روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

{ إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره : نزلت في اليهود لما ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه بالعنكبوت والذباب وغير ذلك مما يستحقر قالوا : إن الله تعالى أعز وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه المحقرات فرد الله تعالى عليهم بهذه الآية . ووجه ربطها بما تقدم على هذا وكان المناسب عليه أن توضع في سورة العنكبوت مثلاً أنها جواب عن شبهة تورد على إقامة الحجة على حقية القرآن بأنه معجز فهي من الريب الذي هو في غاية الاضمحلال فكان ذكرها هنا أنسب ، وقال مجاهد وغيره : نزلت في المنافقين قالوا لما ضرب الله سبحانه المثل بالمستوقد والصيب الله تعالى أعلى وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء التي لا بال لها فرد الله تعالى عليهم ووجه الربط عليه ظاهر فإنها للذب عن التمثيلات السابقة على أحسن وجه وأبلغه ، وقيل : إنها متصلة بقوله تعالى : { فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } [ البقرة : 22 ] أي : لا يستحي أن يضرب مثلاً لهذه الأنداد ، وقيل : هذا مثل ضرب للدنيا وأهلها فإن البعوضة تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت ، كذلك أهل الدنيا إذا امتلؤوا منها هلكوا ، أو مثل لأعمال العباد وأنه لا يمتنع أن يذكر منها ما قل أو كثر ليجازى عليه ثواباً وعقاباً ، وعلى هذين القولين لا ارتباط للآية بما قبلها بل هي ابتداء كلام ، وهذا وإن جاز لا أقول به إذ المناسب بكل آية أن ترتبط بما قبلها وفي الآية إشارة إلى حسن التمثيل كيف والله سبحانه مع عظمته وبالغ حكمته لم يتركه ولم يستح منه :

*وما انفكت الأمثال في الناس سائرة *

والحياء كما قال الراغب انقباض النفس عن القبائح ، وهو مركب من جبن وعفة ، وليس هو الخجل بل ذاك حيرة النفس لفرط الحياء فهما متغايران وإن تلازما ، وقال بعضهم : الخجل لا يكون إلا بعد صدور أمر زائد لا يريده القائم به بخلاف الحياء فإنه قد يكون مما لم يقع فيترك لأجله ، وما في «القاموس » خجل استحى تسامح ، وهو مشتق من الحياة لأنه يؤثر في القوة المختصة بالحيوان وهي قوة الحس والحركة ، والآية تشعر بصحة نسبة الحياء إليه تعالى لأنه في العرف لا يسلب الحياء إلا عمن هو شأنه ، على أن النفي داخل على كلام فيه قيد فيرجع إلى القيد فيفيد ثبوت أصل الفعل أو إمكانه لا أقل ، وأما في الأحاديث فقد صرح بالنسبة وللناس في ذلك مذهبان فبعض يقول بالتأويل إذ الانقباض النفساني مما لا يحوم حول حظائر قدسه سبحانه ، فالمراد بالحياء عنده الترك اللازم للانقباض ، وجوّز جعل ما هنا بخصوصه من باب المقابلة لما وقع في كلام الكفرة بناءً على ما روي أنهم قالوا : ما يستحي رب محمد أن يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت ، وبعض وأنا والحمد لله منهم لا يقول بالتأويل بل يمر هذا وأمثاله مما جاء عنه سبحانه في الآيات والأحاديث على ما جاءت ويكل علمها بعد التنزيه عما في الشاهد إلى عالم الغيب والشهادة ، وقرأ الجمهور ( يستحيي ) بياءين والماضي استحيا ، وجاء استفعل هنا للإغناء عن الثلاثي المجرد كاستأثر ، وقرأ ابن كثير في رواية وقليلون بياء واحدة وهي لغة بني تميم ، وهل المحذوف اللام فالوزن يستفع ، أو العين فالوزن يستفل ؟ قولان : أشهرهما الثاني ، وهذا الفعل مما يكون متعدياً بنفسه وبالحرف فيقال : استحييته واستحيت منه ، والآية تحتملهما .

والضرب إيقاع شيء على شيء ، وضرب المثل من ضرب الدراهم وهو ذكر شيء يظهر أثره في غيره ، فمعنى يضرب هنا يذكر ، وقيل : يبين ، وقيل : يضع من { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة } [ البقرة : 1 6 ] و( ما ) اسم بمعنى شيء يوصف به النكرة لمزيد الإبهام ويسد طرق التقييد ، وقد يفيد التحقير أيضاً كأعطه شيئاً ما ، والتعظيم كلأمر ما جدع قصير أنفسه ، والتنويع كاضربه ضرباً ما ، وقد تجعل سيف خطيب ، والقرآن أجل من أن يلغى فيه شيء .

وبعوضة إما صفة لما أو بدل منها أو عطف بيان إن قيل بجوازه في النكرات أو بدل من { مَثَلاً } أو عطف بيان له إن قيل ما زائدة ، أو مفعول و{ مَثَلاً } حال وهي المقصودة ، أو منصوب على نزع الخافض أي : ما من بعوضة فما فوقها كما نقل عن الفراء . والفاء بمعنى إلى ، أو مفعول ثان ؛ أو أول بناء على تضمن الضرب معنى الجعل ، ولا يرد على إرادة العموم أن مثال المعنى على المشهور أن الله لا يترك أي مثل كان فيقتضي أن جميع الأمثال مضروبة في كلامه فأين هي لأن المنفي ليس مطلق الترك بل الترك لأجل الاستحياء ؟ فالمعنى لا يترك مثلاً ما استحياء وإن تركه لأمر آخر أراده ، وقرأ ابن أبي عبلة وجماعة : ( بعوضة ) بالرفع والشائع على أنه خبر ، واختلفوا فيما يكون عنه خبراً ؛ فقيل : مبتدأ محذوف أي هي أو هو بعوضة ، والجملة صلة ( ما ) على جعلها موصولة ، وهو تخريج كوفي لحذف صدر الصلة من غير طول ، وقيل : ( ما ) بناءً على أنها استفهامية مبتدأ ، واختار في «البحر » أن تكون ( ما ) صلة أو صفة وهي ( بعوضة ) جملة كالتفسير لما انطوى عليه الكلام ، وقيل : { بَعُوضَةً } مبتدأ ، و{ مَا } نافية والخبر محذوف أي متروكة لدلالة { لاَ يَسْتَحْي } عليه .

والبعوضة واحد البعوض ، وهو طائر معروف ، وفيه من دقيق الصنع وعجيب الإبداع ما يعجز الإنسان أن يحيط بوصفه ولا ينكر ذلك إلا نمرود .

وهو في الأصل صفة على فعول كالقطوع ، ولذا سمي في لغة هذيل خموش فغلبت ، واشتقاقه من البعض بمعنى القطع { فَمَا فَوْقَهَا } الفاء عاطفة ترتيبية ، و{ مَا } عطف على { بَعُوضَةً } أو { مَا } إن جعل اسماً والتفصيل وما فيه غير خفي . والمراد بالفوقية إما الزيادة في حجم الممثل به فهو ترق من الصغير للكبير وبه قال ابن عباس أو الزيادة في المعنى الذي وقع التمثيل فيه وهو الصغر والحقارة فهو تنزل من الحقير للأحقر ، وهذان الوجهان على القراءة المشهورة وأما على قراءة الرفع فقد قالوا : إن جعلت { مَا } موصولة ففيه الوجهان ، وإن جعلت استفهامية تعين الأول لأن العظم مبتدأ من البعوضة إذ ذاك ، وقيل : أراد : ما فوقها وما دونها فاكتفى بأحد الشيئين عن الآخر على حد { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 1 8 ] فافهم .

{ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ } تفصيل لما أشار إليه قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يستحيي } الخ من أنه وقع فيه ارتياب بين التحقيق والارتياب ، أو لما يترتب على ضرب المثل من الحكم إثر تحقيق حقية صدوره عنه سبحانه ، والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يشير إليه ما قبلها ، وكأنه قيل كما قيل فيضربه { مُّبِيناً فَأَمَّا الذين } الخ ، وتقديم بيان حال المؤمنين لشرفه ، وأما على ما عليه المحققون حرف متضمنة لمعنى الشرط ولذا لزمتها الفاء غالباً ، وتفيد مع هذا تأكيد ما دخلت عليه من الحكم ؛ وتكون لتفصيل مجمل تقدمها صريحاً ، أو دلالة ، أو لم يتقدم لكنه حاضر في الذهن ولو تقديراً ، ولما كان هذا خلاف الظاهر في كثير من موارد استعمالها جعله الرضي والمرتضى من المحققين أغلبياً ، وفسر سيبويه أما زيد فذاهب بمهما يكن من شيء فزيد ذاهب وليس المراد به أنها مرادفة لذلك الاسم ، والفعل إذ لا نظير له ، بل المراد أنها لما أفادت التأكيد وتحتم الوقوع في المستقبل كان مآل المعنى ذلك ، ولما أشعرت بالشرطية قدر شرط يدل على تحتم الوقوع وهو وجود شيء ما في الدنيا إذ لا تخلو عنه فما علق عليه محقق ، وحيث كان المعنى ما ذكر سيبويه . ومهما مبتدأ والاسمية لازمة له ، ويكن فعل شرط والفاء لازمة تليه غالباً ، وقامت أما ذلك المقام لزمها الفاء ولصوق الاسم إقامة لللازم مقام الملزوم وإبقاء لأثره في الجملة ، وكان الأصل دخول الفاء على الجملة فيما ذكر لأنها الجزاء لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط فأدخلوا الخبر وعوضوا المبتدأ عن الشرط لفظاً ، وقد يقدم على الفاء كما في الرضي من أجزاء الجزاء المفعول به والظرف والحال إلى غير ذلك مما عدوه على ما فيه ، وفي تصدير الجملتين بها من الإحماد والذمّ ما لا يخفى .

والمراد بالموصول فريق المؤمنين المعهودين كما أن المراد بالموصول الآتي فريق الكفرة الطاغين لا من يؤمن بضرب المثل ومن يكفر به لاختلال المعنى ، والضمير في { أَنَّهُ } للمثل وهو أقرب ، أو لضربه المفهوم من أن يضرب ، وقيل : لترك الاستحياء المنقدح مما مر ، وقيل : للقرآن ، والحق خلاف الباطل ، وهو في الأصل مصدر حق يحق من بابي ضرب وقتل إذا وجب أو ثبت ، وقال الراغب : أصله المطابقة والموافقة ، ويكون بمعنى الموجد بحسب الحكمة والموجد على وفقها والاعتقاد المطابق للواقع ، وقيل : إنه الحكم المطابق ، ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتماله على ذلك ، ولم يفرق في المشهور بينه وبين الصدق إلا أنه شاع في العقد المطابق ، والصدق في القول كذلك ، وقد يفرق بينها بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع وفي الصدق من جانب الحكم ، وتعريفه هنا إما للقصر الادعائي كما يقال هذا هو الحق أو لدعوى الاتحاد ويكون المحكوم عليه مسلم الاتصاف ، و{ مّن رَّبّهِمُ } إما خبر بعد خبر أو حال من ضمير الحق ، و{ مِنْ } لابتداء الغاية المجازية ، والتعرض لعنوان الربوبية للإشارة إلى أنهم يعترفون بحقية القرآن وبما أنعم الله تعالى به عليهم من النعم التي من أجلها نزول هذا الكتاب وهو المناسب لقوله سبحانه : { نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } [ البقرة : 3 2 ] وأما الكفرة المنكرون لجلاله المتخذون غيره من الأرباب فالله عز اسمه هو المناسب لحالهم { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } [ آل عمران : 8 2 ] وقيل : في ذلك مع الإضافة إلى الضمير تشريف وإيذان بأن ضرب المثل تربية لهم وإرشاد إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم ، والجملة سادّة مسدّ مفعولي يعلمون عند الجمهور ، ومسد الأول والثاني محذوف عند الأخفش أي { فَيَعْلَمُونَ } حقيته ثابتة .

{ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً } لم يقل سبحانه وأما الذين كفروا فلا يعلمون ليقابل سابقه لما في هذا من المبالغة في ذمهم والتنبيه بأحسن وجه على كمال جهلهم لأن الاستفهام إما لعدم العلم أو للإنكار وكل منهما يدل على الجهل دلالة واضحة .

ومن قال للمسك أين الشذا *** يكذبه ريحه الطيب

قيل : ولم يقل سبحانه هناك وأما الذين آمنوا فيقولون الخ إشارة إلى أن المؤمنين اكتفوا بالخضوع والطاعة من غير حاجة إلى التكلم والكافرون لخبثهم وعنادهم لا يطيقون الأسرار لأنه كإخفاء الجمر في الحلفاء ، وقيل : إن يقولون لا يدل صريحاً على العلم وهو المقصود والكافرون منهم الجاهل والمعاند { فَيَقُولُونَ } الخ أشمل وأجمع ، و{ مَاذَا } لها ستة أوجه في استعمالهم . الأول : أن تكون ( ما ) استفهامية في موضع رفع بالابتداء ، و( ذا ) بمعنى الذي خبره ، وأخبر عن المعرفة بالنكرة هنا بناءً على مذهب سيبويه في جوازه في أسماء الاستفهام .

وغيره يجعل النكرة خبراً عن الموصول . الثاني : أن تكون ( ماذا ) كلها استفهاماً مفعولاً لأراد وهذان الوجهان فصيحان اعتبرهما سائر المفسرين والمعربين في الآية ، والاستفهام يحتمل الاستغراب والاستبعاد والاستهزاء { ظلمات بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } [ النور : 04 ] ، الثالث : أن يجعل ( ما ) استفهامية ، و( ذا ) صلة لا إشارة ولا موصولة ، الرابع : أن يجعلا معاً موصولاً كقوله :

*دعي ( ماذا ) علمت سأتقيه*

الخامس : أن يجعلا نكرة موصوفة ، وقد جوز في المثال ، السادس : أن تكون ( ما ) استفهامية ، و( ذا ) اسم إشارة خبر له .

والإرادة كما قاله الراغب : منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء وهي في الأصل قوة مركبة من شهوة وخاطر وأمل ، وجعل اسماً لنزوغ النفس إلى الشيء مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل ، ثم يستعمل مرة في المبدأ وهو نزوغ النفس إلى الشيء وتارة في المنتهى وهو الحكم فيه بأنه ينبغي الخ ، وإرادة المعنى من اللفظ مجرد القصد وهو استعمال آخر ولسنا بصدده ، وبين الإرادة والشهوة عموم من وجه لأنها قد تتعلق بنفسها بخلاف الشهوة فإنها إنما تتعلق باللذات ، والإنسان قد يريد الدواء البشع ولا يشتهيه ويشتهي اللذيذ ولا يريده إذا علم فيه هلاكه وقد يشتهي ويريد . وللمتكلمين أهل الحق وغيرهم في تفسيرها مذاهب ، فالكلبي والنجار وغيرهما على/ أن إرادته سبحانه لأفعاله أنه يفعلها عالماً بها وبما فيها من المصلحة ، ولأفعال غيره أنه أمر بها وطلبها ، فالمعاصي إذاً ليست بإرادته جل شأنه ، ونحو ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وارد عليهم ؛ والجاحظ وبعض المعتزلة والحكماء على أن إرادته تعالى شأنه علمه بجميع الموجودات من الأزل إلى الأبد وبأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على الوجه الأكمل ، ويكفيه صدوره عنه حتى يكون الموجود على وفق المعلوم على أحسن النظام من غير قصد وطلب شوقي ، ويسمون هذا العلم عناية ، وذهب الكرامية وأبو علي وأبو هاشم إلى أنها صفة زائدة على العلم إلا أنها حادثة قائمة بذاته عز شأنه عند الكرامية ، وموجودة لا في محل عند الأبوين ، والمذهب الحق أنها ذاتية قديمة وجودية زائدة على العلم ومغايرة له وللقدرة ، مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع ، وكونها نفس الترجيح الذي هو من صفات الأفعال كما قال البيضاوي عفا الله تعالى عنه لم يذهب إليه أحد . وفي كلمة ( هذا ) استحقار للمشار إليه مثلها في : { أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً } [ الفرقان : 1 4 ] وقد تكون للتعظيم بحسب اقتضاء المقام ، و{ مَثَلاً } نصب على التمييز عن نسبة الاستغراب ونحوه إلى المشار إليه . وقد ذكر الرضي والعهدة عليه أن الضمير واسم الإشارة إذا كانا مبهمين يجيء التمييز عنهما والعامل هما لتماميهما بنفسهما حيث يمتنع إضافتهما ، وإذا كانا معلومين فالتمييز عن النسبة ، ويحتمل أن يكون حالاً من اسم الله تعالى أو من ( هذا ) أي ممثلاً أو ممثلاً به أو بضربه .

{ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } جملتان جاريتان مجرى البيان ، والتفسير للجملتين المصدرتين بأما إذ يشتملان على أن كلا الفريقين موصوف بالكثرة وعلى أن العلم بكونه حقاً من الهدى الذي يزداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم ، والجهل بموقعه من الضلالة التي يزداد بها الجهال خبطاً في ظلمتهم ، وهاتان يزيدان ما تضمنتاه وضوحاً أو أنهما جواب لدفع ما يزعمونه من عدم الفائدة في ضرب الأمثال بالمحقرات ببيان أنه مشتمل على حكمة جليلة وغاية جميلة هي كونه وسيلة إلى هداية المستعدين للهداية وإضلال المنهمكين في الغواية ، وصرح بعضهم بأنهما جواب لماذا ووضع الفعلان موضع المصدر للإشعار بالاستمرار التجددي والمضارع يستعمل له كثيراً ، ففي التعبير به هنا إشارة إلى أن الإضلال والهداية لا يزالان يتجددان ما تجدد الزمان ، قيل : ووضعهما موضع الفعل الواقع في الاستفهام مبالغة في الدلالة على تحققهما فإن أرادتهما دون وقوعهما بالفعل وتجافياً عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك الإرادة لإيهامه تساويهما في التعلق وليس كذلك ، فإن المراد بالذات من ضرب المثل هو التذكير والاهتداء كما يشير إليه قوله تعالى : { وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ الحشر : 1 2 ] وأما الإضلال فعارض مترتب على سوء الاختيار ، وقدم في النظم الإضلال على الهداية مع سبق الرحمة على الغضب ، وتقدمها بالرتبة والشرف لأن قولهم ناشئ من الضلال مع أن كون ما في القرآن سبباً له أحوج للبيان لأن سببيته للهدى في غاية الظهور ، فالاهتمام ببيانه أولى ، ووصف كل من القبيلتين بالكثرة بالنظر إلى أنفسهم وإلا فالمهتدون قليلون بالنسبة إلى أهل الضلال وبعيد حمل كثرة المهتدين على الكثرة المعنوية بجعل كثرة الخصائص اللطيفة بمنزلة كثرة الذوات الشريفة كما قيل :

ولم أر أمثال الرجال تفاوتت *** لدى المجد حتى عد ألف بواحد

لا سيما وقد ذكر معها الكثرة الحقيقية ، هذا وجوّز بعضهم أن يكون قوله تعالى : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } الخ في موضع الصفة لمثل فهو من كلام الكفار ، ولعله من باب المماشاة مع المؤمنين إذ هم ليسوا بمعترفين بأن هذا المثل يضل الله به كثيراً ويهدي به كثيراً وأغرب من هذا تجويز ابن عطية أن يكون { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } من كلام/ الكفار وما بعده من كلام الله تعالى وهو إلباس في التركيب وعدول عن الظاهر من غير دليل ، وإسناد الإضلال إليه تعالى حقيقي وقد تقدم وجهه فلا التفات إلى ما في «الكشاف » لأنه نزغة اعتزالية ، والضمير في { بِهِ } للمثل أو لضربه في الموضعين ، وقيل : في الأول للتكذيب ، وفي الثاني للتصديق ودل على ذلك قوة الكلام ، ولا يخفى ضعفه ، وقرأ زيد بن علي : { يُضِلَّ } هنا وفيما يأتي و{ يَهْدِى } بالبناء للمفعول وابن أبي عبلة في الثلاثة بالبناء للفاعل ، ورفعاً للفاسقين خفضهم الله تعالى { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } تذييل أو اعتراض في آخر الكلام بناءً على قول من جوّزه ، وقيل : حال ، ومنع الساليكوتي عطفه على ما قبله قائلاً لأنه لا يصح كونه جواباً وبياناً ، وأجازه بعضهم تكملة للجواب وزيادة تعيين لمن أريد إضلالهم ببيان صفاتهم القبيحة المستتبعة له وإشارة إلى أن ذلك ليس إضلالاً ابتدائياً بل هو تثبيت على ما كانوا عليه من فنون الضلال وزيادة فيه ، و( الفاسقين ) جمع فاسق من الفسق ، وهو شرعاً خروج العقلاء عن الطاعة فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة .

واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادراً بقرينة ، وهو من قولهم : فسق الرطب إذا خرج من قشره ، قال ابن الأعرابي : ولم يسمع الفسق وصفاً للإنسان في كلام العرب ، ولعله أراد في كلام الجاهلية كما صرح به ابن الأنباري ، وإلا فقد قال رؤبة ، وهو شاعر إسلامي يستدل بكلامه :

يذهبن في نجد وغور أغائرا *** ( فواسقا ) عن قصدها جوائرا

على أنه يمكن أن يقال : لم يخرج الفسق في البيت عن الوضع لأنه وضعا خروج الإجرام وبروز الأجسام من غير العقلاء وما فيه خروج الإبل وهي لا تعقل . والمراد بالفاسقين هنا الخارجون عن حدود الإيمان وتخصيص الإضلال بهم مرتباً على صفة الفسق وما أجرى عليهم من القبائح للإيذان بأن ذلك هو الذي أعدهم للإضلال وأدى بهم إلى الضلال فإن كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم على الباطل صرفت وجوه أنظارهم عن التدبر والتأمل حتى رسخت جهالتهم وازدادت ضلالتهم فأنكروا وقالوا ما قالوا ، ونصب { الفاسقين } على أنه مفعول { يُضِلُّ } أو على الاستثناء والمفعول محذوف أي أحداً ، ولا تفريغ كما في قوله :

نجا سالم والنفس منه بشدة *** ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا

ومنع ذلك أبو البقاء ولعله محجوج بالبيت .

{ الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه } يحتمل النصب والرفع ، والأول إما على الاتباع أو القطع أي أذمّ والثاني إما على الثاني من احتمالي الأول أو على الابتداء ، والخبر جملة { أولئك هُمُ الخاسرون } وعلى هذا تكون الجملة كأنها كلام مستأنف لا تعلق لها إلا على بعد . والنقض فسخ التركيب ، وأصله يكون في الحبل ونقيضه الإبرام وفي الحائط ونحوه ، ونقيضه البناء . وشاع استعمال النقض في إبطال العهد كما قال الزمخشري من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين ، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرمزوا بذكر شيء من روادفه فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه نحو قولك : عالم يغترف منه الناس ، وشجاع يفترس أقرانه .

والحاصل أن في الآية استعارة بالكناية ، والنقض استعارة تحقيقية تصريحية حيث شبه إبطال العهد بإبطال/ تأليف الجسم ، وأطلق اسم المشبه به على المشبه لكنها إنما جازت وحسنت بعد اعتبار تشبيه العهد بالحبل ، فبهذا الاعتبار صارت قرينة على استعارة الحبل للعهد ، ومن هنا يظهر أن الاستعارة المكنية قد توجد بدون التخييلية وأن قرينتها قد تكون تحقيقية ، وتحقيق البحث يطلب من محله ، والعهد الموثق ، وعهد إليه في كذا إذا أوصاه ووثقه عليه ، واستعهد منه إذا اشترط عليه ، واستوثق منه . والمراد بالعهد ههنا إما العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده تعالى الدالة على وجوده ووحدته وصدق رسله صلى الله عليه وسلم ، وفي نقضها لهم ما لا يخفى من الذمّ لأنهم نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكداً لها ، والناقضون على هذا جميع الكفار . وأما المأخوذ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره . وذكره في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه . والناقضون حينئذٍ أهل الكتاب والمنافقون منهم حيث نبذوا كل ذلك وراء ظهورهم وبدلوا تبديلاً ، والنقض على هذا عند بعضهم أشنع منه على الأول ، وعكس بعض ولكل وجهة وقيل : الأمانة التي حملها الإنسان بعد إباء السموات والأرض عن أن يحملنها ، وقيل : هو ما أخذ على بني إسرائيل من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم ، إلى غير ذلك من الأقوال وهي مبنية على الاختلاف في سبب النزول والظاهر العموم . و{ مِنْ } للابتداء وكون المجرور بها موضعاً انفصل عنه الشيء وخرج ، وتدل على أن النقض حصل عقيب توثق العهد من غير فصل ، وفيه إرشاد إلى عدم اكتراثهم بالعهد فأثر ما استوثق الله تعالى منهم نقضوه وقيل : صلة وهو بعيد .

