ولما حكى سبحانه عن قريش ما حكى من التعنت والعناد مع رسوله صلى الله عليه وسلم سلاه تعالى جده بما جرى لموسى عليه السلام مع فرعون وما صنع سبحانه بفرعون وقومه فقال عز قائلاً : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى تِسْعَ ءايات * بينات } ظاهر السياق والنظائر يقتضيان كون المعنى تسع أدلة واضحات الدلالة على نبوة موسى عليه السلام وصحة ما جاء به من عند الله تعالى ولا ينافيه أنه قد أوتي من ذلك ما هو أكثر مما ذكر لأن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد كما حقق في الأصول وإلى هذا ذهب غير واحد إلا أنه اختلف في تعيين هذه التسع ففي بعض التفاسير هي كما في التوراة العصا ثم الدم ثم الضفادع ثم القمل ثم موت البهائم ثم برد كنار أنزل مع نار مضطرمة أهلكت ما مرت به من نبات وحيوان ثم جراد ثم ظلمة ثم موت عم كبار الآدميين وجميع الحيوانات . وأخرج عبد الرزاق . وسعيد بن منصور . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنين ونقص من الثمرات ، وروي ذلك عن مجاهد . والشعبي . وقتادة . وعكرمة .
وتعقب هذا بأن السنين والنقص من الثمرات آية واحدة كما روي عن الحسن .
ورد بأنه ليس بالحسن إذ ظاهر قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين وَنَقْصٍ مّن الثمرات } [ الأعراف : 130 ] يقتضي المغايرة فيحمل الأول على الجدب في بواديهم والثاني على النقصان في مزارعهم أو على نحو ذلك وقد تقدم الكلام فيه فلا ضير في عدهما آيتين . وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم في رواية أخرى عن الحبر أنها يده عليه السلام ولسانه وعصاه والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم . وفي «الكشاف » عنه رضي الله تعالى عنه أنها العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه الله تعالى على بني إسرائيل . وتعقبه في «الكشف » بقوله فيه : إن الحجر والطور ليسا من الآيات المذهوب بها إلى فرعون وقال تعالى : { فى تسع آيات إلى فرعون وقومه } [ النمل : 12 ] وذكر سبحانه في هذه السورة { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء } [ الإسراء : 102 ] والإشارة إلى الآيات ثم قال : والجواب جاز أن يكون التسع البينات بعضاً منها غير البعض من تلك التسع وليس في هذه الآية أن الكل لفرعون وقومه وأما الإشارة فإلى البعض بالضرورة لأن الكل إنما حصلت على التدريج وفلق البحر لم يكن في معرض التحدي بل عندما حق الهلاك اه ، ولا يخلو عن ارتكاب خلاف الظاهر ، وما روي عن ابن عباس أولاً لائح الوجه ما فيه أشكال ؛ ونسبه في «الكشاف » إلى الحسن وهو خلاف ما وجدناه في الكتب التي يعول عليها في أمثال ذلك ، وروي أن عمر بن عبد العزيز عليه الرحمة سأل محمد بن كعب عن هذه الآيات فعد ما عد وذكر فيه الطمس فقال عمر : كيف يكون الفقيه إلا هكذا ثم قال : يا غلام أخرج ذلك الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة هذا وظاهر بعض الأخبار يقتضي خلاف ذلك .
فقد أخرج أحمد . والبيهقي . والطبراني . والنسائي . وابن ماجه . والترمذي وقال حسن صحيح . والحاكم وقال صحيح لا نعرف له علة وخلق آخرون عن صفوان بن عسال «أن يهوديين قال : أحدهما لصاحبه انطلق بنا إلى هذا النبي نسأله فأتياه صلى الله عليه وسلم فسألاه عن قول الله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى تِسْعَ ءايات بَيّنَاتٍ } فقال عليه الصلاة والسلام : لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف » .
