روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} (89)

/ { وَلَمَّا جَاءهُمْ كتاب مّنْ عِندِ الله } وهو القرآن وتنكيره للتعظيم ووصفه بما عنده للتشريف والإيذان بأنه جدير بأن يقبل ما فيه ويتبع لأنه من خالقهم وإلههم الناظر في مصالحهم ، والجملة عطف على { قَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } [ البقرة : 88 ] أي وكذبوا لما جاءهم الخ { مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } من كتابهم أي نازل حسبما نعت أو مطابق له ، و( مصدق ) صفة ثانية لكتاب وقدمت الأولى عليها لأن الوصف بكينونته من عنده تعالى آكد ووصفه بالتصديق ناشئ عنها وجعله مصدقاً لكتابهم لا مصدقاً به إشارة إلى أنه بمنزلة الواقع ونفس الأمر لكتابهم لكونه مشتملاً على الإخبار عنه محتاجاً في صدقه إليه ؛ وإلى أنه بإعجازه مستغن عن تصديق الغير ، وفي مصحف أبيّ { مُصَدّقاً } بالنصب ، وبه قرأ ابن أبي عبلة ، وهو حينئذ حال من الضمير المستقر في الظرف ، أو من كتاب لتخصيصه بالوصف المقرب له من المعرفة ، واحتمال أن الظرف لغو متعلق بجاء بعيد فلا يضر على أن سيبويه جوّز مجيء الحال من النكرة بلا شرط

{ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ } نزلت في بني قريظة والنضير كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة والمعنى يطلبون من الله تعالى أن ينصرهم به على المشركين ، كما روى السدي أنهم كانوا إذا اشتد الحرب بينهم وبين المشركين أخرجوا التوراة ووضعوا أيديهم على موضع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : اللهم إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان أن تنصرنا اليوم على عدوّنا فينصرون فالسين للطلب والفتح متضمن معنى النصر بواسطة ( على ) أو يفتحون عليهم من قولهم : فتح عليه إذا علمه ووقفه كما في قوله تعالى : { أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 6 7 ] أي يعرفون المشركين أن نبياً يبعث منهم وقد قرب زمانه فالسين زائدة للمبالغة ، كأنهم فتحوا بعد طلبه من أنفسهم والشيء بعد الطلب أبلغ وهو من باب التجريد ، جرّدوا من أنفسهم أشخاصاً وسألوهم الفتح كقولهم : استعجل كأنه طلب العجلة من نفسه ، ويؤول المعنى إلى يا نفس عرّفي المشركين أن نبياً يبعث منهم ، وقيل : ( يستفتحون ) بمعنى يستخبرون عنه صلى الله عليه وسلم ، هل ولد مولود صفته كذا وكذا ؟ نقله الراغب وغيره ، وما قيل : إنه لا يتعدى بعلى لا يسمع بمجرد التشهي .

{ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } كنى عن الكتاب المتقدم بما عرفوا لأن معرفة من أنزل عليه معرفة له ، والاستفتاح به استفتاح به ، وإيراد الموصول دون الاكتفاء بالإضمار لبيان كمال مكابرتهم ، ويحتمل أن يراد به النبي صلى الله عليه وسلم وما قد يعبر بها عن صفات من يعقل ، وبعضهم فسره بالحق إشارة إلى وجه التعبير عنه عليه الصلاة والسلام ب( ما ) وهو أن المراد به الحق لا خصوصية ذاته المطهرة وعرفانهم ذلك حصل بدلالة المعجزات والموافقة لما نعت في كتابهم فإنه كالصريح عند الراسخين فلا يرد أن نعت الرسول في التوراة إن كان مذكوراً على التعيين فكيف ينكرونه فإنه مذكور بالتواتر وإلا فلا عرفان للاشتباه على أن الإيراد في غاية السقوط ، لأن الآية مساقة على حد قوله تعالى : { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ } [ النمل : 4 1 ] أي جحدوه مع علمهم به وهذا أبلغ في ذمهم و{ كَفَرُواْ } جواب لما الأولى ولما الثانية تكرير لها لطول العهد كما في قوله تعالى : { لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب } [ آل عمران : 188 ] وإلى ذلك ذهب المبرد ، وقال الفراء : ل( ما ) الثانية مع جوابها جواب الأولى كقوله تعالى : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } [ البقرة : 38 ] الخ ، وعلى الوجهين يكون قوله سبحانه : { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ } جملة حالية بتقدير قد مقررة ، واختار الزجاج والأخفش أن جواب الأولىحذوف أي كذبوا به مثلاً وعليه يكون { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ } الخ مع ما عطف عليه من قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءهُمُ } من الشرط ، والجزاء جملة معطوفة على لما جاءهم بعد تمامها ، تدل الأولى على معاملتهم مع الكتاب المصدق ، والثانية مع الرسول المستفتح به ، وارتضاه بعض المحققين لما في الأول من لزوم التأكيد والتأسيس أولى منه واستعمال الفاء للتراخي الرتبي فإن مرتبة المؤكد بعد مرتبة المؤكد ، ولما في الثاني من دخول الفاء في جواب ( لما ) مع أنه ماض ، وهو قليل جداً حتى لم يجوزه البصريون ولو جوز وقوعها زائدة ( فلما ) لا تجاب بمثلها لا يقال لما جاء زيد ، ، لما قعد عمرو أكرمتك بل هو كما ترى تركيب معقود في لسانهم مع خلو الوجهين عن فائدة عظيمة وهو بيان سوء معاملتهم مع الرسول واستلزامهما جعل و( كانوا ) حالاً ، واختار أبو البقاء إن ( كفروا ) جواب لما الأولى ، والثانية ولا حذف لأن مقتضاهما واحد وليس بشيء كجعل { فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين } جواباً للأولى وما بينهما اعتراض ، واللام في الكافرين للعهد أي عليهم ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم بسبب كفرهم كما أن الفاء للإيذان بترتبها عليه ، وجوز كونها للجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً ، واعترض بأن دلالة العام متساوية فليس فيها شيء أول ولا أسبق من شيء ، والجواب أن المراد دخولاً قصدياً لأن الكلام سيق بالأصالة فيهم ويكون ذلك من الكناية الإيمائية ويصار إليها إذا كان الموصوف مبالغاً في ذلك الوصف ومنهمكاً فيه ، حتى إذا ذكر خطر ذلك الوصف بالبال كقولهم لمن يقتني رذيلة ويصر عليها : أنا إذا نظرتك خطر ببالي سبابك وسباب كل من هو من أبناء جنسك ، فاليهود لما بالغوا في الكفر والعناد وكتمان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونعى الله تعالى عليهم ذلك صار الكفر كأنه صفة غير مفارقة لذكرهم وكان هذا الكلام لازماً لذكرهم ورديفه وأنهم أولى الناس دخولاً فيه لكونهم تسببوا استجلاب هذا القول في غيرهم وجعل السكاكي من هذا القبيل قوله :

إذا الله لم يسق إلا الكراما *** فيسقي وجوه بني حنبل

فإنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى لا خفاء فيه .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} (89)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ولما جاءهم كتاب من عند الله}، يعني قرآن محمد صلى الله عليه وسلم، {مصدق لما معهم} في التوراة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وقرآنه في التوراة، نزلت في اليهود... {وكانوا من قبل} أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم رسولا {يستفتحون على الذين كفروا}... {فلما جاءهم} محمد {ما عرفوا} أي بما عرفوا من أمره في التوراة. {كفروا به فلعنة الله على الكافرين} يعني اليهود...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{وَلَمّا جاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدّق لِمَا مَعَهُمْ}: ولما جاء اليهود من بني إسرائيل الذين وصف جل ثناؤه صفتهم،} كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ {يعني بالكتاب: القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم.} مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ {يعني مصدّق للذي معهم من الكتب التي أنزلها الله من قبل القرآن...من التوراة والإنجيل.

{وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ على الّذِينَ كَفَرُوا}: وكان هؤلاء اليهود الذين لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم من الكتب التي أنزلها الله قبل الفرقان، كفروا به يستفتحون بمحمد صلى الله عليه وسلم ومعنى الاستفتاح: الاستنصار يستنصرون الله به على مشركي العرب من قبل مبعثه أي من قبل أن يبعث... عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم قالوا: فينا والله وفيهم يعني في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم نزلت هذه القصة، يعني: {وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ على الّذِينَ كَفَرُوا} قالوا: كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية، ونحن أهل الشرك، وهم أهل الكتاب، فكانوا يقولون: إن نبيّا الآن مبعثه قد أظل زمانه، يقتلكم قَتْلَ عادٍ وإرَم فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه كفروا به. يقول الله:"فَلَمّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ"... عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شِرْك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله جل ثناؤه في ذلك من قوله: {وَلَمّا جاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ على الكافِرِينَ}...

فمن هنالك نفع الله الأوس والخزرج بما كانوا يسمعون منهم أن نبيّا خارج.

فإن قال لنا قائل: فأين جواب قوله: {وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدق لِمَا مَعَهُمْ}؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في جوابه، فقال بعضهم: هو مما تُرك جوابه استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه وبما قد ذكر من أمثاله في سائر القرآن. وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام، فتأتي بأشياء لها أجوبة فتحذف أجوبتها لاستغناء سامعيها بمعرفتهم بمعناها عن ذكر الأجوبة، كما قال جل ثناؤه: وَلَوْ أَنّ قُرآنا سُيّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أوْ قُطّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوّ كُلّمَ بِهِ المَوْتَى بَلْ لِلّهِ الأمْرُ جَمِعيا فترك جوابه. والمعنى:

{ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسُيّرت بهذا القرآن} استغناءً بعلم السامعين بمعناه. قالوا: فكذلك قوله: "وَلَمّا جَاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ".

