روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا} (19)

{ وكذلك بعثناهم } أي كما أنمناهم هذه الإنامة الطويلة وهي المفهومة مما مر أيقظناهم فالمشبه الإيقاظ والمشبه به الإنامة المشار إليها ووجه الشبه كون كل منهما آية دالة على كمال قدرته الباهرة عز وجل .

{ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ } أي ليسأل بعضهم بعضاً فيترتب عليه ما فصل من الحكم البالغة وجعله علة للبعث المعلل بما سبق فيما سبق قيل من حيث أنه من أحكامه المترتبة عليه والاقتصار على ذكره لاستتباعه لسائر آثاره ، وجعل غير واحد اللام للعاقبة ، واستظهره الخفاجي وادعى أن من فعل ذلك لاحظ أن الغرض من فعله تعالى شأنه إظهار كمال قدرته لا ما ذكر من التساؤل فتأمل .

{ قَالَ } استئناف لبيان تساؤلهم { قَائِلٌ مّنْهُمْ } قيل هو كبيرهم مكسلمينا ، وقيل صاحب نفقتهم يمليخا { كَمْ لَبِثْتُمْ } أي كم يوماً أقمتم نائمين ، وكأنه قال ذلك لما رأى من مخالفة حالهم لما هو المعتاد في الجملة ، وقيل راعهم ما فاتهم من الصلاة فقالوا ذلك : { قَالُواْ } أي قال بعضهم : { لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } أو للشك كما قاله غير واحد ، والمراد لم نتحقق مقدار لبثنا أي لا ندري أن مدة ذلك هل هي مقدار مدة يوم أو مقدار مدة بعض يوم منه ، والظاهر أنهم قالوا ذلك لأن لوثة النوم لم تذهب من بصرهم وبصيرتهم فلم ينظروا إلى الأمارات ، وهذا مما لا غبار عليه سواء كان نومهم وانتباههم جميعاً أو أحدهما في النهار أم لا ، والمشهور أن نومهم كان غدوة وانتباههم كان آخر النهار ، وقيل فلم يدروا أن انتباههم في اليوم الذي ناموا فيه أم في اليوم الذي بعده فقالوا ما قالوا ، واعترض بأن ذلك يقتضي أن يكون التردد في بعض يوم ويوم وبعض ، ومن هنا قيل إن أو للإضراب ، وذلك أنهم لما انتبهوا آخر النهار وكانوا في جوف الغار ولوثة النوم لم تفارقهم بعد قالوا قبل النظر { لَبِثْنَا يَوْمًا } ثم لما حققوا أن الشمس لم تغرب بعد قالوا : { أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } وأنت تعلم أن الظاهر أنها للشك والاعتراض مندفع بإرادة ما سمعت منه ، نعم هو في ذلك مجاز ، وحكى أبو حيان أنها للتفصيل على معنى قال بعضهم : لبثنا يوماً ، وقال آخرون : لبثنا بعض يوم وقول كل مبني على غالب الظن على ما قيل فلا يكون كذباً ؛ ولا يخفي أن القول بأنها للتفصيل مما لا يكاد يذهب إليه الذهن ، ولا حاجة إلى بناء الأمر على غالب الظن لنفي أن يكون كذباً بناءً على ما ذكرنا من أن المراد لم نتحقق مقداره كما ذكره أهل المعاني في قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سلم سهواً من صلاة رباعية فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ قال : كل ذلك لم يكن { قَالُواْ } أي قال بعض آخر منهم استدلالاً أو إلهاماً { رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } أي أنتم لا تعلمون مدة لبثكم ، وإنما يعلمها الله سبحانه ، وهذا رد منهم على الأولين على أحسن ما يكون من مراعاة حسن الأدب ؛ وبه كما قيل يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين فيما سبق ، وقيل قائل القولين متحد لكن الحالة مختلفة .