والميثاق مفعال وهو في الصفات كثير كمنحار ويكون مصدراً عند أبي البقاء والزمخشري كميعاد بمعنى الوعد ، وأنكره جماعة وقالوا : هو اسم في موضع المصدر كما في قوله :

أكفراً بعد رد الموت عني *** وبعد ( عطاءك ) المائة الرتاعا

ويكون اسم آلة كمحراث ولم يشع هذا وليس بالبعيد ، والمراد به ما وثق الله تعالى به عهده من الآيات والكتب ، أو ما وثقوه به من القبول والالتزام ، والضمير للعهد لأنه المحدث عنه . ويجوز عوده إلى الله تعالى ولم يجوزه الساليكوتي لأن المعنى لا يتم بدون اعتبار العهد فهو أهم من ذكر الفاعل ، ولأن الرجوع إلى المضاف خلاف الأصل ، وأفهم كلام أبي البقاء أن الميثاق هنا مصدر بمعنى التوثقة ، وفي الضمير الاحتمالان فإن عاد إلى اسم الله تعالى كان المصدر مضافاً إلى الفاعل ، وإن إلى العهد كان مضافاً إلى المفعول . وحديث الرجوع إلى المضاف خصه بعض المحققين في غير الإضافة اللفظية ، وأما فيها فمطرد كثير ، وما نحن فيه كذلك لأنه مصدر أو مؤول بمشتق فيكون كقولك أعجبني ضرب زيد وهو قائم ، والوجه أنها في نية الانفصال .

{ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } { مَا } المقطوعة موصولة ، أو نكرة موصوفة عند أبي البقاء ، وفي المراد بها أقوال : الأول : رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعوه بالتكذيب والعصيان قاله الحسن وفيه استعمال ( ما ) لمن يعقل بل سيد العقلاء بل العقل والثاني : القول فإنه تعالى أمر أن يوصل بالعمل فلم يصلوه ولم يعملوا ، وظاهر أنها نزلت في المنافقين الثالث : التصديق بالأنبياء أمروا بوصله فقطعوه بتكذيب بعض وتصديق بعض الرابع : الرحم والقرابة قاله قتادة ، وظاهره أنه أراد كفار قريش وأشباههم الخامس : الأمر الشامل لما ذكر مما يوجب قطعه قطع الوصلة بين الله تعالى وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل ، ولعل هذا هو الأوجه لأن فيه حمل اللفظ على مدلولهن العموم ولا دليل واضح على الخصوص . ورجح بعضهم ما قبله بأن الظاهر أن هذا توصيف للفاسقين بأنهم يضيعون حق الخلق بعد وصفهم بتضييع حق الحق سبحانه ، وتضييع حقه بنقض عهده وحق خلقه بتقطيع أرحامهم وليس بالقوي . والأمر القول الطالب للفعل مع علو عند المعتزلة أو استعلاء عند أبي الحسين ، ويفسدهما ظاهر قوله تعالى حكاية عن فرعون : { مَاذَا تَأْمُرُونَ } [ الأعراف : 0 11 ] ويطلق على التكلم بالصيغة وعلى نفسها ، وفي موجبها خلاف ، وهذا هو الأمر الطلبي . وقد نقل إلى الأمر الذي يصدر عن الشخص لأنه يصدر عن داعية تشبه الأمر فكأنه مأمور به أو لأنه من شأنه أن يؤمر به كما سمي الخطب والحال العظيمة شأناً . وهو مصدر في الأصل بمعنى القصد ، وسمي به ذلك لأن من شأنه أن يقصد . وذهب الفقهاء إلى أن الأمر مشترك بين القول والفعل لأنه يطلق عليه مثل { وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } [ هود : 79 ] . و{ أَن يُوصَلَ } يحتمل النصب والخفض على أنه بدل من { مَا } أو من ضميره ، والثاني : أولى للقرب ولأن قطع ما أمر الله تعالى بوصله أبلغ من قطع وصل ما أمر الله تعالى به نفسه ، واحتمال الرفع بتقدير هو أو النصب بالبدلية من محل المجرور أو بنزع الخافض أو أنه مفعول لأجله أي لأن أو كراهية أن ليس بشيء كما لا يخفى .

{ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض أولئك هُمُ الخاسرون } إفسادهم باستدعائهم إلى الكفر والترغيب فيه وحمل الناس عليه أو بإخافتهم السبل وقطعهم الطرق على من يريد الهجرة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أو بأنهم يرتكبون كل معية يتعدى ضررها ويطير في الآفاق شررها ولعل هذا أولى . وذكر في ( الأرض ) إشارة إلى أن المراد فساد يتعدى دون ما يقف عليهم . و{ أولئك } إشارة إلى { الفاسقين } [ البقرة : 26 ] باعتبار ما فصل من صفاتهم القبيحة ، وفيه رمز إلى أنهم في المرتبة البعيدة من الذم وحصر الخاسرين عليهم باعتبار كمالهم في الخسران حيث أهملوا العقل عن النظر ولم يقنصوا المعرفة المفيدة للحياة الأبدية والمسرة السرمدية ، واشتروا النقض بالوفاء ، والفساد بالصلاح ، والقطيعة بالصلة ، والثواب بالعقاب فضاع منهم الطلبتان : رأس المال والربح ، وحصل لهم الضرر الجسيم وهذا هو الخسران العظيم . وفي الآية ترشيح( {[151]} ) للاستعارة المقدرة التي تتضمنها الآيات السابقة فافهم .


[151]:_ لأن الخسران من لوازم التجارة، والآيات تتضمن استبدال الأمور المذكورة بنقائضها المستعار له البيع والشراء اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا} وذلك أن الله عز وجل ذكر العنكبوت والذباب في القرآن، فضحكت اليهود، وقالت: ما يشبه هذا من الأمثال! فقال سبحانه:

{إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا}، يعني أن الله عز وجل لا يمنعه الحياء أن يصف للخلق مثلا.

{ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا}، يعني يصدقون بالقرآن، {فيعلمون أنه}، أي هذا المثل هو {الحق من ربهم وأما الذين كفروا} بالقرآن، يعني اليهود، {فيقولون ماذا أراد الله بهذا} الذي ذكر {مثلا}، إنما يقوله محمد من تلقاء نفسه وليس من الله، فأنزل الله عز وجل: {يضل به}، أي يضل الله بهذا المثل {كثيرا} من الناس، يعني اليهود، {ويهدي به}، أي بهذا المثل {كثيرا} من الناس، يعني المؤمنين، {وما يضل به}، أي بهذا المثل {إلا الفاسقين} يعني اليهود.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أنزل الله جل ثناؤه فيه هذه الآية وفي تأويلها... فقال بعضهم:

عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعني قوله: "مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا "وقوله: "أوْ كَصَيّبٍ مِنَ السّماءِ "الآيات الثلاث، قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال. فأنزل الله:"إنّ اللّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مّا بَعُوضَةً" إلى قوله: أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ"...

وقال آخرون:

عن الربيع بن أنس، في قوله تعالى: "إنّ اللّهَ لا يَسْتَحِيِي أنْ يَضرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا" قال: هذا مثل ضربه الله للدنيا، إن البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت، وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن، إذا امتلئوا من الدنيا رِيّا أخذهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا "فلَمّا نَسُوا ما ذُكّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أبْوَابَ كُلّ شَيْءٍ" الآية... فذلك قوله: "حَتّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أخَذْناهُمْ بَغْتَةً فإذا هُمْ مُبْلِسُونَ"...

وقال آخرون:

عن قتادة قوله: "إن اللّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا" أي إن الله لا يستحيي من الحقّ أن يذكر منه شيئا ما قل منه أو كثر. إن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت، قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: "إنّ اللّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا"... [و] عن قتادة، قال: لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: "إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَها"...

غير أن أولى ذلك بالصواب وأشبهه بالحقّ ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عباس. وذلك أن الله جل ذكره أخبر عباده أنه لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها عقيب أمثال قد تقدمت في هذه السورة ضربها للمنافقين دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها. فلأن يكون هذا القول، أعني قوله: "إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما" جوابا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرب لهم من الأمثال في هذه السورة أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور.

