روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ} (5)

{ يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ البعث } الخ إقامة للحجة التي تلقم المجادلين في البعث حجراً إثر الإشارة إلى ما يؤل إليه أمرهم ، واستظهر أن المراد بالناس هنا الكفرة المجادلون المنكرون للبعث ، والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب أي الشك مع أنهم جازمون بعدم إمكانه إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم وإن كانوا في غاية ما يكون من المكابرة والعناد هو الارتياب في شأنه ، وأما الجزم بعدم الإمكان فخارج من دائرة الاحتمال كما أن تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن حقه أن يكون ضعيفاً مشكوك الوقوع ، وإما للتنبيه على أن جرمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح دلائل الإمكان ونهاية قوتها . وإنما لم يقل وإن ارتبتم في البعث للمبالغة في تنزيه أمره عن شائبة وقوع الريب والإشعار بأن ذلك إن وقع فمن جهتهم لا من جهته ، واعتبار استقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته ، ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة للريب ، واستظهر أن المراد في ريب من إمكان البعث لأنه الذي يقتضيه ما بعد ، وجوز أن يكون المراد من وقوع البعث ، واعترض بأن الدليل المشار إليه فيما بعد إنما يدل على الإمكان مع ما يلزم من التكرار مع قوله تعالى الآتي : { إِنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِي القبور } [ الحج : 7 ] وفيه تأمل فتأمل ، وقرأ الحسن { مّنَ البعث } بفتح العين وهي لغة فيه كالجلب والطرد في الجلب والطرد عند البصريين ، وعند الكوفيين إسكان العين تخفيف وهو قياسي في كل ما وسطه حرف حلق كالنهر والنهر والشعر والشعر .

وقوله تعالى : { فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ } دليل جواب الشرط أو هو الجواب بتأويل أي وإن كنتم في ريب من البعث فانظروا إلى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم فإنا خلقناكم الخ ، وقيل : التقدير فأخبركم وأعلمكم أنا خلقناكم الخ وليس بذاك ، وخلقهم من تراب في ضمن خلق آدم عليه السلام منه أو بخلق الأغذية التي يتكون منها المني منه وهي وإن تكونت من سائر العناصر معه إلا أنه أعظم الأجزاء على ما قيل فلذلك خصه بالذكر من بينها ، واختير الأول وجعل المعنى خلقناكم خلقاً إجمالياً من تراب { ثُمَّ } خلقناكم خلقاً تفصيلياً { مِن نُّطْفَةٍ } أي منى من النطف بمعنى التقاطر ، وقال الراغب : النطفة الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل ، قيل والتخصيص على هذا مع أن الخلق من ماءين لأن معظم أجزاء الإنسان مخلوق من ماء الرجل ، والحق أن النطفة كما يعبر بها عن منى الرجل يعبر بها عن المنى مطلقاً وكلام الراغب ليس نصاً في نفي ذلك ، والظاهر أن المراد النطفة التي يخلق منها كل واحد بلا واسطة ، وقيل : المراد نطفة آدم عليه السلام وحكى ذلك عن النقاش وهو من البعد في غايته .

{ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } أي قطعة من الدم جامدة متكونة من المنى { ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } أي قطعة من اللحم متكونة من العلقة وأصلها قطعة لحم بقدر ما يمضغ { مُّخَلَّقَةٍ } بالجر صفة { مُضْغَةً } وكذا قوله تعالى : { وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } .

وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما على الحال من النكرة المتقدمة وهو قليل وقاسه سيبويه ، والمشهور المتبادر أن المخلقة المستبينة الخلق أي مضغة مستبينة الخلق مصورة ومضغة لم يستبن خلقها وصورتها بعد ، والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولاً قطعة لم يظهر فيها شيء من الأعضاء ثم ظهرت بعد ذلك شيئاً فشيئاً وكان مقتضى الترتيب المبني على التدرج من المبادىء البعيدة إلى القريبة أن يقدم غير المخلقة وإنما أخرت لكونها عدم ملكة ، وصيغة التفعيل لكثرة الأعضاء المختص كل منها بخلق وصورة ، وقيل : المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب يقال خلق السواك والعود سواه وملسه وصخرة خلقاء أي ملساء وجبل أخلق أي أملس ؛ فالمعنى من نطفة مسواة لا نقص فيها ولا عيب في ابتداء خلقها ونطفة غير مسواة فيها عيب فالنطف التي يخلق منها الإنسان متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم ، وعن مجاهد . وقتادة . والشعبي . وأبي العالية . وعكرمة أن المخلقة التي تم لها مدة الحمل وتوارد عليها خلق بعد خلق وغير المخلقة التي لم يتم لها ذلك وسقطت ، واستدل له بما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول » . وابن جرير . وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك الأرحام بكفه فقال : يا رب مخلقة أم غير مخلقة ؟ فإن قيل : غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفها الرحم دماً وإن قيل : مخلقة قال : يا رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد ما الأجل وما الأثر وما الرزق وبأي أرض تموت ؟ الخبر وهو في حكم المرفوع ، والمراد أنهم خلقوا من جنس هذه النطفة الموصوفة بالتامة والساقطة لا أنهم خلقوا من نطفة تامة ومن نطفة ساقطة إذ لا يتصور الخلق من النطفة الساقطة وهو ظاهر ، وكان التعرض على هذا لوصفها بما ذكر لتعظيم شأن القدرة وفي جعل كل واحدة من هذه المراتب مبدأ لخلقهم لا لخلق ما بعدها من المراتب كما في قوله تعالى { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة } [ المؤمنون : 14 ] الآية مزيد دلالة على عظم قدرته تعالى : { لّنُبَيّنَ لَكُمْ } متعلق بخلقنا ، وترك المفعول لتفخيمه كماً وكيفاً أي خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم ما لا يحصره العبارة من الحقائق والدقائق التي من جملتها أمر البعث فإن من تأمل فيما ذكر من الخلق التدريجي جزم بأن من قدر على خلق البشر أولاً من تراب لم يذق ماء الحياة قط وإنشائه على وجه مصحح لتوليد مثله مرة بعد أخرى بتصريفه في أطوار الخلقة وتحويله من حال إلى حال مع ما بين تلك الأطوار والأحوال من المخالفة والتباين فهو قادر على إعادته بل هي أهون في القياس ، وقدر بعضهم المفعول خاصاً أي لنبين لكم أمر البعث وليس بذاك .

وأبعد جداً من زعم أن المعنى لنبين لكم أن التخليق اختيار من الفاعل المختار ولولا ذلك ما صار بعض أفراد المضغة غير مخلق ، وقرأ ابن أبي عبلة { لِيُبَيّنَ } بالياء على طريق الالتفات وكذا قرأ قوله تعالى :

{ وَنُقِرُّ في الأرحام مَا نَشَاء } وقرأ الجمهور بالنون ، والجملة استئناف مسوق لبيان حالهم بعد تمام خلقهم وتوارد الأطوار عليهم أي ونقر في الأرحام بعد ذلك ما نشاء أن نقره فيها { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو وقت الوضع وأدناه ستة أشهر وأقصاه عندنا سنتان وعند الشافعي عليه الرحمة أربع سنين ، وعن يعقوب أنه قرأ { وَنُقِرُّ } بفتح النون وضم القاف من قررت الماء إذا صببته ، وقرأ يحيى بن وثاب ما نشاء بكسر النون .

{ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ } أي من الأرحام بعد إقراركم فيها عند تمام الأجل المسمى { طِفْلاً } حال من ضمير المخاطبين ، والإفراد إما باعتبار كل واحد منهم أو بإرادة الجنس الصادق على الكثير أو لأنه مصدر فيستوي فيه الواحد وغيره كما قال المبرد أو لأن المراد طفلاً طفلاً فاختصر كما نقله الجلال السيوطي في الأشباه النحوية .

وقرأ عمر بن { شبة } يخرجكم بالياء { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } أي كمالكم في القوة والعقل والتمييز ، وفي «القاموس » حتى يبلغ أشده ويضم أوله أي قوته وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين واحد جاء على بناء الجمع كأنك ولا نظير لهما أو جمع لا واحد له من لفظه أو واحده شدة بالكسر مع أن فعلة لا تجمع على أفعل أي قياساً فلا يرد نعمة وأنعم أو شد ككلب وأكلب أو شد كذئب وأذؤب وما هما بمسموعين بل قياس و { لِتَبْلُغُواْ } ، قال العلامة : أبو السعود : علة لنخرجكم معطوف على علة أخرى مناسبة لها كأنه قيل ثم نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ثم لتبلغوا الخ ، وقيل علة لمحذوف والتقدير ثم نمهلكم لتبلغوا الخ .

وجوز العلامة الطيبي أن يكون التقدير { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } كان ذلك الإقرار والإخراج ؛ وقيل إنه عطف على نبين ، وتعقبه العلامة بأنه مخل بجزالة النظم الكريم وجعله كغيره عطفاً عليه على قراءة { نُقِرَ } .

ونخرج بالنصب وهي قراءة المفضل . وأبي حاتم إلا أن الأول قرأ بالنون والثاني قرأ بالياء ، وكذا جعل الفعلين عطفاً عليه وقال : المعنى خلقناكم على التدريج المذكور لأمرين ، أحدهما : أن نبين شؤوننا ، والثاني : أن نقركم في الأرحام ثم نخرجكم صغاراً ثم لتبلغوا أشدكم ، وتقديم التبيين على ما بعده مع أن حصوله بالفعل بعد الكل للإيذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات ، وإعادة اللام في { لِتَبْلُغُواْ } مع تجريد نقر { وَنُخْرِجُ } عنها للإشعار بأصالة البلوغ بالنسبة إلى الإقرار والإخراج إذ عليه يدور التكليف المؤدي إلى السعادة والشقاوة ، وإيثار البلوغ مسنداً إلى المخاطبين على التبليغ مسنداً إليه تعالى كالأفعال السابقة لأنه المناسب لبيان حال اتصافهم بالكمال واستقلالهم بمبدئية الآثار والأفعال اه .