وتعقب بأنه لا يساعده النظم الكريم فإن الاستئناف في الحكاية والخطاب في المحكي يقضي بأن الكلام جار على منهاج المحاورة والمجاوبة وإلا لقيل ثم قالوا ربنا أعلم بما لبثنا { فابعثوا أَحَدَكُمْ } أي واحداً منكم ولم يقل واحدكم لإيهامه إرادة سيدكم فكثيراً ما يقال جاء واحد القوم ويراد سيدهم { بِوَرِقِكُمْ } أي بدراهمكم المضروبة كما هو مشهور بين اللغويين ، وقيل الورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة ، واستدل عليه بما وقع في حديث عرفجة أنه لما قطع أنفه اتخذ أنفاً من ورق فانتن فاتخذ أنفاً من ذهب فإن الظاهر أنه أطلق فيه الورق على غير المضروب من الفضة ، وقول الأصمعي كما حكى عنه القتيبي الورق في الحديث بفتح الراء ، والمراد به الورق الذي يكتب فيه لأن الفضة لا تنتن لا يعول عليه والمنتن الذي ذكره لا صحة له ، وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر . والحسن . والأعمش . واليزيدي . ويعقوب في رواية ، وخلف وأبو عبيد . وابن سعدان { بِوَرِقِكُمْ } بإسكان الراء ، وقرأ أبو رجاء بكسر الواو وإسكان الراء وإدغام القاف في الكاف ، وكذا إسماعيل عن ابن محيصن ، وعنه أيضاً أنه قرأ كذلك إلا أنه كسر الراء لئلا يلزم التقاء الساكنين على غير حدة كما في الرواية الأخرى ، وبهذا اعترض عليها . وأجيب بأن ذلك جائز وواقع في كلام العرب لكن على شذوذ ، وقد قرئ { نِعِمَّا } [ النساء : 58 ] بسكون العين والإدغام ، وما قيل إنه لا يمكن التلفظ به قيل عليه إنه سهود وحكى الزجاج أنه قرئ بكسر الواو وسكون الراء من غير إدغام . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه { بوارقكم } على وزن فاعل جعله اسم جمع كباقر وحامل ، ووصف الورق بقوله تعالى : { تَبِيدَ هذه } يشعر بأن القائل أحضرها ليناً ولها بعض أصحابه وإشعاره بأنه ناولها إياه بعيد ، وفي حملهم لها دليل على أن التأهب لأسباب المعاش لمن خرج من منزله بحمل النفقة ونحوها لا ينافي التوكل على الله تعالى كما في الحديث «اعقلها وتوكل » نعم قال بعض الأجلة : إن توكل الخواص ترك الأسباب بالكلية ، ومن ذلك ما روي عن خالد بن الوليد من شرب السم ، ومشى سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر ودخول تميم في الغار التي خرجت منه نار الحرة ليردها بأمر عمر رضي الله تعالى عنه .

وقد نص الإمام أحمد . وإسحاق . وغيرهما من الأئمة على جواز دخول المفاوز بغير زاد وترك التكسب والتطبب لمن قوي يقينه وتوكله ، وفسر الإمام أحمد التوكل بقطع الاستشراف باليأس من المخلوقين ، واستدل عليه بقول إبراهيم عليه السلام حين عرض له جبريل عليه السلام يوم ألقى في النار وقال له : ألك حاجة ؟ أما إليك فلا ، وليس طرح الأسباب سبيل توكل الخواص عند الصوفية فقط كما يشعر به كلام بعض الفضلاء بل جاء عن غيرهم أيضاً { إلى المدينة } المعهودة وهي المدينة التي خرجوا منها قيل وتسمى الآن طرسوس وكان اسمها يوم خرجوا منها أفسوس ، وبهذا يجمع بين الروايتين السابقتين ، وكان هذا القول صدر منهم إعراضاً عن التعمق في البحث وإقبالاً على ما يهمهم بحسب الحال كما ينبئ عنه الفاء ، وذكر بعضهم أن ذلك من باب الأسلوب الحكيم كقوله :

أتت تشتكي عندي مزاولة القرى*** وقد رأت الضيفان ينحون منزلي

فقلت كأني ما سمعت كلامها*** هم الضيف جدي في قراهم وعجلي

{ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أزكى طَعَامًا } أي أحل فإن أهل المدينة كانوا في عهدهم يذبحون للطواغيت كما روى سعيد بن منصور وغيره عن ابن عباس ، وفي رواية أخرى أنهم كانوا يذبحون الخنازير ، وقال الضحاك : إن أكثر أموالهم كانت مغصوبة فأزكى من الزكاة وأصلها النمو والزيادة وهي تكون معنوية أخروية وحسية دنيوية وأريد بها الأولى لما في توخي الحلال من الثواب وحسن العاقبة ، وقال ابن السائب . ومقاتل : أي أطيب فإن كان بمعنى أحل لأنه يطلق عليه رجع إلى الأول وإن كان بمعناه المتبادر فالزيادة قيل حسية دنيوية ، وقال عكرمة : أي أكثر .