وفي رواية «أو قال لا تفروا من الزحف شك شعبة وعليكم يا يهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت فقبلا يديه ورجليه وقالا نشهد إنك نبي » الخبر ، ومن هنا قيل المراد بالآيات الأحكام ، وقال الشهاب الخفاجي : إنه التفسير الصحيح ، ووجه إطلاقها عليها بأنها علامات على السعادة لمن امتثلها والشقاوة لغيره ، وقيل أطلقت عليها لأنها نزلت في ضمن آيات بمعنى عبارات دالة على المعاني نحو آيات الكتاب فيكون من قبيل إطلاق الدال وإرادة المدلول ، وقيل لا ضير أن يراد على ذلك بالآيات العبارات الإلهية الدالة على تلك الأحكام من حيث أنها دالة عليها ، وفيه وكذا في سابقه القول بإطلاق الآيات على ما أنزل على غير نبينا صلى الله عليه وسلم من العبارات الإلهية كإطلاقها على ما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام منها . واستشكل بأن الآيات في الرواية التي لا شك فيها عشرة وما في الآية المسؤول عنها تسع ، وأجيب بأن الأخير فيها أعني لا تعتدوا في السبت ليس من الآيات لأن المراد بها أحكام عامة ثابتة في الشرائع كلها وهو ليس كذلك ولذا غير الأسلوب فيه فهو تذييل للكلام وتتميم له بالزيادة على ما سألوه صلى الله عليه وسلم ، وفي «الكشف » أنه من الأسلوب الحكيم لأنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر التسع العامة في كل شريعة ذكر خاصاً بهم ليدل على إحاطة علمه صلى الله عليه وسلم بالكل وهو حسن وليس الأسلوب الحكيم فيه بالمعنى المشهور فإطلاق القول بأنه ليس من الأسلوب الحكيم كما فعل الخفاجي ليس في محله .
وقال بعض الآجلة : إن هذه الأشياء لا تعلق لها بفرعون وإنما أوتيها بنو إسرائيل ولعل جوابه صلى الله عليه وسلم بما ذكر لما أنه المهم للسائل وقبوله لما أنه كان في التوراة مسطوراً وقد علم أنه ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من جهة الوحي اه .
وتعقب بأنا لا نسلم أنه يجب في الآيات المذكورة في الآية أن تكون مما له تعلق بفرعون وما بعد ليس نصاً في ذلك نعم هو كالظاهر فيه لكن كثيراً ما تترك الظواهر للأخبار الصحيحة سلمنا أنه يجب أن يكون لها تعلق لكن لا نسلم أن تلك الأحكام لا تعلق لها لجواز أن يكون كلها أو بعضها مما خوطب به فرعون وبنو إسرائيل جميعاً لا بد لنفي ذلك من دليل ، وكأن حاصل ما أراد من قوله لعل جوابه صلى الله عليه وسلم الخ أن ذلك الجواب من الأسلوب الحكيم بأن يكون موسى عليه السلام قد أوتي تسع آيات بينات بمعنى المعجزات الواضحات وهي المرادة في الآية وأوتي تسعاً أخرى بمعنى الأحكام وهي غير مرادة إلا أن الجواب وقع عنها لما ذكر وهو كما ترى فتأمل .
