل ، وأطلق عليه ذلك على سبيل الاستعارة من البقية التي يصطفيها المرء لنفسه ويدخرها مما ينفعه ، ومن هنا يقال : فلان من بقية القوم أي من خيارهم ، وبذلك فسر بيت الحماسة :

إن تذنبوا ثم يأتيني ( بقيتكم ) *** فما علي بذنب عندكم فوت

ومنه قولهم : في الزوايا خبايا . وفي الرجال بقايا ، وجوز أن تكون البقية بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء لانفسهم وصيانة لها عما يوجب سخط الله تعالى وعقابه ، والظاهر أنها على هذا مصدر ، وقيل : اسم مصدر ، ويؤيد المصدرية أنه قرىء { بَقِيَّتُ } بزنة المرة وهو مصدر بقاه يبقيه كرماه يرميه بمعنى انتظره وراقبه ، وفي الحديث عن معاذ بن جبل قال : «بقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تأخر صلاة العشاء حتى ظن الظان أنه ليس بخارج » الخبر أراد معاذ انتظرناه ، وأما الذي من البقاء ضد الفناء ففعله بقي يبقى كرضى يرضى ، والمعنى على هذه القراءة فهلا كان منهم ذوو مراقبة لخشية الله تعالى وانتقامه ، وقرىء { بَقِيَّتُ } بتخفيف الياء اسم فاعل من بقي نحو شجيت فهي شجية .

وقرأ أبو جعفر . وشيبة { بَقِيَّتُ } بضم الباء وسكون القاف { يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد في الارض } الواقع فيما بينهم حسبما ذكر في قصصهم ، وفسر الفساد في البحر بالكفر وما اقترن به من المعاصي { إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ } استثناء منقطع أي ولكن قليلاً منهم أنجيناهم لكونهم كانوا ينهون ، وقيل أي : ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهو نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي ، و { مِنْ } الأولى بيانية لا تبعيضية لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم بدليل قوله سبحانه : { أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ } [ الأعراف : 165 ] وإلى ذلك ذهب الزمخشري ، ومنع اتصال الاستثناء على ما عليه ظاهر الكلام لاستلزامه فساد المعنى لأنه يكون تحضيضاً لأولى البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم ، ثم قال : وإن قلت : في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل : ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا كان استثناءاً متصلاً ومعنى صحيحاً وكان انتصابه على أصل الاستثناء وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل ، والحاصل أن في الكلام اعتبارين : التحضيض . والنفي ، فإن اعتبر التحضيض لا يكون الاستثناء متصلاً ون المتصل يسلب ما للمستثنى منه عن المستثنى أو يثبت له ما ليس له ، والتحضيض معناه لم ما نهوا ، ولا يجوز أن يقال : إلا قليلا فانهم لا يقال لهم : لم ما نهوا لفساد المعنى لأن القليل ناهون وإن اعتبر النفي كان متصلا لأنه يفيد أن القليل الناجين ناهون ، وأورد على ذلك القطب أن صحة السلب .