فإن قال قائل: إنما أوجب أن يكون ذلك جوابا لنكيرهم ما ضرب من الأمثال في سائر السور لأن الأمثال التي ضربها الله لهم و لآلهتهم في سائر السور أمثال موافقة المعنى، لما أخبر عنه أنه لا يستحي أن يضربه مثلاً، إذْ كان بعضها تمثيلاً لآلهتهم بالعنكبوت وبعضها تشبيها لها في الضعف والمهانة بالذباب، وليس ذكر شيء من ذلك بموجود في هذه السورة، فيجوز أن يقال: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما فإن ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن قول الله جل ثناؤه: "إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا" إنما هو خبر منه جل ذكره أنه لا يستحيي أن يضرب في الحقّ من الأمثال صغيرها وكبيرها ابتلاءً بذلك عباده واختبارا منه لهم، ليميز به أهل الإيمان والتصديق به من أهل الضلال والكفر به، إضلالاً منه به لقوم وهداية منه به لآخرين...

عن مجاهد في قوله: "مَثَلاً مَا بَعُوضَةً" يعني الأمثال صغيرها وكبيرها، يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحقّ من ربهم، ويهديهم الله بها، ويضلّ بها الفاسقين. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به...

قال أبو جعفر: لا أنه جل ذكره قصد الخبر عن عين البعوضة أنه لا يستحيي من ضرب المثل بها، ولكن البعوضة لما كانت أضعف الخلق،خصها الله بالذكر في القلة، فأخبر أنه لا يستحيي أن يضرب أقلّ الأمثال في الحقّ وأحقرها وأعلاها إلى غير نهاية في الارتفاع جوابا منه جل ذكره لمن أنكر من منافقي خلقه ما ضرب لهم من المثل بموقد النار والصيّب من السماء على ما نَعَتهما به من نَعْتهما...

فإن قال لنا قائل: وأين ذكر نكير المنافقين الأمثال التي وصفت الذي هذا الخبر جوابه، فنعلم أن القول في ذلك ما قلت؟ قيل: الدلالة على ذلك بينها جلّ ذكره في قوله: "فأمّا الّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنّهُ الحَقّ مِنْ رَبّهِمْ وأمّا الّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذَا أرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلاً" وأن القوم الذين ضرب لهم الأمثال في الآيتين المقدمتين، اللتين مثّل ما عليه المنافقون مقيمون فيهما بمُوقِدِ النار وبالصيب من السماء على ما وصف من ذلك قبل قوله: "إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً" قد أنكروا المثل وقالوا: "ماذَا أرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلاً"، فأوضح خطأ قيلهم ذلك، وقبح لهم ما نطقوا به وأخبرهم بحكمهم في قيلهم ما قالوا منه، وأنه ضلال وفسوق، وأن الصواب والهدى ما قاله المؤمنون دون ما قالوه.

وأما تأويل قوله: "إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي..." فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى: "إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي...": إن الله لا يخشى أن يضرب مثلاً، ويستشهد على ذلك من قوله بقول الله تعالى: "وَتَخْشَى الناسَ وَاللّهُ أحَقّ أنْ تَخْشاهُ" ويزعم أن معنى ذلك: وتستحي الناسَ والله أحقّ أن تستحيه. فيقول: الاستحياء بمعنى الخشية، والخشية بمعنى الاستحياء

وأما معنى قوله: "أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً" فهو أن يبين ويصف، كما قال جل ثناؤه: "ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ" بمعنى وصف لكم...

فمعنى قوله إذا: "إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً": إن الله لا يخشى أن يصف شبها لما شبه به، وأما «ما» التي مع «مثل» فإنها بمعنى «الذي»، لأن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة في الصغر والقلة فما فوقها مثلاً...

وأما تأويل قوله: "فَمَا فَوْقَهَا": فما هو أعظم منها عندي لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جريج أن البعوضة أضعف خلق الله، فإذا كانت أضعف خلق الله فهي نهاية في القلة والضعف، وإذ كانت كذلك فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء لا يكون إلا أقوى منه، فقد يجب أن يكون المعنى على ما قالاه فما فوقها في العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهاية في الضعف والقلة...

"فَأما الّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنهُ الحَقّ مِنْ رَبّهِمْ وأما الّذِينَ كَفَروا فَيَقُولُونَ ماذَا أرَادَ الله بِهَذَا مَثَلاً" قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ذكره: "فأمّا الّذِينَ آمَنُوا": فأما الذين صدقوا الله ورسوله.

وقوله: "فَيَعْلَمُونَ أنّهُ الحَقّ مِنْ رَبّهِمْ": فيعرفون أن المثل الذي ضربه الله لما ضربه له مثل...

أن هذا المثل الحق من ربهم، [و] أنه كلام الله ومن عنده...أي يعلمون أنه كلام الرحمن وأنه الحقّ من الله.

"وأمّا الّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذَا أرَادَ اللّهُ بِهَذا مَثَلاً":

"وأما الّذِينَ كَفَرُوا" يعني الذين جحدوا آيات الله وأنكروا ما عرفوا وستروا ما علموا أنه حقّ. وذلك صفة المنافقين، وإياهم عنى الله جل وعزّ ومن كان من نظرائهم وشركائهم من المشركين من أهل الكتاب وغيرهم بهذه الآية، فيقولون: "ماذا أراد الله بهذا مثلاً"...

[و] عن مجاهد: فأمّا الّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنّهُ الحَق مِنْ رَبّهِمْ الآية، قال: يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحقّ من ربهم، ويهديهم الله بها ويضلّ بها الفاسقون. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به...

وتأويل قوله: "ماذَا أرَادَ الله بِهَذَا مَثَلاً": ما الذي أراد الله بهذا المثل مثلاً، ف«ذا» الذي مع «ما» في معنى «الذي» وأراد صلته، وهذا إشارة إلى المثل.

"يُضِلّ بِهِ كَثِيرا":يضلّ الله به كثيرا من خلقه، والهاء في «به» من ذكر المثل. وهذا خبر من الله جل ثناؤه مبتدأ، ومعنى الكلام: أن الله يضلّ بالمثل الذي يضرّبه كثيرا من أهل النفاق والكفر...

عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "يُضِلّ بِهِ كَثِيرا" يعني المنافقين. "وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرا" يعني المؤمنين. فيزيد هؤلاء ضلالاً إلى ضلالهم لتكذيبهم بما قد علموه حقا يقينا من المثل الذي ضربه الله لما ضربه له وأنه لما ضربه له موافق، فذلك إضلال الله إياهم به. ويهدي به يعني بالمثل كثيرا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانا إلى إيمانهم، لتصديقهم بما قد علموه حقا يقينا أنه موافق ما ضربه الله له مثلاً وإقرارهم به، وذلك هداية من الله لهم به...

"وَما يُضِلّ بِهِ إِلاّ الفَاسِقِينَ": هم المنافقون...

وأصل الفسق في كلام العرب: الخروج عن الشيء، يقال منه: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرها، ومن ذلك سميت الفأرة فويسقة، لخروجها عن جحرها. فكذلك المنافق والكافر سُميا فاسقين لخروجهما عن طاعة ربهما، ولذلك قال جل ذكره في صفة إبليس: "إلاّ إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجنّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبّهِ" يعني به: خرج عن طاعته واتباع أمره...

[و] عن ابن عباس في قوله: "بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" أي بما بعدوا عن أمري.

فمعنى قوله: "وَمَا يُضِلِ بِهِ إِلاّ الفاسِقِينَ": وما يضلّ الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق إلا الخارجين عن طاعته والتاركين اتباع أمره من أهل الكفر به من أهل الكتاب وأهل الضلال من أهل النفاق...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

{إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}: إنما هو خبر منه تعالى أنه لا يستحيي تعالى أن يضرب مثلا في الحق من الأمثال: صغيرها وكبيرها لأن صغير الأشياء عنده وكبيرها بمنزلة واحدة من حيث لا يتسهل الصغير ولا يصعب الكبير، وإن في الصغير من الإحكام والإتقان ما في الكبير، فلما تساوى الكل في قدرته، جاز أن يضرب المثل بما شاء من ذلك، فيقر بذلك المؤمنون ويسلمون وإن ضل به الفاسقون بسوء اختيارهم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

هذا الكتاب لقومٍ شفاءٌ ورحمة، ولآخرين شقاء وفتنة. فمن تعرَّف إليه يوم الميثاق بأنوار العناية حين سمعوا قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] تذكَّروا عند ورود الواسطة -صلوات الله عليه وعلى آله- قديم عهده، وسابقَ وُدِّه، فازدادوا بصيرة على بصيرة. ومَنْ رَسَمَهُ بِذُلِّ القطيعة، وأنطقه ذلك اليوم عن الحسبان والرهبة، ما ازدادوا عند حصول الدعوة النبوية إلا جُحداً على جُحد، وما خفي عليهم اليوم صادق الدلالة، إلا لِمَا تقدم لهم سابقُ الضلالة. لذلك قال الله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ}.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

سيقت هذه الآية لبيان أنَّ ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقّرات من الأشياء مضروباً بها المثل، ليس بموضع للاستنكار والاستغراب، من قبل أنّ التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء المتوهّم من المشاهد. فإن كان المتمثل له عظيمًا كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك. فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذاً إلاَّ أمراً تستدعيه حال المتمثل له وتستجرّه إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية.

