روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا} (100)

{ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ } أي خزائن نعمه التي أفاضها على كافة الموجودات فالرحمة مجاز عن النعم والخزائن استعارة تحقيقية أو تخييلية ، و { أَنتُمْ } على ما ذهب إليه الحوفي . والزمخشري . وأبو البقاء . وابن عطية وغيرهم فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور لأن لو يمتنع أن يليها الاسم والأصل لو تملكون تملكون فلما حذف الفعل انفصل الضمير ، ومثل ذلك قول حاتم وقد أسر فلطمته جارية لو ذات سوار لطمتني ، وقول الملتمس :

ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي . . . جعلت لهم فوق العرانين ميسما

وفائدة الحذف والتفسير على ما قيل الإيجاز فإنه بعد قصد التوكيد لو قيل تملكون تملكون لكان إطناباً وتكراراً بحسب الظاهر ، والمبالغة لتكرير الإسناد أو لتكرير الشرط فإنه يقتضي تكرر ترتب الجزاء عليه والدلالة على الاختصاص وذلك بناءً على أن { أَنتُمْ } بعينه ضمير { تَمْلِكُونَ } المؤخر فهو في المعنى فاعل مقدم وتقديم الفاعل المعنوي يفيد الاختصاص إذا ناسب المقام فيفيد الكلام حينئذٍ ترتب الإمساك ، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى المراد منه على تفردهم بملك الخزائن ويعلم منه ترتبه على ملكها بالاشتراك بالطريق الأولى ، وإلى تخريج مثل هذا التركيب على هذا الطرز ذهب البصريون بيد أن أبا الحسن بن الصائغ وغيره صرحوا بأنهم يمنعون إيلاءً لو فعلاً مضمراً في الفصيح ويجيزونه في الضرورة وفي نادر كلام ، ولعل شعر المتلمس ومثل حاتم عندهم من ذلك والحق خلاف ذلك .

وقال أبو الحسن علي بن فضالة المجاشعي : إن التقدير لو كنتم أنتم تملكون ، وظاهره أن أنتم عنده توكيد للضمير المحذوف مع الفعل وليس بشيء ، وقال أبو الحسن بن الصائغ : إن الأصل لو كنتم تملكون فحذفت كان وحدها وانفصل الضمير فهو عنده اسم لكان محذوفة وجملة { تَمْلِكُونَ } خبرها وعلى هذا تخرج نظائره .

قال أبو حيان بعد نقل ما تقدم : وهذا التخريج أحسن لأن حذف كان بعد لو معهود في «لسان العرب » ، ولا يخفى أن الكلام على ما سمعت أولاً أفيد وإن كان الظاهر أن الإمساك على هذا يكون على استمرار الملك ، والمراد من الإمساك البخل وذلك لأن البخل إمساك خاص فلما حذف المفعول ووجه إلى نفس الفعل بمعنى لفعلتم الإمساك جعل كناية عن أبلغ أنواعه وأقبحها ، وإلى كونه كناية عما ذكر ذهب صاحب الفرائد وغيره .

وجوز أن يكون مضمناً معنى البخل . وتعقب بأنه ليس بشيء لفظاً ومعنى ، وعلى ما ذكرنا يتخرج قولهم للبخيل ممسك { خَشْيَةَ الانفاق } أي مخافة الفقر كما أخرجه ابن جرير . وابن المنذر عن ابن عباس وروي نحو عن قتادة وإليه ذهب الراغب قال : يقال أنفق فلان إذا افتقر ، وأبو عبيدة قال : أنفق وأملق وأعدم وأصرم بمعنى واحد ، وقال بعضهم : الإنفاق بمعناه المعروف وهو صرف المال ، وفي الكلام مقدر أي خشية عاقبة الإنفاق .

وجوز أن يكون مجازاً عن لازمه وهو النفاد ، ونصب { خَشْيَةَ } على أنه مفعول له ، وجعله مصدراً في موضع الحال كما جوزه أبو البقاء خلاف الظاهر ، وقد بلغت هذه الآية من الوصف بالشح الغاية القصوى التي لا يبلغها الوهم حيث أفادت أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله تعالى التي لا تتناهى وانفردوا بملكها من غير مزاحم أمسكوها من غير مقتض إلا خشية الفقر ، وإن شئت فوازن بقول الشاعر :

ولو أن دارك أنبتت لك أرضها . . . ابرا يضيق بها فناء المنزل

وأتاك يوسف يستعيرك إبرة . . . ليخيط قد قميصه لم تفعل

مع أن فيه من المبالغات ما يزيد على العشرة ترى التفاوت الذي لا يحصر ، وجعل غير واحد الخطاب فيها عاماً فيقتضي أن يكون كل واحد من الناس بخيلاً كما هو ظاهر ما بعد مع أنه قد أثبت لبعضهم الإيثار مع الحاجة .