أو الإثبات بحسب اللفظ لازم في الخبر وأما في الطلب فيكون بحسب المعنى فانك إذا قلت : اضرب القوم إلا زيداً فليس المعنى على أنه ليس أضرب بل على أن القوم مأمور بضربهم إلا زيداً فإنه غير مأمور به فكذا هنا يجوز أن يقال : { أُوْلُوا * بَقِيَّة } محضوضون على النهي { إِلاَّ قَلِيلاً } فانهم ليسوا محضوضين عليه لأنهم نهوا فالاستثناء متصل قطعاً كما ذهب إليه بعض السلف ، وقد يدفع ما أورده بأن مقتضى الاستنثاء أنهم غير محضوضين ، وذلك إما لكونهم نهوا . أو لكونهم لا يحضون عليه لعدم توقعه منهم ، فإما أن يكون قد جعل احتمال الفساد إفساداً أو ادّعى أنه هو المفهوم من السياق ، ثم إن المدقق صاحب الكشف قال : إن ظاهر تقرير كلام الزمخشري يشعر بأن { يَنْهَوْنَ } خبر { كَانَ } جعل { مّنَ القرون } خبراً آخر أو حالاً قدمت لأن تحضيض أولي البقية على النهي على ذلك التقدير حتى لو جعل صفة ، و { مّنَ القرون } خبراً كان المعنى تنديم أهل القرون على أن لم يكن فهم أولو بقية ناهون وإذا جعل خبراً لا يكون معنى الاستثناء ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا بل كان ما كان منهم أولو بقية ناهين إلا قليلاً فانهم نهوا وهو فاسد ، والانقطاع على ما أثره الزمخشري أيضاً يفسد لما يلزم منه أن يكون أولو بقية غير ناهين لأن في التحضيض والتنديم دلالة على نفيه عنهم ، فالوجه أن يووّل بأن المقصد من ذكر الاسم الخبر وهو كالتمهيد له كؤنه قيل : فلولا كان من القرون من قبلكم ناهون إلا قليلاً ، وفي كلامه إشارة إلى أنه لا يختلف نفي الناهي ، وأولو البقية ، وإنما عدل إلى المنزل مبالغة لأن أصحاب فضلهم وبقاياهم إذا حضضوا على النهي وندموا على الترك فهم أولي بالتحضيض والتنديم ، وفيه مع ذلك الدلالة على خلوهم عن الاسم لخلوهم عن الخبر لأن ذا البقية لا يكون إلا ناهياً فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم وهو من باب .

ولا ترى الضب بها ينجحر *** وقولك : ما كان شجعانهم يحمون عن الحقائق في معرض الذم تريد أن لاشجاع ولا حماية لكن بالغت في الذم حتى خيلت أنه لو كان لهم شجاع كان كالعدم فهذا هو الوجه الكريم والمطابق لبلاغة القرآن العظيم انتهى ، وهو تحقيق دقيق أنيق .

وادعى بعضهم أن الظاهر أن { كَانَ } تامة ، و { أُوْلُوا بَقِيَّة } فاعلها ، وجملة { يَنْهَوْنَ * أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون } حال متقدمة عليه ، و { مِنْ } تبعيضية ، و { مِن قَبْلِكُمْ } حال من { القرون } ، ويجوز أن يكون صفة لها أي الكائنة بناءاً على رأي من جوز حذف الموصول مع بعض صلته ، واعترض بأنه يلزم منه كون التحضيض على وجود أولئك فيهم وكذا يلزم كون المنفي ذلك وليس بذاك بل المدار على النهي تحضيضاً ونفياً ، والتزام توجه الأمرين إليه لكون الصفة قيداً في الكلام ؛ والاستعمال الشائع توجه نحو ما ذكر إلى القيد كما قيل زيادة نغمة في الطنبور من غير طرب ، ومثله بعد من النصب { واتبع الذين ظَلَمُواْ } وهم تاركو النهي عن الفساد .

{ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ } ما انعموا فيه من الثروة والعيش الهنيء والشهوات الدنيوية ، وأصل الترف التوسع في النعمة .

وعن الفراء معنى أترف عود الترفة وهي النعمة ، وقيل : { أُتْرِفُواْ } أي طغوا من أترفته النعم إذا أطغته ففي إما سببية أو ظرفية مجازية ، وتعقب بأن هذا المعنى خلاف المشهور وإن صح هنا ؛ ومعنى اتباع ذلك الاهتمام به وترك غيره أي اهتموا بذلك { وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } أي مرتكبي جرائم غير ذلك ، أو كافرين متصفين بما هو أعظم الاجرام ، ولكل من التفسيرين ذهب بعض ، وحمل بعضهم { الذين ظَلَمُواْ } على ما يعم تركي النهي عن الفساد والمباشرين له ، ثم قال : وأنت خبير بأنه يلزم من التحضيض بالأولين عدم دخول مباشري الفساد في الظلم والأجرام عبارة ، ولعل الأمر في ذلك هين فلا تغفل ، والجملة عند أبي حيان مستأنفة لخبار عن حال هؤلاء { الذين ظَلَمُواْ } وبيان أنهم مع كونهم تاركي النهي عن الفساد كانوا ذوي جرائم غير ذلك .

وجوز بعض المحققين أن تكون عطفاً على مقدر دل عليه الكلام أي لم ينهوا { واتبع } الخ .