ألا ترى إلى الحق لما كان واضحاً جلياً أبلج، كيف تمثل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته، كيف تمثل له بالظلمة؟ ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أنداداً لله تعالى لا حال أحقر منها وأقلّ، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن، وجعلت أقلّ من الذباب وأخس قدراً، وضربت لها البعوضة فالذي دونها مثلا لم يستنكر ولم يستبدع، ولم يقل للمتمثل: استحى من تمثيلها بالبعوضة، لأنه مصيب في تمثيله، محق في قوله. سائق للمثل على قضية مضربه، محتذ على مثال ما يحتكمه ويستدعيه، ولبيان أنّ المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والعمل على العدل والتسوية والنظر في الأمور بناظر العقل، إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمرّ الشبهة بساحته، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله. وأن الكفّار الذين غلبهم الجهل على عقولهم، وغصبهم على بصائرهم فلا يتفطنون ولا يلقون أذهانهم، أو عرفوا أنه الحق إلا أنّ حبّ الرّياسة وهوى الألف والعادة لا يخليهم أن ينصفوا، فإذا سمعوه عاندوا وكابروا وقضوا عليه بالبطلان، وقابلوه بالإنكار، وأن ذلك سبب زيادة هدى المؤمنين وانهماك الفاسقين في غيّهم وضلالهم. والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض والحشرات والهوام.

وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم قد تمثّلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا: أجمع من ذرّة، وأجرأ من الذباب، وأسمع من قراد. وأصرد من جرادة، وأضغف من فراشة. وآكل من السوس. وقالوا في البعوضة: أضعف من بعوضة، وأعز من مخ البعوض وكلفتني مخ البعوض.

ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة، كالزوان والنخالة وحبة الخردل، والحصاة، والأرضة، والدود، والزنابير.

والتمثيل بهذه الأشياء وبأحقر منها مما لا تغني استقامته وصحته على من به أدنى مسكة، ولكن ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل ولا متشبث بأمارة ولا إقناع، أن يرمي لفرط الحيرة والعجز عن إعمال الحيلة بدفع الواضح وإنكار المستقيم والتعويل على المكابرة والمغالطة إذا لم يجد سوى ذلك معوّلاً...

فإن قلت: كيف جاز وصف القديم سبحانه [بما لا يجوز في حقه من] التغير والخوف والذم، وذلك في حديث سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردّهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً" قلت: هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يردّ يديه صفراً من عطائه لكرمه بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه. وكذلك معنى قوله: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ} أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها. ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال. وهو فنّ من كلامهم بديع، وطراز عجيب...

فإن قلت: كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟ قلت: ليس كذلك، فإن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا، وفي خلق الله حيوان أصغر منها ومن جناحها، ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحادّ إلا تحركها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحتَ لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها، فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة وتفاصيل خلقتها ويبصر بصرها ويطلع على ضميرها، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر {سبحان الذى خَلَق الازواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ}...

وإسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى السبب: لأنه لما ضرب المثل فضل به قوم واهتدى به قوم، تسبب لضلالهم وهداهم...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

في قوله {فما فوقها} وجهان.

أحدهما: أن يكون المراد فما هو أعظم منها في الجثة كالذباب والعنكبوت والحمار والكلب، فإن القوم أنكروا تمثيل الله تعالى بكل هذه الأشياء.

والثاني: أراد بما فوقها في الصغر أي بما هو أصغر منها، والمحققون مالوا إلى هذا القول لوجوه:

أحدها: أن المقصد من هذا التمثيل تحقير الأوثان، وكلما كان المشبه به أشد حقارة كان المقصود في هذا الباب أكمل حصولا.

وثانيها: أن الغرض ههنا بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير، وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانيا أشد حقارة من الأول. يقال إن فلانا يتحمل الذل في اكتساب الدينار، وفي اكتساب ما فوقه، يعني في القلة لأن تحمل الذل في اكتساب أقل من الدينار أشد من تحمله في اكتساب الدينار.

وثالثها: أن الشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلا علم الله تعالى، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما ثبت بعجزهم عن المعارضة أن هذا الكلام كلامه سبحانه، ثبت أن ما فيه من الأمثال أقواله فهددهم في هذه السورة المدنية على العناد، وتلاه بالآية التي أخبر فيها بأن ثمار الدنيا وأزواجها وإن شابهت ما في الجنة بالاسم وبعض الشكل، فقد باينته بالطعوم والطهارة وما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى، فاضمحلت نسبتها إليها، وكان في ختم الآية ب"خالدون" إشارة إلى أن الأمثال التي هي أحسن كلام الناس وإن شابهت أمثاله سبحانه في الاسم ودوام الذكر، فلا نسبة لها إليها لجهات لا تخفى على المنصف، فلم يبق إلا طعنهم بأنها لكونها بالأشياء الحقيرة، لا تليق بكبريائه، فبين حسنها ووجوب الاعتداد بها وإنعام النظر فيها بالإشارة بعدم الاستحياء من ضربها لكونها حقاً، إلى أن الأشياء كلها وإن عظمت حقيرة بالنسبة إلى جلاله وعظمته وكماله، فلو ترك التمثيل بها لذلك لانسد ذلك الباب الذي هو من أعجب العجاب فقال تعالى على طريق الاستنتاج من المقدمات المسلَّمات وأكد سبحانه دفعاً لظن أنه يترك لما لبّسوا به الأمثال التي هي أكشف شيء للأشكال وأجلى في جميع الأحوال. وقال الحرالي:: لما كانت الدعوة تحوج مع المتوقف فيها والآبي لها إلى تقريب للفهم بضرب الأمثال، وكانت هذه الدعوة جامعة الدعوات، وصل بها هذه الآية الجامعة لإقامة الحجة في ضرب الأمثال وأن ذلك من الحق سبحانه.

{والله لا يستحيي من الحق} [الأحزاب: 53]... بين تعالى أن مقدار الحكمة الشاهد للممثل في البعوضة وفيما هو أظهر للحس وآخذ في العلم. وإنما يجب الالتفات للقدر لا للمقدار ولوقع المثل على ممثله قل أو جل دنا أو علا، فتنزه تعالى عما يجده الخلق عندما ينشأ من بواطنهم وهمهم أن يظهروا أمراً فيتوهمون فيه نقصاً، فيرجعهم ذلك عن إظهاره قولاً أو فعلاً -انتهى.

فقال تعالى: {إن الله} أي المحيط بكل شيء جلالاً وعظمة وكمالا {لا يستحيي} أي لا يفعل ما يفعله المستحي من ترك ما يستحي منه.

والحياء قال الحرالي:: انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن لمواجهة ما تراه نقصاً حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن. {أن يضرب} من ضرب المثل وهو 341 وقع المثل على الممثل، لأن أصل الضرب وقع شيء على شيء، والمعنى أن يوجد الضرب متجدداً مستمراً... {مثلاً ما} مثل أمر ظاهر للحس ونحوه، يعتبر به أمر خفي يطابقه فينفهم معناه باعتباره و "ما" في نحو هذا الموقع لمعنى الاستغراق، فهي هنا لشمول الأدنى والأعلى من الأمثال- انتهى.

ثم بين ذلك بقوله: {بعوضة}.

وقال الحرالي:: والبعوض جنس معروف من أدنى الحيوان الطائر مقداراً وفيه استقلال وتمام خلقة... {فما فوقها} أي من معنى يكون أظهر منها، والفاء تدل على ارتباط ما إما تعقيب واتصال أو تسبيب، ففيه هنا إعلام بأقرب ما يليه على الاتصال والتدريج إلى أنهى ما يكون -انتهى. والمعنى أن ذلك إن اعتبر بالنسبة إليه سبحانه كان هو وأنتم وغيركم بمنزلة واحدة في الحقارة، وإن اعتبر بالنسبة إليكم كان الفريقان بمنزلة واحدة في أنه خلق حقير ضعيف صغير من تراب، وأما شرف بعضه على بعض فإنما كان بتشريف الله له ولو شاء لعكس الحال.