فمؤيدات كل من التفسيرين أعني تفسير الآيات بالأدلة والمعجزات وتفسيرها بالأحكام متعارضة وأقوى ما يؤيد الثاني الخبر { مَعِىَ بَنِى إسراءيل } وقرأ جمع { *فسل } والظاهر أنه خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم والسؤال بمعناه المشهور إلا أن الجمهور على أنه خطاب لموسى عليه السلام ، والسؤال إما بمعنى الطلب أو بمعناه المشهور لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجها أحمد في الزهد وابن المنذر . وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس فسال على صيغة الماضي بغير همز كقال وهي لغة قريش فإنهم يبدلون الهمزة المتحركة وذلك لأن هذه القراءة دلت على أن السائل موسى عليه السلام وإنه مستعقب عن الإيتاء فلا يجوز أن يكون فاسأل خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا تتخالف القراءتان ولا بد إذ ذاك من إضمار لئلا يختلفا خبراً وطلبا أي فقلنا له اطلبهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل أو اطلب منهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم واستفهم منهم هل هم ثابتون عليه أو اتبعوا فرعون ويتعلق بالقول المضمر قوله تعالى : { يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ } وهو متعلق بسال على قراءته صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك المضمر في اللفظ قوله تعالى : { فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ } لأنه لو كان فاسأل خطاباً لنبينا عليه الصلاة والسلام لانفك النظم وأيضاً لا يظهر استعقابه ولا تسببه عن إيتاء موسى عليه السلام نعم جعل الذاهبون إلى الأول فاسأل اعتراضاً من باب زيد فاعلم فقيه والفاء تكون للاعتراض كالواو وعلى ذلك قوله :
واعلم فعلم المرء ينفعه . . . ان سوف يأتي كل ما قدرا
وهذا الوجه مستغن عن الإضمار و { إِذْ جَاءهُمُ } متعلق عليه بآتينا ظرفاً ولا يصح تعلقه بسل إذ ليس سؤاله صلى الله عليه وسلم في وقت مجىء موسى عليه السلام ، قال في «الكشف » : والمعنى فاسأل يا محمد مؤمني أهل الكتاب عن ذلك إما لأن تظاهر الأدلة أقوى ، وإما من باب التهييج والإلهاب ، وإما للدلالة على أنه أمر محقق عندهم ثابت في كتابهم وليس المقصود حقيقة السؤال بل كونهم أعني المسؤولين من أهل علمه ولهذا يؤمر مثلك بسؤالهم وهذا هو الوجه الذي يجمل به موقع الاعتراض ، وجوز أن يكون منصوباً باذكر مضمراً على أنه مفعول به وجاز على هذا أن لا يجعل { فَاسْأَلِ } اعتراضاً ويجعل اذكر بدلاً عن اسأل لما سمعت من أن السؤال ليس على حقيقته وكذا جوز أن يكون منصوباً كذلك بيخبروك مضمراً وقع جواب الأمر أي سلهم يخبروك إذ جاءهم .
ولا يجوز على هذا الاعتراض ، نعم يجوز الاعتراض على هذا بأن أخبر يتعدى بالباء أو عن لا بنفسه فيجب أن يقدر بدل الإخبار الذكر ونحوه مما يتعدى بنفسه وإما جعله ظرفاً له غير صحيح إذ الإخبار غير واقع في وقت المجىء ، واعترض أيضاً بأن السؤال عن الآيات والجواب بالإخبار عن وقت المجىء أو ذكره لا يلائمه .
ويمكن الجواب بأن المراد يخبروك بذلك الواقع وقت مجيئه لهم أو يذكروا ذلك لك وهو كما ترى ، وبعضهم جوز تعلقه بيخبروك على أن إذ للتعليل ، وعلى هذا يجوز تعلقه باذكر ، والمعنى على سائر احتمالات كون الخطاب لنبينا عليه الصلاة والسلام إذ جاء آباءهم إذ بنو إسرائيل حينئذٍ هم الموجودون في زمانه صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام ما جاءهم فالكلام إما على حذف مضاف أو على ارتكاب نوع من الاستخدام ، والاحتمالات على تقدير جعل الخطاب لمن يسمع هي الاحتمالات التي سمعت على تقدير جعله لسيد السامعين عليه الصلاة والسلام .
والفاء في { فَقَالَ } على سائر الاحتمالات والأوجه فصيحة والمعنى إذ جاءهم فذهب إلى فرعون وادعى النبوة وأظهر المعجزة وكيت وكيت فقال : { إِنّى لأظُنُّكَ ياموسى مَّسْحُورًا } سحرت فاختل عقلك ولذلك اختل كلامك وادعيت ما ادعيت وهو كقوله : { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [ الشعراء : 27 ] .