وقيل : التقدير إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد { واتبع الذين } الخ ، وأن تكون استئنافاً يترتب على قوله سبحانه : { إِلاَّ قَلِيلاً } أي إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد { واتبع الذين ظَلَمُواْ } من مباشري الفساد وتاركي النهي عنه ، وجعل الاظهار على هذا مقتضى الظاهر ، وعلى الأول لادراج المباشرين مع التاركين في الحكم والتسجيل عليهم بالظلم وللاشعار بعلية ذلك لما حاق بهم من العذاب .

وفي الكشاف ما يقضي ظاهره بأن العطف على { *نهو } الواقع خبر لكن فيلزم أن يكون المعطوف خبراً أيضاً مع خلوه عن الرابط ، وأجيب تارة بأنه في تأويل سائرهم أو مقابلوهم وأخرى بأن { * نهو } جملة مستأنفة استؤنفت بعد اعتبار الخبر فعطف عليها ، وفي ذلك ما فيه ، وقوله تعالى : { { فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } عطف على { اتبع الذين } الخ مع المغايرة بينهما ، وجوز أن يكون العطف تفسيرياً على معنى { وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } بذلك الاتباع ، وفيه بعد ، وأن يكون على { أُتْرِفُواْ } على معنى اتبعوا الاتراف وكونهم مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام ، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر ، وتعقبه صاحب التقريب بقوله : وفيه نظر لأن ما في { مَا أُتْرِفُواْ } موصولة لا مصدرية لعود الضمير من { فِيهِ } إليه ، فكيف يقدر { كَانُواْ } مصدراً إلا أن يقال : يرجع الضمير إلى الظلم بدلالة { ظَلَمُواْ } فتكون { مَا } مصدرية وأن تكون الجملة اعتراضاً بناءاً على أنه قد يكون في آخر الكلام عند أهل المعاني .

وقرأ أبو جعفر . والعلاء بن سيابة . وأبو عمرو ، وفي رواية الجعفي { واتبع } بضم الهمزة المقطوعة وسكون التاء وكسر الباء على البناء للمفعول من الاتباع ، قيل : ولا بد حينئذ من تقدير مضاف أي اتبعوا جزاء ما أترفوا و { مَا } إما مصدرية أو موصولة والواو للحال ، وجعلها بعضهم للعطف على لم ينهوا المقدر ، والمعنى على الأوّل { إِلاَّ قَلِيلاً } نجيناهم وقد هلك سائرهم ، وأما قوله سبحانه : { وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } فقد قالوا : إنه لا يحسن جعله قيداً للانجاء إلا من حيث أنه يجري مجرى العلة لاهلاك السائر فيكون اعتراضاً . أو حالاً من { الذين ظَلَمُواْ } والحال الأول من مفعول { أَنجَيْنَا } المقدر ، وجوز أن يفسر بذلك القراءة المشهورة ، وتقدم الإنجاء للناهين يناسب أن يبين هلاك الذين لم ينهوا ، والواو للحال أيضاً في القول الشائع كأنه قيل : { أَنجَيْنَا } القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم فهلكوا ، وإذا فسرت المشهورة بذلك فقيل : فاعل اتبع ما اترفوا أو الكلام على القلب فتدبر .

( ومن باب الإشارة ) :{ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد في الأرض } [ هود : 116 ] فيه حض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (116)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فلولا كان}، يعني: لم يكن، {من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد}... {في الأرض}، يقول: لم يكن من القرون من ينهى عن المعاصي في الأرض بعد الشرك، ثم استثنى، فقال: {إلا قليلا ممن أنجينا منهم}، يعني: مع الرسل من العذاب مع الأنبياء، فهم الذين كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، {واتبع الذين ظلموا}، يقول: وآثر الذين ظلموا دنياهم، {ما أترفوا فيه}، يعني: ما أعطوا فيه من دنياهم على آخرتهم، {وكانوا مجرمين}، يعني: الأمم الذين كذبوا في الدنيا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فهلا كان من القرون الذين قصصت عليك نبأهم في هذه السورة الذين أهلكتهم بمعصيتهم إياي وكفرهم برسلي من قبلكم.