ثم ذكر شأن قسمي المؤمنين والكافرين بقسمي كل منهم في قبول أمثاله فقال مؤكداً بالتقسيم لأن حال كل من القسمين حال المنكر لما وقع للآخر: {فأما}، قال الحرالي:: كأنها مركبة من "إن" دالة على باطن ذات و "ما" دالة على ظاهر مبهم، يؤتى به للتقسيم- انتهى. {الذين آمنوا} أي بما ذكرنا أول السورة، ولما تضمن "أما" معنى الشرط كما فسره سيبويه بمهما يكن من شيء، أجيب بالفاء في قوله: {فيعلمون أنه} أي ضرب المثل {الحق} كائناً {من ربهم} أي المحسن إليهم بجميع أنواع الإحسان، وأنه ما أراد بهم إلا تربيتهم بالإحسان بضربه على عوائد فضله، وأما أمثال غيره، فإن لم يكن فيها نوع من الباطل فلا بد فيها من ضرب من التسمُّح تكون به غير جديرة باسم الحق ولا عريقة فيه.

قال الحرالي:: لما كان الذين آمنوا ممن بادر فأجاب، وكان ضرب المثل تأكيد دعوة وموعظة لمن حصل منه توقف، حصل للذين آمنوا استبصار بنور الإيمان في ضرب المثل، فصاروا عالمين بموقع الحق فيه، وكما استبصر فيه الذين آمنوا، استغلق معناه على الذين كفروا وجهلوه فاستفهموا عنه استفهام إنكار لموقعه -انتهى. فلذا قال {وأما الذين كفروا} أي المجاهرون منهم والمساترون {فيقولون} أي قولاً مستمراً {ماذا} أي الذي {أراد الله} الذي هو أجل جليل {بهذا} الحقير أي بضربه له {مثلاً} أي على جهة المثلية استهزاء وجهلاً وعناداً وجفاءً؛ ثم وصل بذلك ذكر ثمرته عند الفريقين جواباً لسؤال من سأل منهم فقال: {يضل به كثيراً} أي منهم بأن لا يفهمهم المراد منه فيظنون بذلك الظنون. وقال الحرالي:: وكان إضلالاً لهم، لأن في ضرب المثل بما يسبق لهم استزراؤه بنحو الذباب والعنكبوت الذي استزروا ضرب المثل به، تطريق لهم إلى الجهالة، فكان ذلك إضلالاً، وقدم الجواب بالإضلال لأنه مستحق المستفهم، والإضلال التطريق للخروج عن الطريق الجادة المنجية- انتهى.

{ويهدي به كثيراً} أي ببركة اعتقادهم الخير وتسليمهم له الأمر، يهديهم ربهم بإيمانهم فيفهمهم المراد منه ويشرح صدورهم لما فيه من المعارف، فيزيدهم به إيماناً وطمأنينة وإيقاناً، والمهديون كثير في الواقع قليل بالنسبة إلى الضالين. ولما كان المقام للترهيب كما مضى في قوله: {فاتقوا النار} اكتفى في المهتدين بما سبق من بشارتهم وقال في ذم القسم الآخر وتحذيره: {وما يضل به إلا}، قال الحرالي:: كأنها مركبة من "إن" و "لا" مدلولها نفي حقيقة ذات عن حكم ما قبلها -انتهى. {الفاسقين} أي الخارجين عن العدل والخير. وقال الحرالي:: الذين خرجوا عن إحاطة الاستبصار وجهات تلقي الفطرة والعهد الموثق وحسن الرعاية، لأن الفسق خروج عن محيط كالكمام للثمرة، والجحر للفأرة- انتهى.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

يقول تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا} أي: أيَّ مثل كان {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} لاشتمال الأمثال على الحكمة، وإيضاح الحق، والله لا يستحيي من الحق، وكأن في هذا، جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله في ذلك. فليس في ذلك محل اعتراض. بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم. فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر. ولهذا قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} فيتفهمونها، ويتفكرون فيها.

فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة.

{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولهذا قال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية. قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [وضلالة] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة [ورحمة] وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال.

ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى فقال: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} أي: الخارجين عن طاعة الله، المعاندين لرسل الله، الذين صار الفسق وصفهم، فلا يبغون به بدلا، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة.

والفسق نوعان: نوع مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان، كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الآية].

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن هذه الآيات تشي بأن المنافقين -وربما كان اليهود والمشركون- قد وجدوا في هذه المناسبة منفذا للتشكيك في صدق الوحي بهذا القرآن، بحجة أن ضرب الأمثال هكذا بما فيها من تصغير لهم وسخرية منهم لا تصدر عن الله، وأن الله لا يذكر هذه الأشياء الصغيرة كالذباب والعنكبوت في كلامه!.. وكان هذا طرفا من حملة التشكيك والبلبلة التي يقوم بها المنافقون واليهود في المدينة، كما كان يقوم بها المشركون في مكة.

فجاءت هذه الآيات دفعا لهذا الدس، وبيانا لحكمة الله في ضرب الأمثال، وتحذيرا لغير المؤمنين من عاقبة الاستدراج بها، وتطمينا للمؤمنين أن ستزيدهم إيمانا.

(إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما، بعوضة فما فوقها)..

فالله رب الصغير والكبير، وخالق البعوضة والفيل، والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل. إنها معجزة الحياة. معجزة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا الله.. على أن العبرة في المثل ليست في الحجم والشكل، إنما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير. وليس في ضرب الأمثال ما يعاب وما من شأنه الاستحياء من ذكره. والله -جلت حكمته- يريد بها اختبار القلوب، وامتحان النفوس:

(فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم)..

ذلك أن إيمانهم بالله يجعلهم يتلقون كل ما يصدر عنه بما يليق بجلاله؛ وبما يعرفون من حكمته. وقد وهبهم الإيمان نورا في قلوبهم، وحساسية في أرواحهم، وتفتحا في مداركهم، واتصالا بالحكمة الإلهية في كل أمر وفي كل قول يجيئهم من عند الله.

(وأما الذين كفروا فيقولون: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟)..

وهو سؤال المحجوب عن نور الله وحكمته، المقطوع الصلة بسنة الله وتدبيره. ثم هو سؤال من لا يرجو لله وقارا، ولا يتأدب معه الأدب اللائق بالعبد أمام تصرفات الرب. يقولونها في جهل وقصور في صيغة الاعتراض والاستنكار، أو في صورة التشكيك في صدور مثل هذا القول عن الله!

هنا يجيئهم الجواب في صورة التهديد والتحذير بما وراء المثل من تقدير وتدبير:

(يضل به كثيرا، ويهدي به كثيرا، وما يضل به إلا الفاسقين)..

والله -سبحانه- يطلق الابتلاءات والامتحانات تمضي في طريقها، ويتلقاها عباده، كل وفق طبيعته واستعداده، وكل حسب طريقه ومنهجه الذي اتخذه لنفسه. والابتلاء واحد.. ولكن آثاره في النفوس تختلف بحسب اختلاف المنهج والطريق.. الشدة تسلط على شتى النفوس، فأما المؤمن الواثق بالله وحكمته ورحمته فتزيده الشدة التجاء إلى الله وتضرعا وخشية. وأما الفاسق أو المنافق فتزلزله وتزيده من الله بعدا، وتخرجه من الصف إخراجا. والرخاء يسلط على شتى النفوس، فأما المؤمن التقي فيزيد الرخاء يقظة وحساسية وشكرا. وأما الفاسق أو المنافق فتبطره النعمة ويتلفه الرخاء ويضله الابتلاء.. وهكذا المثل الذي يضربه الله للناس.. (يضل به كثيرا).. ممن لا يحسنون استقبال ما يجيئهم من الله، (ويهدي به كثيرا) ممن يدركون حكمة الله. (وما يضل به إلا الفاسقين).. الذين فسقت قلوبهم من قبل وخرجت عن الهدى والحق، فجزاؤهم زيادتهم مما هم فيه!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

روى الواحدي في « أسباب النزول» عن ابن عباس أن الله تعالى لما أنزل قوله: {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه} [الحج: 73] وقوله: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً} [العنكبوت: 41] قال المشركون أرأيتم أي شيء يصنع بهذا فأنزل الله: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها} وروي عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب بها المثل ضحك اليهود وقالوا ما يشبه أن يكون هذا كلام الله فأنزل الله: {إن الله لا يستحي} الآية.