وقال يمان بن ريان : أي أرخص ، وقال قتادة : أي أجود وهو أجود ، وعليه وكذا على سابقيه على ما قيل تكون الزيادة حسية دنيوية أيضاً زعم بعضهم أنهم عنوا بالأزكى الأرز وقيل التمر وقيل الزبيب ، وحسن الظن بالفتية يقتضي أنهم تحروا الحلال ، والنظر يحتمل أن يكون من نظر القلب وأن يكون من نظر العين ، وأي استفهام مبتدأ و { أزكى } خبره والجملة معلق عنها الفعل للاستفهام .

وجوز أن يكون أي موصولاً مبنياً مفعولاً لينظر و { أزكى } خبر مبتدأ محذوف هو صدر الصلة وضمير أيها إما للمدينة والكلام على تقدير مضاف أي أي أهلها وإما للمدينة مراداً بها أهلها مجازاً ، وفي الكلام استخدام ولا حذف ، وإما لما يفهم من سياق الكلام كأنه قيل فلينظر أي الأطعمة أو المأكل أزكى طعاماً { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ } أي من ذلك الأزكى طعاماً فمن لابتداء الغاية أو التبعيض ، وقيل الضمير للورق فيكون من للبدل ، ثم إن الفتية إن لم يكن تحروا الحلال سابقاً فليكن مرادهم بالرزق هنا الحلال وإن لم يكن مختصاً به عندنا .

واستدل بالآية وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يعلم منه ما فيه على صحة الوكالة والنيابة . قال ابن العربي : وهي أقوى آية في ذلك وفيها كما قال الكيا دليل على جواز خلط دراهم الجماعة والشراء بها والأكل من الطعام الذي بينهم بالشركة وإن تفاوتوا في الأكل نعم لا بأس للأكول أن يزيد حصته من الدراهم { وَلْيَتَلَطَّفْ } أي وليتكلف اللطف في المعاملة كيلا تقع خصومة تجر إلى معرفته أو ليتكلف اللطف في الاستخفاء دخولاً وخروجاً ، وقيل ليتكلف ذلك كي لا يغبن فيكون قوله تعالى : { وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا } أي لا يفعلن ما يؤدي إلى شعور أحد من أهل المدينة بكم تأسيساً على هذا وهو على الأولين تأكيد للأمر بالتلطف وتفسيره بما ذكر من باب الكناية نحو لا أرينك ههنا وفسره الإمام بلا يخبرن بكم أحداً فهو على ظاهره ، وقرأ الحسن { وَلْيَتَلَطَّفْ } بكسر لام الأمر ، وعن قتيبة الميال { وَلْيَتَلَطَّفْ } بضم الياء مبنياً للمفعول . وقرأ هو وأبو صالح . ويزيد بن القعقاع { وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا } ببناء الفعل للفاعل ورفع أحد على أنه الفاعل .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وكذلك بعثناهم } رددناهم إلى الصحو بعد السكر { لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } لأنهم كانوا مستغرقين لا يعرفون اليوم من الأمس ولا يميزون القمر من الشمس ، وقيل : إنهم استقلوا أيام الوصال وهكذا شأن عشاق الجمال فسنة الوصل في سنتهم سنة وسنة الهجر سنة ، ويقال : مقام الحب مع الحبيب وإن طال قصير وزمان الاجتماع وإن كثر يسير إذ لا يقضي من الحبيب وطروان فني الدهر ومر ولا يكاد يعد المحب الليال إذا كان قرير العين بالوصال كما قيل :

أعد الليالي ليلة بعد ليلة*** وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا

ثم إنهم لما رجعوا من السكر إلى الصحو ومن الروحانية إلى البشرية طلبوا ما يعيش به الإنسان واستعملوا حقائق الطريقة وذلك قوله تعالى : { فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أزكى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ } والإشارة فيه أولاً : إلى أن اللائق بطالبي الله تعالى ترك السؤال ، ويرد به على المتشيخين الذين دينهم وديدنهم السؤال وليته كان من الحلال . وثانياً : إلى أن اللائق بهم أن لا يختص أحدهم بشيء دون صاحبه ألا ترى كيف قال قائلهم : { بِوَرِقِكُمْ هذه } فأضاف الورق إليهم جملة وقد كان فيما يروى فيهم الراعي ولعله لم يكن له ورق . وثالثاً : إلى أن اللائق بهم استعمال الورع ألا ترى كيف طلب القائل الأزكى وهو على ما في بعض الروايات الأحل ، ولذلك قال ذو النون : العارف من لا يطفيء نور معرفته نور ورعه ، والعجب أن رجلاً من المتشيخين كان يأخذ من بعض الظلمة دنانير مقطوعاً بحرمتها فقيل له في ذلك فقال : نعم هي جمرات ولكن تطفيء حرارة جوع السالكين ، ومع هذا وأمثاله له اليوم مرقد يطوف به من يزور وتوقد عليه السرج وتنذر له النذور ، ورابعاً : إلى أنه ينبغي لهم التواصي بحسن الخلق وجميل الرفق ألا ترى كيف قال قائلهم : { وَلْيَتَلَطَّفْ } بناء على أنه أمر بحسن المعاملة مع من يشتري منه .

وقال بعض أهل التأويل : إنه أمر باختيار اللطيف من الطعام لأنهم لم يأكلوا مدة فالكثيف يضر بأجسامهم ، وقيل : أرادوا اللطيف لأن أرواحهم من عالم القدس ولا يناسبها إلا اللطيف ، وعن يوسف بن الحسين أنه كان يقول : إذا اشتريت لأهل المعرفة شيئاً من الطعام فليكن لطيفاً وإذا اشتريت للزهاد والعباد فاشتر كلما تجد .

لأنهم بعد في تذليل أنفسهم ، وقال بعضهم : طعام أهل المجاهدات وأصحاب الرياضات ولباسهم الخشن من المؤكولات والملبوسات والذي بلغ المعرفة فلا يوافقه إلا كل لطيف ، ويروى عن الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره أنه كان في آخر أمره يلبس ناعماً ويأكل لطيفاً . وعندي أن التزام ذلك يخل بالكمال ، وما يروى عن الشيخ قدس سره وأمثاله إن صح يحتمل أن يكون أمراً اتفاقياً ، وعلى فرض أنه كان عن التزام يحتمل أنه كان لغرض شرعي وإلا فهو خلاف المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن كبار أصحابه رضي الله تعالى عنهم ، فقد بين في الكتب الصحيحة حالهم في المأكل والملبس وليس فيها ما يؤيد كلام يوسف بن الحسين وأضرابه والله تعالى أعلم { وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا } [ الكهف : 19 ] الأغيار المحجوبين عن مطالعة الأنوار والوقوف على الأسرار

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا} (19)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وكذلك}، يعني: وهكذا، {بعثناهم}، من نومهم فقاموا،

{ليتساءلوا بينهم}، ف {قال قائل منهم}... {كم لبثتم} رقودا،

{قالوا لبثنا يوما}، وكانوا دخلوا الغار غدوة، وبعثوا من آخر النهار، فمن ثم قالوا: {أو بعض يوم قالوا}... {ربكم أعلم بما لبثتم} في رقودكم منكم، فردوا العلم إلى الله عز وجل...

{فابعثوا أحدكم بورقكم}، يعني: الدراهم، {هذه} التي معكم،

{إلى المدينة}، فبعثوا... {فلينظر أيها أزكى طعاما}، يعني: أطيب طعاما، {فليأتكم برزق منه وليتلطف}، يعني: وليترفق حتى لا يفطن له،