{أولُو بَقِيّةٍ}، يقول: ذوو بقية من الفهم والعقل، يعتبرون مواعظ الله ويتدبرون حججه، فيعرفون ما لهم في الإيمان بالله وعليهم في الكفر به،

{يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ فِي الأرْضِ}، يقول: ينهون أهل المعاصي عن معاصيهم وأهل الكفر بالله عن كفرهم به في أرضه.

{إلاّ قَلِيلاً مِمّنْ أنجَيْنا مِنْهُمْ}، يقول: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا يسيرا، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، فنجاهم الله من عذابه، حين أخذ من كان مقيما على الكفر بالله عذابه، وهم أتباع الأنبياء والرسل...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

ظاهر هذا يخرج على المعاتبة والتنبيه والتذكير لأنه يقول: (فلولا كان من القرون) أي لم لا يكون كذا؟ فليس ثم من أولئك من يعاتب أو ينبه. لكنها تخرج على وجهين: أحدهما: (فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ) أي فهلا كانوا ذوي بقية (ينهون عن الفساد في الأرض) معناه، والله أعلم، هلا كثر أهل الإسلام فيهم حتى يقدروا على النهي عن الفساد في الأرض؛ لأنهم إذا كانوا قليلا لم يقدروا على النهي على الفساد، نحو لوط وأهله، وكانوا عددا قليلا، كيف كان يقدر على النهي عن الفساد أو المنع عن ذلك؟ وكنوح أيضا كان معه نفر قليل عددهم، لم يقدر على منع قومه من الفساد، ونحوه. فإذا كان فكأنه، والله أعلم، يقول: هلا كثر أهل الإسلام (أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض)؟ والثاني: (فلولا كان من القرون من قبلكم) أي قد كان منهم أولو بقية، لكنهم لم ينهوا عن الفساد في الأرض، فأهلكوا جميعا (إلا قليلا ممن أنجينا منهم) وذلك القليل قد نهوا عن الفساد في الأرض؛ فيجوز بين أولئك حاصل هذا القليل يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

معنى "فلولا كان "هلا كان، ولم لا، وألا كان، ومعناه النفي وتقديره لم يكن من القرون من قبلكم، فهو تعجيب وتوبيخ لهؤلاء الذين سلكوا سبيل من كان قبلهم في الفساد نحو عاد وثمود، وسائر القرون الذين مر ذكرهم في القرآن، وأخبر الله بهلاكها "أولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض" أي كان يجب أن يكون منهم قوم باقون في الأرض ينهون عن الفساد في الأرض مع إنعام الله عليهم بكمال العقل والقدرة، وبعثة الرسل إليهم، وإقامة الحجج. وأولو بقية هم الباقون، فعجب الله نبيه كيف لم يكن منهم بقية في الأرض يأمرون فيها بالمعروف وينهون فيها عن المنكر، وكيف اجتمعوا على الكفر حتى استأصلهم الله بالعذاب والعقوبات لكفرهم بالله ومعاصيهم له ثم استثنى بقوله "إلا قليلا" والمعنى أنهم هلكوا جميعا إلا قليلا ممن أنجى الله منهم، وهم الذين آمنوا مع الرسل، ونجوا معهم من العذاب الذي نزل بقومهم...

وقوله: "واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين" معناه أنهم اتبعوا التلذذ والتنعم بالأموال والنعم التي أعطاهم الله إياها، وقضوا الشهوات وذلك من الحرام. وبين أنهم كانوا بذلك مجرمين عاصين الله تعالى...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

معناه لم يكن فيكم مِنْ هؤلاء الذين كانوا ينهون عن القبائح إلا قليل. وقيل معناه لم يكن فيمن قبلكم من الأمم مَنْ يَنْهى عن الفساد، ويحفظ الدِّين، ويطيعون أنبياءَهم -إلا قليل.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون} فهلا كان... {أُوْلُواْ بَقِيَّتُ} أولو فضل وخير. وسمى الفضل والجودة بقية لأنّ الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، فصار مثلاً في الجودة والفضل. ويقال: فلان من بقية القوم، أي من خيارهم... ويجوز أن تكون البقية بمعنى البقوى، كالتقية بمعنى التقوى، أي: فهلا كان منهم ذوو بقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه، وقرئ: «أولو بقية»، بوزن لقية، من بقاه يبقيه إذا راقبه وانتظره... والمعنى: فلو كان منهم أولو مراقبة وخشية من انتقام الله، كأنهم ينتظرون إيقاعه بهم لإشفاقهم. {إِلاَّ قَلِيلاً} استثناء منقطع، معناه: ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد، وسائرهم تاركون للنهي. و {مِنْ} في {مّمَّنْ أَنجَيْنَا} حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض؛ لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم، بدليل قوله تعالى: {أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ} [الأعراف: 165]...