وقال الفراء . والطبري : مسحوراً بمعنى ساحراً على النسب أو حقيقة وهو يناسب قلب العصا ونحوه على تفسير الآيات بالمعجزات .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{موسى تسع آيات بينات}، يعنى: واضحات: اليد، والعصا بالأرض المقدسة، وسبع آيات بأرض مصر: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنين، والطمس على الدنانير والدراهم، أولها العصا، وآخرها الطمس، {فسئل بني إسرائيل} عن ذلك،
{فقال له فرعون إني لأظنك}، يقول: إني لأحسبك،
{يا موسى مسحورا}، يعني: مغلوبا على عقله...
وروى مطرف عن مالك: هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، والبحر، والجبل.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى بن عمران "تسع آيات بيّنات "تُبين لمن رآها أنها حجج لموسى شاهدة على صدقه وحقيقة نبوّته.
وقد اختلف أهل التأويل فيهنّ وما هنّ؛ فقال بعضهم:...عن ابن عباس... قال: التسع الآيات البينات: يده، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات مفصلات...
وقال آخرون: نحوا من هذا القول، غير أنهم جعلوا آيتين منهنّ: إحداهما الطمسة، والأخرى الحجر...
وقال آخرون نحوا من ذلك إلا أنهم جعلوا السنين، والنقص من الثمرات آية واحدة، وجعلوا التاسعة: تلقف العصا ما يأفكون...
وقال آخرون في ذلك ما: حدثني محمد بن المثنى، قال: ثني محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة يحدّث عن صفوان بن عسال، قال: قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلى النبيّ حتى نسأله عن هذه الآية. "ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى تِسْعَ آياتٍ بَيّناتٍ" قال: لا تقل له نبيّ، فإنه إن سمعك صارت له أربعة أعين، قال: فسألا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا تُشْركُوا بالله شَيْئا، وَلا تَسْرقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا النّفْسَ التي حَرّمَ اللّهُ إلاّ بالحَقّ، وَلا تَسْحَرُوا، وَلا تَأْكُلُوا الرّبا، وَلا تَمْشُوا بَبريءٍ إلى ذي سُلْطانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، أو قال: لا تَفرّوا مِنَ الزّحْف» شعبة الشاكّ «وأنْتُمْ يا يَهُودُ عَلَيْكُمْ خاصّةً لا تَعْدُوا في السّبْت» فقبّلا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبيّ، قال: «فما يمنعكما أن تسلما؟» قالا: إن داود دعا أن لا يزال من ذرّيته نبيّ، وإنا نخشى أن تقتلنا يهود...
وأما قوله: "فاسأَلْ بَنِي إسْرَائيلَ إذْ جاءَهُمْ" فإن عامّة قرّاء الإسلام على قراءته على وجه الأمر بمعنى: فاسأل يا محمد بني إسرائيل إذ جاءهم موسى ورُوي عن الحسن البصري في تأويله... قال: سؤالك إياهم: نظرك في القرآن...
وقوله: "فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنَ إنّي لأَظنّكَ يا مُوسَى مَسْحُورا" يقول: فقال لموسى فرعونُ: إني لأظنك يا موسى تتعاطى علم السحر، فهذه العجائب التي تفعلها من سحرك، وقد يجوز أن يكون مرادا به إني لأظنك يا موسى ساحرا، فوُضِع مفعول موضع فاعل، كما قيل: إنك مشؤوم علينا وميمون، وإنما هو شائم ويامن. وقد تأوّل بعضهم حجابا مستورا، بمعنى: حجابا ساترا، والعرب قد تخرج فاعلاً بلفظ مفعول كثيرا.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
هذا، والله أعلم، في ما آتاه من الآيات، وأمره أن يحاج فرعون، وإلا كانت آيات موسى عليه السلام أكثر من تسع؛ كأنها تبلغ عشرين، وتزداد عليه؛ إذ كان في عصاه أربع من الآيات:
إحداهما: حين ضرب بها البحر {فانفلق} (الشعراء: 63).
