معاني القرآن للفراء - الفراء  
{وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} (89)

وقوله : { وَلَما جاءهم كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ . . . }

[ إن شئت ] رفعتَ المصدِّق ونويتَ أن يكون نعتاً للكتاب لأنّه نكرةٌ ، ولو نصبته على أن تجعل المصدِّق فِعْلا للكتاب لكان صوابا . وفي قراءة عبد الله في آل عمران : " ثُمَّ جاءكم رَسُولٌ مُصَدِّقاً " فجعله فِعلا . وإذا كانت النكرة قد وُصِلت بشيء سوى نعتها ثم جاء النّعت ، فالنّصْب على الفعل أمكنُ منه إذا كانت نكرة غير موصولةٍ ، وذلك لأنّ صلة النكرة تَصيرُ كالموقِّتة لها ، ألا تَرى أنك إذا قلتَ : مررتُ برجل في دارك ، أو بعبدٍ لك في دارك ، فكأنّك قلت : بعبدك أو بسايس دابّتك ، فقس على هذا ؛ وقد قال بعض الشعراء :

لو كان حَيّ ناجياً لَنجَا *** مِنْ يومِهِ المُزَلَّمُ الأَعْصَمْ

فنصب ولم يصل النّكرةَ بشيء وهو جائزٌ . فأما قوله : { وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانا عَرَبِيّاً } فإنّ نصب الِّلسان على وجهين ؛ أحدُهما أن تُضْمر شيئا يقعُ عليه المصدّقُ ، كأنك قلت : وهذا يصدّق التوراةَ والإنجيلَ { لِسانا عربيّاً } لأنّ التوراة والإنجيل لم يكونا عربيّين ، فصار اللسان العربيّ مفسِّرا . وأما الوجْهُ الآخرُ فعلى ما فسّرت لك لما وصلت الكتاب بالمصدِّق أخرجتَ " لسانا " مما في " مُصَدّق " مِن الرّاجع مِن ذكره . ولو كان الّلسان مرفوعا لكان صواباً ؛ على أنه نعتٌ وإن طال .

/خ90