وأجيب بأن ذلك بالنسبة إلى الجواد الحقيقي والفياض المطلق عز مجده فإن الإنسان إما ممسك أو منفق والإنفاق لا يكون إلا لغرض للعاقل كعوض مالي أو معنوي كثناء جميل أو خدمة واستمتاع كما في النفقة على الأهل أو نحو ذلك وما كان لعوض كان مبادلة لا مباذلة أو هو بالنظر إلى الأغلب وتنزيل غيره منزلة العدم كما قيل :

عدنا في زماننا . . . عن حديث المكارم

من كفى الناس شره . . . فهو في جود حاتم

وهذا الجواب عندي أولى من الأول وعلى ذلك يحمل قوله تعالى : { وَكَانَ الإنسان قَتُورًا } مبالغاً في البخل ، وجاء القتر بمعنى تقليل النفقة وهو بإزاء الإسراف وكلاهما مذموم ويقال قترت الشيء واقترته وقترته أي قللته وفلان مقتر فقير ، وأصل ذلك كما قال الراغب من القتار والقتر وهو الدخان الساطع من الشواء والعود ونحوهما فكأن المقتر والمقتر هو الذي يتناول من الشيء قتاره ، وقيل الخطاب لأهل مكة الذين اقترحوا ما اقترحوا من الينبوع والأنهار وغيرها ، والمراد من الإنسان كما في القول الأول الجنس ولا شك في أن جنس الإنسان مجبول على البخل لأن مبنى أمره الحاجة ، وقيل الإنسان وعليه الإمام ، ووجه ارتباط الآية بما قبلها على تخصيص الخطاب أن أهل مكة طلبوا ما طلبوا من الينبوع والأنهار لتكثر أقراتهم وتتسع عليهم فبين سبحانه أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله تعالى لبخلوا وشحوا ولما قدموا على إيصال النفع لأحد ، والمراد التشنيع عليهم بأنهم في غاية الشح ويقترحون ما يقترحون أو المراد أن صفتهم هذه فلا فائدة في إسعافهم بما طلبوا كذا قال العسكري وغيره فالآية عندهم مرتبطة بقوله تعالى : { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا }[ الإسراء : 90 ] ويكفي على العموم اندراج أهل مكة فيه . وقال أبو حيان : المناسب في وجه الارتباط أن يقال : إنه عليه الصلاة والسلام قد منحه الله تعالى ما لم يمنحه لأحد من النبوة والرسالة إلى الإنس والجن فهو صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على إيصال الخير إليهم وإنقاذهم من الضلال يثابر على ذلك ويخاطر بنفسه في دعائهم إلى الله تعالى ويعرض ذلك على القبائل وأحياء العرب سمحاً بذلك لا يطلب منهم أجراً وهؤلاء أقرباؤه لا يكاد يجيب منهم أحد إلا الواحد بعد الواحد قد لجوا في عناده وبغضائه فلا يصل منهم إليه إلا الأذى فنبه تعالى شأنه بهذه الآية على سماحته عليه الصلاة والسلام وبذل ما آتاه الله تعالى وعلى امتناع هؤلاء أن يصل منهم شيء من الخير إليه صلى الله عليه وسلم فهي قد جاءت مبنية تباين ما بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم من حرصه على نفعهم وعدم إيصال شيء من الخير منهم إليه اه . فالارتباط بين الآية وبين مجموع الآيات السابقة من حيث أنها تشعر بحرصه صلى الله عليه وسلم على هدايتهم ولعمري إن هذا مما يأباه الذوق السليم والذهن المستقيم .

ويحتمل أن يكون وجه الارتباط اشتمالها على ذمهم بالشح المفرط كما أن ما قبلها مشتمل على ذمهم بالكفر كذلك وهما صفتان سيئتان ضرر إحداهما قاصر وضرر الأخرى متعد فتأمل فلمسلك الذهن اتساع والله تعالى أعلم بمراده ،

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا} (100)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي}، يعني: مفاتيح الرزق، يعني: مقاليد السماوات، يقول: لو كان الرزق بأيديكم وكنتم تقسمونه،

"إذا لأمسكتم خشية الإنفاق"، لأمسكتموه مخافة الفقر والفاقة،

{وكان الإنسان}، يعني: الكافر،

{قتورا}، يعني: بخيلا ممسكا عن نفسه...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لو أنتم أيها الناس تملكون خزائن أملاك ربي من الأموال، وعنى بالرحمة في هذا الموضع: المال "إذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ "يقول: إذن لبَخِلْتُمْ بِهِ، فَلم تجودوا بها على غيركم، خشية من الإنفاق والإقتار... عن قتادة "خَشْيَةَ الإنْفاقِ" أي خشية الفاقة.