{ولا يشعرن بكم أحدا}، يعني: ولا يعلمن بمكانكم أحدا، من الناس.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: كما أرقدنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وصول واصل إليهم، وعين ناظر أن ينظر إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلاء على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مرّ الأيام بقدرتنا، فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم، لنعرّفهم عظيم سلطاننا، وعجيب فعلنا في خلقنا، وليزدادوا بصيرة في أمرهم الذي هم عليه من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم لعبادة الله وحده لا شريك له، إذا تبيّنوا طول الزمان عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا. وقوله:"لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ" يقول: ليسأل بعضهم بعضا، "قالَ قائلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ "يقول عزّ ذكره: فتساءلوا فقال قائل منهم لأصحابه: "كَمْ لبثْتمْ" وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم، "قالُوا لَبِثْنا يَوْما أوْ بَعْضَ يَوْمٍ" يقول: فأجابه الآخرون فقالوا: "لَبِثْنا يوما أو بعض يوم" ظنا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الآخرون: "رَبّكُمْ أعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ" فسلّموا العلم إلى الله.

وقوله: "فابْعَثُوا أحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلى المَدِينَةِ" يعني مدينتهم التي خرجوا منها هِرابا... "فَلْيَنْظُرْ أيّها أزْكَى طَعاما فَلْيأَتِكُمْ بِرزْقٍ مِنْهُ" ذكر أنهم هبوا من رقدتهم جياعا، فلذلك طلبوا الطعام...

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: إن الله تعالى بعثهم من رقدتهم ليتساءلوا بينهم كما بيّنا قبل، لأن الله عزّ ذكره، كذلك أخبر عباده في كتابه، وإن الله أعثر عليهم القوم الذين أعثرهم عليهم، ليتحقق عندهم ببعث الله هؤلاء الفتية من رقدتهم بعد طول مدتها بهيئتهم يوم رقدوا، ولم يشيبوا على مرّ الأيام والليالي عليهم، ولم يهرَموا على كرّ الدهور والأزمان فيهم قدرته على بعث من أماته في الدنيا من قبره إلى موقف القيامة يوم القيامة، لأن الله عزّ ذكره بذلك أخبرنا، فقال: "وكذلكَ أعْثَرنْا عَلَيْهمْ لِيَعْلَمُوا أنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ وأنّ السّاعَة لا رَيْبَ فِيها"...

وأما قوله: "فَلْيَنْظُرْ أيّها أزْكَى طَعاما" فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله فقال بعضهم: معناه فلينظر أيّ أهل المدينة أكثر طعاما...

وقال آخرون: بل معناه: أيها أحلّ طعاما... وقال آخرون: بل معناه: أيها خير طعاما...

وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: أحلّ وأطهر، وذلك أنه لا معنى في اختيار الأكثر طعاما للشراء منه إلا بمعنى إذا كان أكثرهم طعاما كان خليقا أن يكون الأفضل منه عنده أوجد، وإذا شرط على المأمور الشراء من صاحب الأفضل، فقد أمر بشراء الجيد، كان ما عند المشتري ذلك منه قليلاً الجيد أو كثيرا... وقيل: "فَلْيَنْظُرْ أيّها" فأضيف إلى كناية المدينة، والمراد بها أهلها، لأن تأويل الكلام: فلينظر أيّ أهلها أزكى طعاما لمعرفة السامع بالمراد من الكلام. وقد يُحتمل أن يكونوا عنوا بقولهم أيّها أزْكَى طَعاما: أيها أحلّ، من أجل أنهم كانوا فارقوا قومهم وهم أهل أوثان، فلم يستجيزوا أكل ذبيحتهم.

وقوله: "فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ" يقول: فليأتكم بقوت منه تقتاتونه، وطعام تأكلونه...

وقوله: "وَلْيَتَلَطّفْ" يقول: وليترفق في شرائه ما يشتري، وفي طريقه ودخوله المدينة، "وَلا يُشْعِرَنّ بِكُمْ أحَدا" يقول: ولا يعلمنّ بكم أحدا من الناس.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وكذلك بعثناهم} وكما أنمناهم تلك النومة كذلك بعثناهم، إدكاراً بقدرته على الإنامة والبعث جميعاً ليسأل بعضهم بعضاً ويعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيعتبروا، ويستدلوا على عظم قدرة الله تعالى ويزدادوا يقيناً، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم وكرموا به.

{قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} جواب مبني على غالب الظن. وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذباً وإن جاز أن يكون خطأ. {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} إنكار عليهم من بعضهم، وأن الله أعلم بمدّة لبثهم، كأنّ هؤلاء قد علموا بالأدلة أو بإلهام من الله أنّ المدة متطاولة، وأنّ مقدارها مبهم لا يعلمه إلا الله...