{واتبع الذين ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ} أراد بالذين ظلموا: تاركي النهي عن المنكرات، أي: لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والتترف، من حب الرياسة والثروة، وطلب أسباب العيش الهنيء. ورفضوا ما وراء ذلك ونبذوه وراء ظهورهم. وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي، «واتبع الذين ظلموا»، يعني: واتبعوا جزاء ما أترفوا فيه. ويجوز أن يكون المعنى في القراءة المشهورة: أنهم اتبعوا جزاء إترافهم. وهذا معنى قويّ لتقدم الإنجاء، كأنه قيل: إلا قليلاً ممن أنجينا منهم وهلك السائر.

فإن قلت: علام عطف قوله: {واتبع الذين ظَلَمُواْ}؟ قلت: إن كان معناه: واتبعوا الشهوات، كان معطوفاً على مضمر، لأنّ المعنى إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد، واتبع الذين ظلموا شهواتهم، فهو عطف على نهوا. وإن كان معناه واتبعوا جزاء الإتراف، فالواو للحال، كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم.

فإن قلت: فقوله {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ}؟ قلت: على أترفوا أي: اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين؛ لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام. أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر. أو على اتبعوا، أي اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك. ويجوز أن يكون اعتراضاً وحكماً عليهم بأنهم قوم مجرمون.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{لولا} هي التي للتحضيض -لكن يقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف الذي ينبغي أن يقع من البشر على هذه الأمم التي لم تهتد، وهذا نحو قوله: {يا حسرة على العباد}، و {القرون من قبلكم} هم قوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكره، والقرن من الناس: المقترنون في زمان طويل أكثره- فيما حد الناس -مائة سنة،... وهذه الآية فيها تنبيه لأمة محمد وحض على تغيير المنكر والنهي عن الفساد ثم استثنى الله تعالى القوم الذين نجاهم مع أنبيائهم وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى لما بين أن الأمم المتقدمين حل بهم عذاب الاستئصال بين أن السبب فيه أمران:

السبب الأول: أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض. فقال تعالى: {فلولا كان من القرون} والمعنى فهلا كان...

والسبب الثاني: لنزول عذاب الاستئصال قوله: {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} والترفه النعمة وصبي مترف إذا كان منعم البدن، والمترف الذي أبطرته النعمة وسعة المعيشة وأراد بالذين ظلموا تاركي النهي عن المنكرات أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتبعوا طلب الشهوات واللذات واشتغلوا بتحصيل الرياسات.

{واتبع الذين ظلموا ما أترفوا} أي واتبعوا حراما أترفوا فيه، ثم قال: {وكانوا مجرمين} ومعناه ظاهر.

مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي 710 هـ :