"وكانَ الإنْسانُ قَتُورا" يقول: وكان الإنسان بخيلاً ممسكا.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

ويحتمل أن يكون هذا إخبارا منه عن طبع الخلق وعاداتهم؛ وذلك أنهم لما استكثروا من الأموال، وجمعوا، يزداد لهم بذلك حرص على جمعها وبخل على التوسيع والإنفاق لما لم يكن قبل الجمع والاستكثار هذا المعروف في الناس...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم "قل "لهؤلاء الكفار: لو أنكم ملكتم "خزائن رحمة ربي" أي ما يقدر عليه من النعم قدرتم على مثله لما أنفقتموه في طاعة الله، وأمسكتموه خوفا من الفقر. ثم أخبر بأن الإنسان كان قتورا، يعني مضيقا سيء الظن بالله وبالخلف عن الإنفاق، وهو جواب لقولهم "لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا" فأعلمهم الله أنهم لو ملكوا خزائن الله، لأمسكوا بخلا بها وشحا خشية نفادها.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

البُخْلُ غريزةُ الإنسان، والشحُّ سجيته.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... ورحمة الله: رزقه وسائر نعمه على خلقه، ولقد بلغ هذا الوصف بالشح الغاية التي لا يبلغها الوهم. وقيل: هو لأهل مكة الذين اقترحوا ما اقترحوا من الينبوع والأنهار وغيرها، وأنهم لو ملكوا، خزائن الأرزاق لبخلوا بها {قَتُورًا} ضيقاً بخيلاً.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... {وكان الإنسان قتوراً} أي ممسكاً، يريد أن في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر، وكذلك يظن أن قدرة الله تعالى تقف دون البعث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى، فهو مخترع من الخلق ما يشاء، ويخترع من الرحمة الأرزاق، فلا يخاف نفاد خزائن رحمته، وبهذا النظر تتلبس هذه الآية بما قبلها.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

الأصل في الإنسان البخل لأنه خلق محتاجا، والمحتاج لا بد أن يحب ما به يدفع الحاجة وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود به لأسباب من خارج الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء والحمد وللخروج عن عهدة الواجب فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل.

إن المراد بهذا الإنسان المعهود السابق: وهم الذين قالوا {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا}...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما قدم في هذه السورة أنه هو المعطي وأن عطاءه الجم -الذي فات الحصر، وفضل عن الحاجة، وقامت به الحجة على العباد في تمام قدرته وكمال علمه- غير محظور عن أحد، وأنهم يقتلون أولادهم مع ذلك خشية الإملاق، وهم يطلبون أن يظهر لهم من جنس ما خلق من الينابيع والجنات والذهب والزخرف على كيفيات مخصوصة لغير حاجة ما تقدم ذكره، وقد امتنعوا بخلاً وأنفة وجهلاً عن الاعتراف له بما أوجبه عليهم شكراً لنعمته، واستدفاعاً لنقمته، بعد قيام الدلائل وزوال الشبه فلا أبخل منهم... أمره أن ينبههم على سفههم في ذلك بقوله تعالى: {قل لو}.