والوجه أن نجمع بين الروايتين ونبين ما انطوتا عليه بأن المشركين كانوا يفزعون إلى يهود يثرب في التشاور في شأن نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وخاصة بعد أن هاجر النبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فيتلقون منهم صوراً من الكيد والتشغيب فيكون قد تظاهر الفريقان على الطعن في بلاغة ضرب المثل بالعنكبوت والذباب فلما أنزل الله تعالى تمثيل المنافقين بالذي استوقد ناراً وكان معظمهم من اليهود هاجت أحناقهم وضاق خناقهم فاختلقوا هذه المطاعن فقال كل فريق ما نسب إليه في إحدى الروايتين ونزلت الآية للرد على الفريقين ووضح الصبح لذي عينين.

فيحتمل أن ذلك قاله علماء اليهود الذين لا حظ لهم في البلاغة، أو قد قالوه مع علمهم بفنون ضرب الأمثال مكابرة وتجاهلاً. وكون القائلين هم اليهود هو الموافق لكون السورة نزلت بالمدينة، وكان أشد المعاندين فيها هم اليهود، ولأنه الأوفق بقوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله} وهذه صفة اليهود، ولأن اليهود قد شاع بينهم التشاؤم والغلو في الحذر من مدلولات الألفاظ حتى اشتهروا باستعمال الكلام الموجه بالشتم والذم كقولهم {رَاعنا} [البقرة: 104]، قال تعالى: {فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59] كما ورد تفسيره في « الصحيح» ولم يكن ذلك من شأن العرب.

وإما أن يكون قائله المشركون من أهل مكة مع علمهم بوقوع مثلِه في كلام بلغائهم كقولهم أَجرأُ من ذُبابة، وأسْمَع من قُرادٍ، وأطْيَشُ من فَراشة، وأضعف من بَعُوضَة. وهذا الاحتمال أدَلُّ، على أنهم ما قالوا هذا التمثيل إلا مكابرة ومعاندة فإنهم لما غُلبوا بالتحدي وعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله تعلقوا في معاذيرهم بهاته السفاسف، والمكابرُ يقول ما لا يعتقد، والمحجوج المبهوت يستعوج المستقيم ويخفي الواضح، وإلى هذا الثاني ينزع كلام صاحب « الكشاف» وهو أوفق بالسياق. والسورة وإن كانت مدنية فإن المشركين لم يزالوا يُلقون الشبه في صحة الرسالة ويشيعون ذلك بعد الهجرة بواسطة المنافقين. وقد دل على هذا المعنى قوله بعده:

{فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا} إلى قوله: {ويهدي به كثيراً}...

والفسق مراتب كثيرة تبلغ بعضها إلى الكفر. وقد أطلق الفسق في الكتاب والسنة على جميعها لكن الذي يستخلص من الجمع بين الأدلة هو ما اصطلح عليه أهل السنة من المتكلمين والفقهاء وهو أن الفسق غيرُ الكفر وأن المعاصي وإن كثرت لا تزيل الإيمان وهو الحق، وقد لقب الله اليهود في مواضع كثيرة من القرآن بالفاسقين وأحسب أنه المراد هنا...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

بعد أن تحدث الحق تبارك وتعالى عن الجنة.. وأعطانا مثلا يقرب لنا صور النعيم الهائلة التي سينعم بها الإنسان في الجنة.. أراد أن يوضح لنا المنهج الإيماني الذي يجب أن يسلكه كل مؤمن.. ذلك أن الله سبحانه وتعالى لا يكلف كافرا بعبادته.. ولكن الإنسان الذي ارتضى دخول الإيمان بالله جل جلاله قد دخل في عقد إيماني مع الله تبارك وتعالى.. ومادام قد دخل العقد الإيماني فأنه يتلقى عن الله منهجه في افعل ولا تفعل.. وهذا المنهج عليه أن يطبقه دون أن يتساءل عن الحكمة في كل شيء.. ذلك أن الإيمان هو إيمان بالغيب.. فإذا كان الشيء نفسه غائبا عنا فكيف نريد أن نعرف حكمته..

إن حكمة أي تكليف إيماني هي: أنه صادر من الله سبحانه وتعالى، ومادام صادرا من الله فهو لم يصدر من مساوٍ لك كي تناقشه، ولكنه صادر من إله وجبت عليك له الطاعة لأنه إله وأنت له عابد.. فيكفي أن الله سبحانه وتعالى قال افعل حتى نفعل.. ويكفي أنه قال لا تفعل حتى لا نفعل..

الحكمة غائبة عنك.. ولكن صدور الأمر من الله هو الحكمة، وهو الموجب للطاعة.. فأنا أصلي لأن الله فرض الصلاة، ولا أصلي كنوع من الرياضة.. وأنا أتوضأ لأن الله تبارك وتعالى أمرنا بالوضوء قبل الصلاة.. ولكنني لا أتوضأ كنوع من النظافة.. وأنا أصوم لأن الله أمرني بالصوم.. ولا أصوم حتى أشعر بجوع الفقير.. لأنه لو كانت الصلاة رياضة لاستبدلناها بالرياضة في الملاعب.. ولو أن الوضوء كان نظافة لقمنا بالاستحمام قبل كل صلاة.. ولو أن الصوم كان لنشعر بالجوع ما وجب على الفقير أن يصوم لأنه يعرف معنى الجوع..

إذن فكل تكاليف من الله نفعلها لأن الله شرعها ولا نفعلها لأي شيء آخر.. وكل ما يأتينا من الله من قرآن نستقبله على أنه كلام الله ولا نستقبله بأي صيغة أخرى.. ذلك هو الإيمان الذي يريد الله منا أن نتمسك به، وأن يكون هو سلوك حياتنا.

تلك مقدمة كان لابد منها إذا أردنا أن نعرف معنى الآية الكريمة:"إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها" وعندما ضرب الله مثلا بالبعوضة.. استقبله الكفار بالمعنى الدنيوي دون أن يفطنوا للمعنى الحقيقي.. قالوا كيف يضرب الله مثلا بالبعوضة ذلك المخلوق الضعيف.. الذي يكفي أن تضربه بأي شيء أو بكفك فيموت؟. لماذا لم يضرب الله تبارك وتعالى مثلا بالفيل الذي هو ضخم الجثة شديدة القوة.. أو بالأسد الذي هو أقوى من الإنسان وضرب لنا مثلا بالبعوضة فقالوا: {ماذا أراد الله بهذا مثلا}.. ولم يفطنوا إلى أن هذه البعوضة دقيقة الحجم خلقها معجزة.. لأن في هذا الحجم الدقيق وضع الله سبحانه وتعالى كل الأجهزة اللازمة لها في حياتها...

{يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين}.. ومن هم الفاسقون؟.. هم الذين ينقضون عهد الله.. أول شيء في الفسق أن ينقض الفاسق عهده.. ويقال فسقت الرطبة أي بعدت القشرة عن الثمر.. فعندما تكون الثمرة أو البلحة حمراء تكون القشرة ملتصقة بالثمرة بحيث لا تستطيع أن تنزعها منها.. فإذا أصبحت الثمرة أو البلحة رطبا تسود قشرتها وتبتعد عن الثمرة بحيث تستطيع أن تنزعها عنها بسهولة.. هذا هو الفاسق المبتعد عن منهج الله.. ينسلخ عنه بسهولة ويسر، لأنه غير ملتصق به.. وعندما تبتعد عن منهج الله فإنك لا ترتبط بأوامره ونواهيه.. فلا تؤدي الصلاة مثلا، وتفعل ما نهى الله عنه لأنك فسقت عن دينه.. والذي أوجد الفسق هو أن الإنسان خلق مختارا.. قادرا على أن يفعل أو لا يفعل.. وبهذا الاختيار أفسد الإنسان نظام الكون.. فكل شيء ليس للإنسان اختيار فيه تراه يؤدي مهمته بدقة عالية كالشمس والقمر والنجوم والأرض.. كلها تتبع نظاما دقيقا لا يختل لأنها مقهورة.. ولو أن الإنسان لم يخلق مختارا.. لكان من المستحيل أن يفسق.. وأن يبتعد عن منهج الله ويفسد في الأرض.. ولكن هذا الاختيار هو أساس الفساد كله.