والثانية حين ضرب بها الحجر {فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} (البقرة: 60)
والثالثة: حين ألقاها {فإذا هي ثعبان مبين} (الأعراف: 107) والشعراء: 32)
والرابعة: حين تلفقت حبالهم وعصيهم {فإذا هي تلقف ما يأفكون} (الشعراء: 45) وأمثالها، فإنها تبلغ إلى ما ذكرنا. لكنه ذكر تسع الآيات البينات التي أمره الله تعالى أن يحاج بها فرعون وقومه...
{بينات} أنها من عند الله جاءت، وأنها ليست من البشر، وأنها سماوية، أو {بينات} أي مبينات ما تُبِيِّنُ صدق موسى في جميع ما يخبر، ويقول، ويبين عدله في حكمه وفعله، لأن في آيات الرسل يحتاج إلى هذا: تبين للناس صدقهم في قولهم وعدلهم في حكمهم لأنهم يدعون إلى عبادة الله والطاعة له...
{فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم} يعني موسى صلوات الله على نبينا وعليه. قال بعضهم: أمر رسولنا صلى الله عليه وسلم أن يسأل بني إسرائيل الآيات التسع التي كانت في كتبهم على التقرير عندهم ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله، وأنه رسول لأنه كان يعرف تلك الآيات في كتبهم بغير لسانه، وكان لا يخط بيده، ولا كان اختلف إلى أحد منهم ليعرف ذلك. فدل أنهم علموا أنه إنما عرف ذلك بوحي السماء. وقال بعضهم: ليس هو على الأمر أن يسألهم ذلك. ولكن لو سألتهم لأخبروك عنها كقوله: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (النحل: 43)...
{فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا} في عقلك، أي سحرت، والمسحور هو المغلوب في العقل. وقولهم متناقض لأنهم قالوا مرة: ساحر، ومرة: مسحور. فالساحر هو الذي يبلغ بالبصيرة غايته، والمسحور المغلوب...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
اتفق المتأولون والرواة أن الآيات الخمس التي في سورة الأعراف هي من هذه التسع، وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، واختلفوا في الأربع، فقال ابن عباس: هي يده ولسانه حين انحلت عقدته، وعصاه والبحر، وقال محمد بن كعب القرطبي: هي البحر والعصا والطمسة والحجر... والذي يلزم من الآية أن الله تعالى خص من آيات موسى إذ هي كثيرة جداً تنيف على أربع وعشرين، تسعاً بالذكر ووصفها بالبيان ولم يعينها، واختلف العلماء في تعيينها بحسب اجتهادهم في بيانها أو روايتهم التوقيف في ذلك، وقالت فرقة آيات موسى إنما أريد بها آيات التوراة التي هي أوامر ونواه...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون، وهي: العصا، واليد، والسنين، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. قاله ابن عباس.
وقال محمد بن كعب: هي اليد، والعصا، والخمس في الأعراف، والطَّمْسَة والحجر.
وقال: ابن عباس أيضًا، ومجاهد، وعكرمة والشعبي، وقتادة: هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.
وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي. وجعل الحسن البصري "السنين ونقص الثمرات "واحدة، وعنده أن التاسعة هي: تلقف العصا ما يأفكون. {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعراف: 133] أي: ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها، كفروا بها وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا، وما نجعت فيهم، فكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا منك سألوا، وقالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء: 90] إلى آخرها، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء الله، كما قال فرعون لموسى -وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات -: (إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا) قيل: بمعنى ساحر. والله تعالى أعلم.
فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة هاهنا، وهي المعنية في قوله تعالى: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [النمل: 10- 12]. فذكر هاتين الآيتين: العصا واليد، وبين الآيات الباقيات في "سورة الأعراف" وفصلها.