وقال آخرون: جواب قوله:} وَلَمّا جاءَهُمْ كِتاب مِنْ عِنْدِ اللّهِ {في «الفاء» التي في قوله: {فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} وجواب الجزاءين في «كفروا به» كقولك: لما قمت فلما جئتنا أحسنت، بمعنى: لما جئتنا إذْ قمتَ أحسنتَ.

} فَلَعنَةُ اللّهِ على الكافِرِينَ {: فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحقّ عليهم لله ولأنبيائه المنكرين، لما قد ثبت عندهم صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ففي إخبار الله عزّ وجل عن اليهود بما أخبر الله عنهم بقوله: {فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} البيان الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد قيام الحجة بنبوّته عليهم وقطع الله عذرهم بأنه رسوله إليهم.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} فلولا أنهم عرفوا أن هذا الكتاب هو موافق لما معهم من الكتاب غير مخالف له، لأظهروا الخلاف لو عرفوا ذلك، ولتكلفوا إطفاء هذا النور ودفعه. فدل سكوتهم عن ذلك وترك اشتغالهم بذلك أنهم عرفوا موافقته لما معهم من التوراة؛ ففيه آية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم...

فلما لم يجئهم على هواهم ومرادهم كفروا به {فلعنة الله على الكافرين}.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{مصدق لما معهم} لا شبهة في أن القرآن مصدق لما معهم في أمر يتعلق بتكليفهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة واللائق بذلك هو كونه موافقا لما معهم في دلالة نبوته إذ قد عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في سائر الشرائع وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلة القرآن، لأن جميع كتب الله كذلك ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص بالنبوة وما يدل عليها من العلامات والنعوت والصفات.

[و] يحتمل أن يقال: {كفروا به} لوجوه.

(أحدها): أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه، فلما بعث الله تعالى محمدا من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول.

(وثانيها): اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار.

(وثالثها): لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به. أنه تعالى كفرهم بعدما بين كونهم عالمين بنبوته، وهذا يدل على أن الكفر ليس هو الجهل بالله تعالى فقط.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

والاستفتاح: الاستنصار. استفتحت: استنصرت. وفي الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

معطوف على قوله: {وقالوا قلوبنا غلف} [البقرة: 88] لقصد الزيادة في الإنحاء عليهم بالتوبيخ فإنهم لو أعرضوا عن الدعوة المحمدية إعراضاً مجرداً عن الأدلة لكان في إعراضهم معذرة ما ولكنهم أعرضوا وكفروا بالكتاب الذي جاء مصدقاً لما معهم والذي كانوا من قبل يستفتحون به على المشركين.

فقوله: {من عند الله} متعلق بجاءهم وليس صفة لأنه ليس أمراً مشاهداً معلوماً حتى يوصف به. وقوله: {مصدق لما معهم} وصف شأن لقصد زيادة التسجيل عليهم بالمذمة في هذا الكفر...

وقوله: {فلما جاءهم ما عرفوا} أي ما كانوا يستفتحون به أي لما جاء الكتاب الذي عرفوه كفروا به وقد عدل عن أن يقال فلما جاءهم الكتاب ليكون اللفظ أشمل فيشمل الكتاب والرسول الذي جاء به فإنه لا يجيء كتاب إلا مع رسول.

ووقع التعبير بما الموصولة دون مَن لأجل هذا الشمول ولأن الإبهام يناسبه الموصول الذي هو أعم فإن الحق أن ما تجيء لما هو أعم من العاقل...

والمراد بما عرفوا القرآن أي أنهم عرفوه بالصفة المتحققة في الخارج وإن جهلوا انطباقها على القرآن لضلالهم...

وجملة: {وكانوا من قبل يستفتحون} في موضع الحال وفائدتها هنا استحضار حالتهم العجيبة وهي أنهم كذبوا بالكتاب والرسول في حال ترقبهم لمجيئه وانتظار النصر به وهذا منتهى الخذلان والبهتان...

وجملة {لما جاءهم ما عرفوا} إلخ واحد وإعادة {لما} في الجملة الثانية دون أن يقول: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فجاءهم ما عرفوا إلخ قصد إظهار اتحاد مفاد الجملتين المفتتحتين بلما وزيادة الربط بين المعنيين حيث انفصل بالجملة الحالية فحصل بذلك نظم عجيب وإيجاز بديع، وطريقة تكرير العامل مع كون المعمول واحداً طريقة عربية فصحى.