فإن قلت: كيف وصلوا قولهم {فابعثوا} بتذاكر حديث المدة؟ قلت: كأنهم قالوا: ربكم أعلم بذلك، لا طريق لكم إلى علمه، فخذوا في شيء آخر مما يهمكم. والورق: الفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة... قالوا: وتزوّدهم ما كان معهم من الورق عند فرارهم دليل على أنّ حمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأي المتوكلين على الله، دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات {بَيْنَهُمْ} أيّ أهلها، فحذف الأهل كما في قوله {واسأل القرية} [يوسف: 82]، {أزكى طَعَامًا} أحلّ وأطيب وأكثر وأرخص {وَلْيَتَلَطَّفْ} وليتكلف اللطف والنيقة فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن. أو في أمر التخفي حتى لا يعرف {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} يعني: ولا يفعلنّ ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بنا، فسمى ذلك إشعاراً منه بهم؛ لأنه سبب فيه الضمير في {إِنَّهُمْ}.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

فإن قيل: هل يجوز أن يكون الغرض من بعثهم أن يتساءلوا ويتنازعوا؟ قلنا: لا يبعد ذلك لأنهم إذا تساءلوا انكشف لهم من قدرة الله تعالى أمور عجيبة وأحوال غريبة، وذلك الانكشاف أمر مطلوب لذاته...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{وكذلك} أي فعلنا بهم هذا من آياتنا من النوم وغيره، ومثل ما فعلناه بهم {بعثناهم} بما لنا من العظمة {ليتساءلوا} وأظهر بالافتعال إشارة إلى أنه في غاية الظهور. ولما كان المراد تساؤلا عن أخبار لا تعدوهم قال تعالى: {بينهم} أي عن أحوالهم في نومهم ويقظتهم فيزدادوا إيماناً، وثباتاً وإيقاناً، بما ينكشف لهم من الأمور العجيبة، والأحوال الغريبة فيعلم أنه لا علم لأحد غيرنا، ولا قدرة لأحد سوانا، وأن قدرتنا تامة، وعلمنا شامل، فليعلم ذلك من أنكر قدرتنا على البعث وسأل اليهود البعداء البغضاء عن نبيه الحبيب الذي أتاهم بالآيات، وأراهم البينات، فإن كانوا يستنصحون اليهود فليسألوهم عما قصصنا من هذه القصة، فإن اعترفوا به لزمهم جميعاً الإيمان والرجوع عن الغي والعدوان، وإن لم يؤمنوا علم قطعاً أنه لا يؤمن إلا من أردنا هدايته بالآيات البينات كأهل الكهف وغيرهم، لا بإنزال الآيات المقترحات.