ولما كان من حق "لو "الدخول على الأفعال، علم أن بعدها فعلاً من جنس ما بعد تقديره: تملكون ولكنه حذفه وفصل الضمير لأن المقصود الحكم عليهم بادئ بدء فقال تعالى: {أنتم} أي دون غيركم {تملكون خزائن} عبر بصيغة منتهى الجموع، لأن المقام جدير بالمبالغة {رحمة} أي أرزاق وإكرام {ربي} المحسن إليّ بإيتائي جميع ما ثبت أمري وأوضحه، وهي مقدوراته التي يرحم بها عباده بإضافتها عليهم {إذاً لأمسكتم} أي لوقع منكم الإمساك عن الإنفاق في بعض الوجوه التي تحتاجونها {خشية} عاقبة {الإنفاق} أي الموصل إلى الفقر، ثم استدل على صحة هذا المفروض بالمشاهد من مضمون قوله تعالى: {وكان} أي جبلة وطبعاً {الإنسان} أي الذي من شأنه الإنس بنفسه، فهو لذلك لا يعقل الأمور حق عقلها {قتوراً} أي بخيلاً ممسكاً غاية الإمساك لإمكان أن يكون فقيراً فلا تراه إلا مضيقاً في النفقة على نفسه، ومن تلزمه نفقته، شديداً في ذلك وإن اتسعت أحواله، وزادت على الحد أمواله، لما فيه من صفة النقص اللازمة بلزوم الحاجة له، طبع على ذلك فهو في غريزته بالقوة، فكلهم يفعله إلا من وفقه الله تعالى فغلب عقله على هواه وقليل ما هم! أي فإذا كان هذا أمركم فيما تملكونه مع الحاجة إلى الوجوه المنفق فيها فكيف تطلبون من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لا يملكه، ولا ادعى القدرة عليه؟ أو من الخالق الحكيم أن يفعل ما تتعنتون به عبثاً بغير حاجة أصلاً، لأنه إن كان لإثبات قدرته فأنتم لا تمترون فيها، وإن كان لإثبات رسالة نبيكم فقد ثبت بأمور أعظمها هذا القرآن الذي مر آنفاً إقامة الدليل عليها به، وهتك أستار شبهتكم في استبعاد كون الرسول بشراً، والله تعالى قد أكرمكم بنبيكم عن أن يعاجلكم بالاستئصال عند العصيان بعد كشف الغطاء كما جرت به سنته في جميع الأمم، وإن كان لإثبات غناكم فهو شيء لا يغني نفوسكم فيردها عن طلب المزيد وعن التقتير لما طبعتم عليه. بل تكونون عند حصول ذلك لكم لحصول الغنى كالمستجير من الرمضاء بالنار، وهو قد قضى أنه يظهر أمره على كل من ناواه وإن كره الكافرون، وقد علم من يؤمن فييسر له الإيمان ويجعله عوناً لحزب الرحمن، ومن لا يؤمن فهو يجعله مع أولياء الشيطان، ويذيق الكل الهوان، ويجعلهم وقوداً للنيران، فلم يبق بعد هذا كله في إجابتكم إلى تعنتكم إلا العبث الذي هو سبحانه متعال عنه، فلا وجه يحصل به الإنسان الغني إلا اتباع السنة والانسلاخ عن الهوى، فمن وصل إلى ذلك استوى عنده الذهب والحصباء.

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

ذكر هذه الآية إثر ما قبلها، لتقرير انفراده تعالى بملك خزائن الرحمة، وسعة كرمه وجوده وإحسانه. كما انفرد بتلك القدرة الباهرة من خلق السماوات والأرض، كي تنجلي لهم قدرته العظمى، وسعة خزائنه الملأى. فيصلوا بذلك إلى اليقين بصحة ما ادعاه الرسول صلى الله عليه وسلم، وحقية ما يدعوهم إليه. وذكر هذا المعنى في أسلوب بيان ما فطر عليه الإنسان، تذكيرا له بنقصه وضعفه، وإشفاقه وحرصه. ليعلم أنه غير مخلوق سدى، يخلّى بينه وبين ما تتقاضاه به نفسه وهواه. والمعنى: أفلا تعتبرون بسعة رحمته وعميم فضله، مما يبرهن على وحدانيته في ألوهيته، ولا ترون ما أنتم عليه من أنكم لو ملكتم ما لا نفاد له من خزائنه، لضننتم بها. مما يدلكم على أنه هو مالك الملك، وأنكم مسخّرون لأمره. وهذه الآية كقوله تعالى: {أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا} أي لو أن لهم نصيبا في ملك الله، لما أعطوا أحدا شيئا ولا مقدار نقير. وقد جاء في (الصحيحين):"يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه"...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهي صورة بالغة للشح، فإن رحمة الله وسعت كل شيء، ولا يخشى نفادها ولا نقصها. ولكن نفوسهم لشحيحة تمنع هذه الرحمة وتبخل بها لو أنهم كانوا هم خزنتها!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

اعتراض ناشئ عن بعض مقترحاتهم التي توهموا عدم حصولها دليلاً على انتفاء إرسال بَشيرٍ، فالكلام استئناف لتكملة رد شبهاتهم. وهذا رد لما تضمنه قولهم: {حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} إلى قوله: {تفجيراً} [الإسراء: 90 -91]، وقولهم: {أو يكون لك بيت من زخرف} [الإسراء: 93] من تعذر حصول ذلك لعظيم قيمته.

ومعنى الرد: أن هذا ليس بعظيم في جانب خزائن رحمة الله لو شاء أن يظهره لكم.

وأدمج في هذا الرد بيانُ ما فيهم من البخل عن الإنفاق في سبيل الخير. وأدمج في ذلك أيضاً تذكيرهم بأن الله أعطاهم من خزائن رحمته فكفروا نعمته وشكروا الأصنام التي لا نعمة لها. ويصلح لأن يكون هذا خطاباً للناس كلهم مؤمنهم وكافرهم كل على قدر نصيبه.