وقوله: {فلعنة الله على الكافرين} جملة دعاء عليهم وعلى أمثالهم والدعاء من الله تعالى تقدير وقضاء لأنه تعالى لا يعجزه شيء وليس غيره مطلوباً بالأدعية...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدقا لما معهم} أخبر سبحانه وتعالى أنهم جاءهم كتاب، وهو قد جاء مع رسول من بني إسماعيل عليه السلام بهذا الكتاب، فذكر الكتاب، وهو يقتضي أن يكون مع رسول، فأعلم بالكتاب لأن الأمر أنه كتاب يشتمل على المواثيق مثل المواثيق التي أخذت عليهم، ونقضوها، فهو ميثاق جديد للمواثيق التي جاءتهم من قبل، ولم يذكر اسم الرسول؛ لأن الاعتبار لهذا الكتاب الذي وصفه تعالى بوصفين:

أنه من عند الله تعالى، وما يكون من عند الله جدير بأن يتقبلوه بقبول حسن، وأن يأخذوه بمأخذ الطاعة لأوامره ونواهيه.

والوصف الثاني: أنه مصدق لما معهم، فهو مصدق لما جاء في التوراة من وصف للنبي صلى الله عليه وسلم، ومصدق للمواثيق التي أخذت عليهم من ألا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئا، وأن يحسنوا إلى الأبوين وذوي القربى واليتامى والمساكين، وابن السبيل، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وأن يقولوا للناس حسنا من القول، ويترتب على ذلك المعاملة الطيبة، وإن هذا النبي الذي جاء معه الكتاب الذي أنزله الله تعالى، وهو مصدق لما معهم من أوامر ونواه ومواثيق أخذت عليهم بقوة، قد كانوا يعلمون بمجيئه ويتوقعونه و [ليس] معنى تصديق الكتاب لما معهم أنه تصديق لما معهم من كتاب كانوا يكتبونه بأيديهم، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، حتى يجيء بعض البهتانيين الكاذبين من دعاة نصرانية بولس، فيقولون إن القرآن صدق ما بأيديهم من محرف التوراة المحرفة والمنحرفة والإنجيل المحرف، إنما صدق القرآن الأوامر الأصلية مما اشتمل المواثيق التي أخذت عليهم بقوة، ولم يصدق الذي حرفوه ولا المنحرف عن الحق والخلق المستقيم...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

لقد كان اليهود يعيشون في المدينة.. وكان معهم الأوس والخزرج وعندما تحدث بينهم خصومات كانوا يهددونهم بالرسول القادم... فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به وبما أنزل عليه من القرآن.

واليهود في كفرهم كانوا أحد أسباب نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم... لأن الأوس والخزرج عندما بعث الرسول عليه الصلاة والسلام قالوا هذا النبي الذي يهددنا به اليهود وأسرعوا يبايعونه... فكأن اليهود سخرهم الله لنصرة الإسلام وهم لا يشعرون. والرسول عليه الصلاة والسلام كان يذهب إلى الناس في الطائف... وينتظر القبائل عند قدومها إلى مكة في موسم الحج ليعرض عليهم الدعوة فيصدونه و يضطهدونه... وعندما شاء الله أن تنتشر دعوة الإسلام جاء الناس إلى مكة ومعهم الأوس والخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذهب هو إليهم، وأعلنوا مبايعته والإيمان برسالته ونشر دعوته.. دون أن يطلب عليه الصلاة والسلام منهم ذلك... ثم دعوه ليعيش بينهم في دار الإيمان... كل هذا تم عندما شاء الله أن ينصر الإسلام بالهجرة إلى المدينة وينصره بمن اتبعوه. { {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا}... أي أنهم قبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستفتحون بأنه قد أطل زمن رسول سنؤمن به ونتبعه... فلما جاء الرسول كذبوه وكفروا برسالته.

وقوله تعالى: {على الذين كفروا}.. أي كفار المدينة من الأوس والخزرج الذين لم يكونوا أسلموا بعد...

لأن الرسول لم يأت...

[و] الحق سبحانه وتعالى يعطينا تمام الصورة في قوله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين}. وهكذا نرى أن بني إسرائيل فيهم جحود مركب جاءهم الرسول الذي انتظروه وبشروا به... ولكن أخذهم الكبر رغم أنهم موقنون بمجيء الرسول الجديد وأوصافه موجودة عندهم في التوراة إلا أنهم رفضوا أن يؤمنوا فاستحقوا بذلك لعنة الله...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

{وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا...}

وهكذا تستطيع الأهواء والمصالح الشخصية أن تقف بوجه طالب الحقيقة، مهما كان الفرد عاشقاً لهذه الحقيقة وتوّاقاً للوصول إليها فيتركها ويعرض عنها، بل تستطيع الأهواء أيضاً أن تحوّل هذا الفرد إلى عدوّ لدود لهذه الحقيقة...