ولما كان المقام مقتضياً لأن يقال: ما كان تساؤلهم؟ أجيب بقوله تعالى: {قال قائل منهم} مستفهماً من إخوانه: {كم لبثتم} نائمين في هذا الكهف من ليلة أو يوم، وهذا يدل على أن هذا القائل استشعر طول لبثهم بما رأى من هيئتهم أو لغير ذلك من الأمارات؛ ثم وصل به في ذلك الأسلوب أيضاً قوله تعالى: {قالوا لبثنا يوماً} ودل على أن هذا الجواب مبني على الظن بقوله دالاً حيث أقرهم عليه سبحانه على جواز الاجتهاد والقول بالظن المخطئ، وأنه لا يسمى كذباً وإن كان مخالفاً للواقع {أو بعض يوم} كما تظنون أنتم عند قيامكم من القبور إن لبثتم إلا قليلاً، لأنه لا فرق بين صديق وزنديق في الجهل بما غيبه الله تعالى: فكأنه قيل: على أي شيء استقر أمرهم في ذلك؟ فأجيب بأنهم ردوا الأمر إلى الله بقوله: {قالوا} أي قال بعضهم إنكاراً على أنفسهم ووافق الباقون بما عندهم من التحاب في الله والتوافق فيه فهم في الحقيقة إخوان الصفا وخلان الألفة والوفا {ربكم} المحسن إليكم {أعلم} أي من كل أحد {بما لبثتم فابعثوا} أي فتسبب عن إسناد العلم إلى الله تعالى أن يقال: اتركوا الخوض في هذا واشتغلوا بما ينفعكم بأن تبعثوا {أحدكم بورقكم} أي فضتكم {هذه} التي جمعتموها لمثل هذا {إلى المدينة} التي خرجتم منها وهي طرطوس ليأتينا بطعام فإنا جياع {فلينظر أيها} أي أي أهلها {أزكى} أي أطهر وأطيب {طعاماً فليأتكم} ذلك الأحد {برزق منه} لنأكل {وليتلطف} في التخفي بأمره حتى لا يتفطنوا له {ولا يشعرن} أي هذا المبعوث منكم في هذا الأمر {بكم أحداً} أن فطنوا له فقبضوا عليه، وإن المعنى: لا يقولن ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بكم فيكون قد أشعر بما كان منه من السبب، وفي قصتهم دليل على أن حمل المسافر ما يصلحه من المنفعة رأى المتوكلين لا المتآكلين المتكلين على الإنفاقات على ما في أوعية القوم من النفقات، وفيها صحة الوكالة...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} فردوا العلم إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلا، ولعل الله تعالى -بعد ذلك- أطلعهم على مدة لبثهم، لأنه بعثهم ليتساءلوا بينهم، وأخبر أنهم تساءلوا، وتكلموا بمبلغ ما عندهم، وصار آخر أمرهم، الاشتباه، فلا بد أن يكون قد أخبرهم يقينا، علمنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا يفعل ذلك عبثا. ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب علمها، وسعى لذلك ما أمكنه، فإن الله يوضح له ذلك، وبما ذكر فيما بعده من قوله. {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} فلولا أنه حصل العلم بحالهم، لم يكونوا دليلا على ما ذكر...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عطف لجزء من القصة الذي فيه عبرة لأهل الكهف بأنفسهم ليعلموا من أكرمهم الله به من حفظهم عن أن تنالهم أيدي أعدائهم بإهانة، ومن إعلامهم علم اليقين ببعض كيفية البعث، فإن علمه عظيم وقد قال إبراهيم {رب أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: 260].

والإشارة بقوله: {وكذلك} إلى المذكور من إنامتهم وكيفيتها، أي كما أنمناهم قروناً بعثناهم. ووجه الشبه: أن في الإفاقة آية على عظيم قدرة الله تعالى مثل آية الإنامة.

ويجوز أن يكون تشبيه البعث المذكور بنفسه للمبالغة في التعجيب كما تقدم في قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143].

وتقدم الكلام على معنى البعث في الآية المتقدمة، وفي حسن موقع لفظ البعث في هذه القصة، وفي التعليل من قوله: {ليتساءلوا} عند قوله: {ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى} [الكهف: 12]. والمعنى: بعثناهم فتساءلوا بينهم.

وجملة {قال قائل منهم} بيان لجملة {ليتساءلوا}. وسميت هذه المحاورة تساؤلاً لأنها تحاور عن تطلب كل رأيَ الآخر للوصول إلى تحقيق المدة. و الذين قالوا: {لبثنا يوماً أو بعض} هم مَن عدا الذي قال: {كم لبثتم}.

وأسند الجواب إلى ضمير جماعتهم: إما لأنهم تواطؤوا عليه، وإما على إرادة التوزيع، أي منهم من قال: لبثنا يوماً، ومنهم قال: لبثنا بعض يوم. وعلى هذا يجوز أن تكون (أو) للتقسيم في القول بدليل قوله بعد {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم}، أي لما اختلفوا رجعوا فعدلوا عن القول بالظن إلى تفويض العلم إلى الله تعالى، وذلك من كمال إيمانهم. فالقائلون {ربكم أعلم بما لبثتم} يجوز أن يكون جميعهم وهو الظاهر. ويجوز أن يكون قول بعضهم فأسند إليهم لأنهم رأوه صواباً.

وتفريع قولهم: {فابعثوا أحدكم} على قولهم: {ربكم أعلم بما لبثتم} لأنه في معنى فدَعُوا الخوض في مدة اللبث فلا يعلمها إلا الله وخذوا في شيء آخر مما يهمكم، وهو قريب من الأسلوب الحكيم. وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب تنبيهاً على أن غيره أولى بحاله، ولولا قولهم: {ربكم أعلم بما لبثتم} لكان قولهم: {فابعثوا أحدكم} عين الأسلوب الحكيم.