عجَّب محمداً عليه السلام وأمته أن لم يكن في الأمم التي ذكر الله إهلاكهم في هذه السورة جماعة من أولىِ العقل والدين ينهون غيرهم عن الكفر والمعاصي...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان ما تقدم كله مشيراً إلى استبعاد إيمان المعاندين بشيء من تدبير آدمي كما تكاد القصص تنطق به، وكذا الإعلام بأن عبادتهم إنما هي للتقليد وباختلاف قوم موسى في كتابه الذي هو هدى ورحمة، وكل ذلك فطماً عن طلب ما قد يهجس في الخاطر من تمني إجابتهم إلى ما يقترحون أو الكف عن بعض ما يغيظ من الإنذار، وكان من طبع البشر البعد عن الانتهاء عن الخواطر إلا بعد التجربة، كان ذلك ربما أوجب أن يقال: لو أجيبوا إلى سؤالهم لربما رجعوا عن كثير مما هم فيه، فدعاهم ذلك إلى الرشاد، فتسبب عنه أن يقال دفعاً له: {فلولا كان} ويجوز أن يكون مناسبتها أنه لما ذكر إهلاك القرون الماضية والأمم السالفة بما مضى إلى أن ختم بالأمر بالصبر على الإحسان من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان من الجائز أن يقع في فكر الاعتراض بأن يقال: ما الموجب لذلك؟ فبين أن سبب الهلاك الإعراض عن نهي منتهك الحرمات والمجترئ على هتك الأستار الجليلة والرتع في الحمى مع تمكنهم بما أودع فيهم سبحانه من القوى والقدرة على اختيار جانب الخير والإعراض عن جانب الشر فقال تعالى: {فلولا} بصيغة تحتمل التخصيص، وفيها معنى التفجع والتأسف لاعتبار كل من كان على مثل حالهم {من القرون} أي المهلكين الأشداء الكائنين في زمان ما. ولما كان المراد القرون التي تقدم ذكر إهلاكها، وكانت أزمنتهم بعض الزمان الماضي، أتى بالجار فقال: {من قبلكم أولوا} أي أصحاب {بقية} أي حفظ وخير ومراقبة لما يصلحهم، لأن مادة "بقي "تدور على الجمع، ويلزمه القوة والثبات والحفظ، ويلزمه النظر والمراقبة: بقيت الشيء -إذا نظرت إليه ورصدته، ويلزمه الثبات: بقي بقاء- إذا دام، والخير والجودة... {ينهون} أي يجددون النهي في كل حين إشارة إلى كثرة المفسدين {عن الفساد} الكائن {في الأرض} و "لولا" هنا كالتي في يونس توبيخية أو استفامية كما جوزهما الرماني، ويجوز أن تكون تخصيصية كما قال الزمخشري، ويكون للسامع لا للمهلك، لأن الآية لما تضمنت إهلاك المقر على الفساد كان في ذلك أقوى حث لغيرهم على الأمر والنهي و أوفى تهديد زاجر عن ارتكاب مثل حالهم الموقع في أضعاف نكالهم، وفي تعقيب هذه الآية لآية الصبر إشارة إلى أن الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الذروة العليا، والآية ناظرة إلى قوله تعالى {إنما أنت نذير}. ولما كانت المعاني الثلاثة متضمنة للنفي، كان المعنى: لم يكن من يفعل ذلك، فاتصل الاستثناء في قوله: {إلا قليلاً} أي صالحين {ممن أنجينا منهم} والظاهر أن "من" بيانية، أي هم الذين أنجينا فإنهم نهوا عن الفساد، وعبر بالإنجاء لأنه الدال على الخير الحامل للنهي عن الفساد دون التنجية الدالة على التدريج و الإبلاغ في الإنجاء فلو عبر بها فسد المعنى {واتبع} الأكثر وهم {الذين ظلموا} أي أوقعوا الظلم بترك النهي عن الفساد، وما أحسن إطلاقها عن التقييد ب {منهم} {ما} ولما كان المبطر لهم نفس الترف، بني للمفعول قوله: {أُترفوا فيه} فأبطرتهم النعمة حتى طغوا وتجبروا {وكانوا مجرمين} أي متصفين على سبيل الرسوخ بالإجرام، وهو قطع حبل الله على الدوام، فأهلكهم ربك لإجرامهم، ولولا ذلك لما فعل، فإن إهلاكهم على تقدير الانفكاك عن الإجرام يكون ظلماً على ما يتعارفون.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين (116) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119)}

هذه الآيات الثلاث في بيان سنن الله العامة في إهلاك أولئك الأقوام الذين قص على رسوله قصصهم وأمثالهم جاءت بعدما تقدم من بيان عاقبتهم في الدنيا والآخرة، وإنذار قومه صلى الله عليه وسلم بهم، وما يجب عليه وعلى من آمن وتاب معه من الاستقامة والصلاح، واجتناب أهل الظلم والفساد.