وشأن (لو) أن يليها الفعل ماضياً في الأكثر أو مضارعاً في اعتبارات، فهي مختصة بالدخول على الأفعال، فإذا أوقعوا الاسم بعدها في الكلام وأخروا الفعل عنه فإنما يفعلون ذلك لقصدٍ بليغ: إما لقصد التقوي والتأكيد للإشعار بأن ذكر الفعل بعد الأداة ثم ذكر فاعله ثم ذكر الفعل مرةً ثانية تأكيدٌ وتقويةٌ؛ مثل قوله: {وإن أحد من المشركين استجارك} [التوبة: 6] وإما للانتقال من التقوي إلى الاختصاص، بناءً على أنه ما قدم الفاعل من مكانه إلا لمقصد طريق غير مطروق. وهذا الاعتبار هو الذي يتعين التخريج عليه في هذه الآية ونحوها من الكلام البليغ، ومنه قول عُمر لأبي عبيدة لَوْ غيرُك قالها.

والمعنى: لو أنتم اختصصتم بملك خزائن رحمة الله دون الله لَما أنفقتم على الفقراء شيئاً. وذلك أشد في التقريع وفي الامتنان بتخييل أن إنعام غيره كالعدم.

وكلا الاعتبارين لا يُنَاكد اختصاص (لو) بالأفعال للاكتفاء بوقوع الفعل في حَيزها غيرَ مُوال إياها وموالاته إياها أمر أغلبي، ولكن لا يجوز أن يقال: لو أنت عالم لبذذت الأقران.

واختير الفعل المضارع لأن المقصود فرض أن يملكوا ذلك في المستقبل.

و {أمسكتم} هُنا منزل منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول، لأن المقصود: إذن لاتصفتم بالإمساك، أي البخل. يقال: فلان مُمسك، أي بخيل. ولا يراد أنه ممسك شيئاً معيناً.

وأكد جواب (لو) بزيادة حرف (إذن) فيه لتقوية معنى الجوابية، ولأن في (إذن) معنى الجزاء كما تقدم آنفاً عند قوله: {قل لو كان معه آلهة كما تقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} [الإسراء: 42]...

وجملة {وكان الإنسان قتوراً} حالية أو اعتراضية في آخر الكلام، وهي تفيد تذييلاً لأنها عامةُ الحكم. فالواو فيها ليست عاطفة.

والقتور: الشديد البخل، مشتق من القتر وهو التضييق في الإنفاق.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وإن الإنسان إذا لم يهذبه دين الحق، ولا مجتمع فاضل يبدو فيه أمران: حرص شديد ليحفظ لنفسه في عزمه نفقته في القابل، وخوف الفقر، حتى تتحقق الحكمة:"الناس من خوف الفقر في فقر" فهم فقراء في ذات أنفسهم إذا خافوا الفقر، وإن هذا النص الكريم يدل على أمور ثلاثة:

الأمر الأول: أن خزائن رحمة الله تعالى لا تنفد تشمل البر والفاجر، وتعم الغني والفقير، والقادر والعاجز.

الأمر الثاني: أن العبد هو الذي يقتر، ويحس بالفقر دائما إلا أن يكون مؤمنا يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة. الأمر الثالث: أنه على الإنسان أن يهذب غرائزه، فإذا كان قتورا يجب أن يعود السخاء والإيثار...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وحتى لا يستبد إنسان بإنسان، فيصبح ضحية البؤس والحرمان، أبقى الحق سبحانه وتعالى خزائن رحمته بيده، ولم يبخل منها على أي إنسان بمدده {كلا نمد، هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا}...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

... أي: لو أن الله تعالى ملك خزائن خيراته ورحمته للناس، فأصبح في أيديهم خزائن لا تنفد، ولا يخشى صاحبها الفقر، لو حدث ذلك لأمسك الإنسان وبخل وقتر خوف الفقر؛ لأنه جبل على الإمساك والتقتير حتى على نفسه، وخوف الإنسان من الفقر ولو أنه يملك خزائن رحمة الله التي لا نفاد لها ناتج عن عدم مقدرته على تعويض ما أنفق؛ ولأنه لا يستطيع أن يحدث شيئاً... والبخل يكون على الغير، فإن كان على النفس فهو التقتير، وهو سبة واضحة ومخزية، فقد يقبل أن يضيق الإنسان على الغير، أما أن يضيق على نفسه فهذا منتهى ما يمكن تصوره...