والوَرِق بفتح الواو وكسر الراءِ: الفضة... والإشارة بهذه إلى دَراهم معينة عندهم... و {أيها} ما صدقه أي مكان من المدينة، لأن المدينة كل له أجزاء كثيرة منها دكاكين الباعة، أي فلينظر أي مكان منها هو أزكى طعاماً، أي أزكى طعامُه من طعام غيره.

وانتصب {طعاماً} على التمييز لنسبة (أزكى) إلى (أي).

والأزكى: الأطْيب والأحسن، لأن الزّكْوَ الزيادة في الخير والنفع.

والرزق: القوت. وقد تقدم عند قوله تعالى: {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه} في سورة يوسف (37)، والفاء لتفريع أمرهم مَن يبعثونه بأن يأتي بطعام زكي وبأن يتلطف.

وصيغة الأمر في قوله: {فليأتكم} و {ليتلطف} أمر لأحدٍ غير معين سيوكَلونه، أي أن تبعثوه يأتكم برزق، ويجوز أن يكون المأمور معيناً بينهم وإنما الإجمال في حكاية كلامهم لا في الكلام المحكي. وعلى الوجهين فهم مأمورون بأن يوصوه بذلك...

والإشعار: الإعلام، وهو إفعال من شَعَر من باب نصر وكَرُم شُعوراً، أي علم. فالهمزة للتعدية مثل همزة أعلم} من علم الذي هو عِلم العرفان يتعدى إلى واحد...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وهذه وقفة المشدوه حين يسأل عن زمن لا يدري مدته، إنه طويل عند الله إنما قصير عنده، وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة: {قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس.. "259 "} (سورة البقرة): لقد حكم على مدة لبثه بيوم أو بعض يوم؛ لأنه وجد نفسه على الحال التي عهدها لم يتغير منه شيء، فكيف يتأتى الصدق من الحق سبحانه في قوله (مائة عام) والصدق في قول العزير بيوم أو بعض يوم؟ لاشك أننا أمام آية من آيات الخالق سبحانه، ومعجزة من معجزاته لا يقدر عليها إلا المالك للزمان والمكان، القابض للزمان ليوم أو بعض يوم، الباسط له إلى مائة عام. لذلك أظهر الخالق سبحانه في هذه المعجزة الدليل على صدق القولين: ففي طعام العزير الذي ظل على حاله طازجاً لم يتغير دليل على يوم أو بعض يوم، وفي حماره الذي رآه عظاماً بالية دليل على المائة عام، فسبحان الذي يجمع الشيء وضده في آن واحد. ثم يقول تعالى حكاية عنهم: {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم}: وهو قول الجماعة الذين أرادوا إنهاء الخلاف في هذه المسألة، فقالوا لإخوانهم: دعونا من هذه القضية التي لا تفيد، واتركوا أمرها لله تعالى. ودائماً يأمرنا الحق سبحانه بأن ننقل الجدل من شيء لا ننتهي فيه إلى شيء، ونحوله للأمر المثمر النافع؛ لذلك قالوا: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا}. والورق يعني العملة من الفضة، فأرادوا أن يرسلوا أحدهم بما معهم من النقود ليشتري لهم من المدينة طعاماً؛ لأنهم بمجرد أن استيقظوا انتهت حالتهم الاستثنائية، وعادوا إلى طبيعتهم؛ لذلك طلبوا الطعام، لكن نلحظ هنا أن الجوع لم يحملهم على طلب مطلق الطعام، بل تراهم حريصين على تزكية طعامهم واختيار أطيبه وأطهره، وأبعده عن الحرام. وكذلك لم يفتهم أن يكونوا على حذر من قومهم، فمن سيذهب منهم إلى هذه المهمة عليه أن يدخل المدينة خلسة، وأن يتلطف في الأمر حتى لا يشعر به أحد من القوم، ذلك لأنهم استيقظوا على الحالة التي ناموا عليها، ومازالوا على حذر من قومهم يظنون أنهم يتتبعونهم ويبحثون عنهم، ويسعون للقضاء عليهم.