وقد أوتي موسى، عليه السلام، آيات أخرَ كثيرة، منها ضربُه الحجر بالعصا، وخروج الأنهار منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك مما أوتوه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر هاهنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرًا وجحودًا. فأما الحديث الذي رواه الإمام [أحمد]: حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مُرَّة قال: سمعت عبد الله بن سلمة يحدث، عن صفوان بن عَسّال المرادي، رضي الله عنه، قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي [صلى الله عليه وسلم] حتى نسأله عن هذه الآية: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) فقال: لا تقل له: نبي فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين. فسألاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة -أو قال: لا تفروا من الزحف- شعبة الشاك -وأنتم يا يهود، عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت". فقبلا يديه ورجليه، وقالا نشهد أنك نبي. [قال:"فما يمنعكما أن تتبعاني؟ "قالا لأن داود، عليه السلام، دعا ألا يزال من ذريته نبي]، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود.
فهذا الحديث رواه هكذا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير في تفسيره من طرق عن شعبة بن الحجاج، به وقال الترمذي: حسن صحيح.
وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها، وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم. ولهذا قال موسى لفرعون: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ}
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
... ولما كان اليهود الذين أمروا قريشاً بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الروح التي مضى الجواب عنها -كما في بعض الروايات- وعن أهل الكهف وذي القرنين الآتي شرح قصتيهما في الكهف، نبههم على سؤالهم -إن كانوا يقبلون كلامهم- عن أمر موسى عليه السلام في كونه كهذا النبي الكريم في أنه بشر مع كونه رسولاً وفي كونه أتى بالخوارق فكذب بها المعاندون فاستؤصل المكذب، فقال تعالى: {فسئل} أي يا أعظم خلقنا! {بني إسرائيل} أي عامة الذين نبهوا قريشاً على أمر الروح عن حديث موسى عليه السلام أو المؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه {إذ} أي عن ذلك حين {جاءهم} أي جاء آباءهم، فوقع له من التكذيب بعد إظهار المعجزات الباهرات ما وقع لك، ولم يكذب لخلل من أمره ولا لقوة من عدوه على مدافعة العذاب، وإنما كان جهلاً وعناداً، ليكون ذلك مسلاة لك وعلماً على خبث طباعهم وحجة قاطعة عليهم {فقال} أي فذهب إلى فرعون فأمره بإرسالهم معه فأبى فأظهر له الآيات واحدة بعد أخرى فتسبب عن ذلك ضد ما يقتضيه الحال، وهو أن قال {له فرعون} عتواً واستكباراً: {إني لأظنك} أكد قوله لما أظهر موسى عليه السلام مما يوجب الإذعان له والإيمان والإنكار لأن يكذبه أحد {يا موسى مسحوراً} أي فكل ما ينشأ عنك فهو من آثار السحر الذي بك، خيال لا حقيقة له، وأنت في الحقيقة مسحور، ولوجود السحر عنك ساحر... وكأنه موه على جنوده لما أراهم آية اليد بهذه الشبهة، وهذا كما قالت قريش {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} وقالوا في موضع آخر: ساحر، فإنهم ربما أطلقوا اسم المفعول مريدين اسم الفاعل مبالغة في أنه كالمجبر على الفعل.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهذا المثل من قصة موسى وبني إسرائيل يذكر لتناسقه مع سياق السورة وذكر المسجد الأقصى في أولها وطرف من قصة بني إسرائيل وموسى. وكذلك يعقب عليه بذكر الآخرة والمجيء بفرعون وقومه لمناسبة مشهد القيامة القريب في سياق السورة ومصير المكذبين بالبعث الذي صوره هذا المشهد... (فقال له فرعون: إني لأظنك يا موسى مسحورا).. فكلمة الحق وتوحيد الله والدعوة إلى ترك الظلم والطغيان والإيذاء لا تصدر في عرف الطاغية إلا من مسحور لا يدري ما يقول! فما يستطيع الطغاة من أمثال فرعون أن يتصوروا هذه المعاني؛ ولا أن يرفع أحد رأسه ليتحدث عنها وهو يملك قواه العقلية!...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
حصلت بقوله: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} الحجة على المشركين الذين يقترحون الآيات... ثم لم يزل الاعتناء في هذه السورة بالمقارنة بين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالة موسى عليه السلام إقامةً للحجة على المشركين الذين كذبوا بالرسالة بعلة أن الذي جاءهم بشر، وللحجة على أهل الكتاب الذين ظاهروا المشركين ولقنوهم شُبه الإلحاد في الرسالة المحمدية ليصفو لهم جَوّ العلم في بلاد العرب وهم ما كانوا يحسبون لما وراء ذلك حساباً... ثم انتقل من ذلك بطريقة التفريع إلى التسجيل ببني إسرائيل استشهاداً بهم على المشركين، وإدماجاً للتعريض بهم بأنهم سَاووا المشركين في إنكار نبوءة محمد ومظاهرتهم المشركين بالدس وتلقين الشبه، تذكيراً لهم بحال فرعون وقومه {إذ قال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحوراً}...