قال: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض} لولا تحضيضية بمعنى هلا، والقرون الأمم والأقوام، والقرن في اللغة كما في المصباح:"الجيل من الناس. قيل ثمانون سنة، وقيل سبعون". أقول: ثم اشتهر تقديره بمائة سنة. والبقية من الشيء ما يبقى منه بعد ذهاب أكثره، ومن الناس كذلك، واستعمل في الخيار والأصلح والأنفع، قيل: لأن الناس ينفقون في العادة أردأ ما عندهم وأقربه إلى التلف والفساد أولا، ويستبقون الأجود فالأجود، ونقول: لأن الأحياء يهلك منهم الأضعف فالأضعف أولا ويبقى الأقوى فالأقوى، ومن هذا ما يعرف في علم الاجتماع بسنة الانتخاب الطبيعي، وهو إفضاء تنازع الأحياء إلى بقاء الأمثل والأصلح، كما ورد في المثل الذي ضربه الله للحق والباطل بقوله تعالى: {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17] ومن ثم يعبرون عن الخيار بالبقية يقولون: في الزوايا خبايا، وفي الناس بقايا، وبهذا فسرت الآية.

والمعنى: فهلا كان أي وجد من أولئك الأقوام الذين أهلكناهم بظلمهم وفسادهم في الأرض جماعة أصحاب بقية من النهي والرأي والصلاح ينهونهم عن الفساد في الأرض -وهو الظلم واتباع الهوى والشهوات التي تفسد عليهم أنفسهم ومصالحهم- فيحول نهيهم إياهم دون هلاكهم، فإن من سنتنا أن لا نهلك قوما إلا إذا عم الفساد والظلم أكثرهم كما يأتي في الآية التالية.

{إلا قليلا ممن أنجينا منهم} أي لم يكن فيهم بقية من هؤلاء العقلاء الأخيار، الناهين عن المنكر، الآمرين بالمعروف، ولكن كان هنالك قليل من الذين أنجيناهم، أو هم الذين أنجيناهم مع الرسل منهم، وكانوا منبوذين لا يقبل نهيهم وأمرهم، مهددين مع رسلهم بالطرد، والإبعاد، بعد الأذى والاضطهاد.

{واتبع الذين ظلموا} وهم الأكثرون منهم. {ما أترفوا فيه} أي ما رزقناهم وآتيناهم من أسباب الترف والنعيم فبطروا. يقال: أترفته النعمة أي أبطرته وأفسدته، والبطر الطغيان في المرح وخفة النشاط والفرح.

{وكانوا مجرمين} أي متلبسين بالإجرام الذي ولده الترف راسخين فيه، فكان هو المسخر لعقولهم في ترجيح ما أعطوا من ذلك على اتباع الرسل.

روى ابن مردويه في تفسيره عن أبي بن كعب قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم (أولو بقية وأحلام)، والأشبه عندي أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الأحلام تفسيرا لا قرآنا. والمعنى أن العقول السليمة الرشيدة كافية لفهم ما في دعوة الرسل عليهم السلام من الخير والصلاح لو لم يمنع من استعمال هدايتها الافتتان بالترف، والتفنن في أنواعه، بدلا من القصد والاعتدال فيه وشكر الله المنعم به عليه، فالإتراف هو الباعث على الإسراف والفسوق والعصيان، والظلم والإجرام يظهر في الكبراء والرؤساء، ويسري بالتقليد في الدهماء، فيكون سبب الهلاك بالاستئصال، أو فقد الاستقلال، وذلك قوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} [الإسراء: 16] فهذا بيان لسنته تعالى في الأمم قديمها وحديثها، ولا تغني عن شعوب الإفرنج معرفتهم بهذه السنة ومحاولة اتقائهم لها، فحكماؤهم وهم أولو البقية والأحلام الذين ينهونهم عن الفساد في الأرض يصرحون بأنهم سيهلكون كما هلك من قبلهم، ولن تغني عنهم قوتهم، بل تكون هي المهلكة لهم بأيديهم، كما قال تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} [الأنعام: 65] فراجع تفسيرها.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم يعود السياق إلى تكملة التعليق والتعقيب على مصارع القرى والقرون. فيشير من طرف خفي إلى أنه لو كان في هذه القرون أولو بقية يستبقون لأنفسهم الخير عند الله، فينهون عن الفساد في الأرض، ويصدون الظالمين عن الظلم، ما أخذ تلك القرى بعذاب الاستئصال الذي حل بهم،