والخطاب في قوله: {فسئل} للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد: سؤال الاحتجاج بهم على المشركين لا سؤال الاسترشاد كما هو بين...
وكان فرعون تعلق ظنه بحقيقة ما أظهر من الآيات فرجح عنده أنها سحر، أوْ تعلق ظنه بحقيقة حال موسى فرجح عنده أنه أصابه سحر، لأن الظن دون اليقين، قال تعالى: {إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: 32]. وقد يستعمل الظن بمعنى العلم اليقين...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
و {آتينا} معناها أعطيناه حجة ودليلا {تسع آيات}، أي معجزات بينات في دلالتها على رسالة موسى إلى فرعون وبني إسرائيل... {فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا}، أي أنه بدل أن يذعن بها ويؤمن بالحق إذ جاءته بينات، كابر واستمر في غيه، وضلاله القديم وما أجدت تلك الآيات الحسية شيئا، بل قال مؤكدا، {إني لأظنك} الظن هنا العلم، وقد أكد علمه بسحر موسى ب "إن "و"اللام"...
والمراد بالآيات التسع هنا هي الآيات الخاصة بفرعون؛ لأن كثيرين يخلطون بين معجزات موسى إلى فرعون، ومعجزاته إلى بني إسرائيل... أما المعجزات الأخرى مثل العصا التي ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة، وإنزال المن والسلوى عليهم، فهذه آيات خاصة ببني إسرائيل... السؤال لذريتهم هو عين سؤالهم، لأنهم تناقلوا الأحداث جيلاً بعد جيل... ويسأل رسول الله بني إسرائيل لأنهم هم الأمة التي لها ممارسة مع منهج الله ووحيه، ولها اتصال بالرسل وبالكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل، أما مشركو قريش فليس لهم صلة سابقة بوحي السماء... إذن: قوله (مسحوراً) تفيد أنه سحر غيره، أو سحره غيره؛ لأن المسحور هو الذي ألم به السحر، إما فاعلاً له، أو مفعولاً عليه. وهذه الكلمة قالها كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً "47 "} (سورة الإسراء): والمسحور بمعنى المخبول الذي أثر في السحر، فصار مخبولاً مجنوناً، وهذا كذب وافتراء على رسول الله من السهل رده ودحضه... وسوف يناقض فرعون نفسه، فبعد أن اتهم موسى بالسحر، ثم كانت الغلبة لموسى، وخر السحرة ساجدين، قال: {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر.. "71 "} (سورة طه): وهذا دليل على التخبط والإفلاس...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
لم يُؤمنوا رغم الآيات: قبل بضعة آيات عرفنا كيف أنَّ المشركين طلبوا أُموراً عجيبة غريبة من الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبما أنَّ هدفهم ـ باعترافهم هم أنفسهم ـ لم يكن لأجل الحق وطلباً له، بل لأجل التذرُّع والتحجج والتعجيز، لذا فإِنَّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ردّ عليهم ورفض الانصياع إلى طلباتهم. وهذه الآيات ـ التي نبحثها ـ في الحقيقة تقف على نماذج للأُمم السابقة ممَّن شاهدوا أنواع المعاجز والأعمال غير العادية، إِلاَّ أنّهم استمروا في الإِنكار وعدم الإِيمان.