وما ذكره من عطف { نُقِرَ } ونخرج . بالنصب على { نُبَيّنُ } لم يرتضه الشيخ ابن الحاجب ، قال في «شرح المفصل » : أنه مما يتعذر فيه النصب إذ لو نصب عطفاً على { نُبَيّنُ } ضعف المعنى إذ اللام في لنبين للتعليل لما تقدم والمقدم سبب للتبيين فلو عطف { وَنُقِرُّ } عليه لكان داخلاً في مسببية { إِنَّا خلقناكم } الخ وخلقهم من تراب ثم ما تلاه لا يصلح سبباً للإقرار في الأرحام ، وقال الزجاج : لا يجوز في { وَنُقِرُّ } إلا الرفع ولا يجوز أن يكون معناه فعلنا ذلك لنقر في الأرحام لأن الله تعالى لم يخلق الأنام ليقرهم في الأرحام وإنما خلقهم ليدلهم على رشدهم ولأصحهم وهو قول بعدم جواز عطفه على نبين .

وأجيب بأن الغرض في الحقيقة هو بلوغ الأشد والصلوح للتكليف لكن لما كان الإقرار وما تلاه من مقدماته صح إدخاله في التعليل ، وما ذكره من أن العطف على نبين على قراءة الرفع مخل بجزالة النظم الكريم فالظاهر أنه تعريض بالزمخشري حيث جعل العطف على ذلك ، وقال فإن قلت : كيف يصح عطف { لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } على { لّنُبَيّنَ } ولا طباق قلت : الطباق حاصل لأن قوله تعالى : { وَنُقِرُّ } قرين للتعليل ومقارنته له والتباسه به ينزلانه منزلة نفسه فهو راجع من هذه الجهة إلى متانة القراءة بالنصب اه . وفيه ما يومئ إلى أن قراءة النصب أوضح كما أنها أمتن ، ولم يرتض ذلك المحققون ففي «الكشف » أن القراءة بالرفع هي المشهورة الثابتة في السبع وهي الأولى وقد أصيب بتركيبها هكذا شاكلة الرمي حتى لم يجعل الإقرار في الأرحام علة بل جعل الغرض منه بلوغ الأشد وهو حال الاستكمال علماً وعملاً وحيث لم يعطف على { لّنُبَيّنَ } إلا بعد أن قدم عليه { وَنُقِرُّ } ثم نخرج مجعولاً { نُقِرَ } عطفاً على { إِنَّا خلقناكم } والعدول إلى المضارع لتصوير الحال والدلالة على زيادة الاختصاص فالطباق حاصل لفظاً ومعنى مع أن في الفصل بين العلتين من النكتة ما لا يخفى على ذي لب حسن موقعها بعد التأمل ، وكذلك في الإتيان بثم في قوله سبحانه : { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ } دلالة على أنه الغرض الأصيل الذي خلق الإنسان له { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ولما كانت الأوائل في الدلالة على البعث أظهر قدم قوله تعالى : { لّنُبَيّنَ } على الإقرار والإخراج اه .

ويعلم منه ما في قول العلامة : إن عطف { لِتَبْلُغُواْ } الخ على { لّنُبَيّنَ } مخل بجزالة النظم الكريم وأنه لا يتعين الاستئناف في { وَنُقِرُّ } وفيه أيضاً أن قوله تعالى : { وَمِنكُمْ مَّن يتوفى } الخ استئناف لبيان أقسام الإخراج من الرحم كما استوفى أقسام الأول وفيه تبيين تفصيل حال بلوغ الأشد وأنها الحقيق بأن تكون مقصودة من الإنشاء لكن منهم من لا يصل إليها فيحتضر ومنهم من يجاوزها فيحتقر أي منكم من يموت قبل بلوغ الأشد { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } أي أرداه وأدناه ، والمراد يرد إلى مثل زمن الطفولية { لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ } أي علم كثير { شَيْئاً } أي شيئاً من الأشياء أو شيئاً من العلم ، واللام متعلقة بيرد وهي لام العاقبة والمراد المبالغة في انتقاص علمه وانتكاس حاله وليس لزمان ذلك الرد حد محدود بل هو مختلف باختلاف الأمزجة على ما في «البحر » وإيراد الرد والتوفي على صيغة المبني للمفعول للجري على سنن الكبرياء لتعين الفاعل كما في إرشاد العقل السليم ، وفي «شرح الكشاف » للطيبي بعد تجويز أن يكون { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ } بتقدير { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ } كان ذلك الإقرار والإخراج أن فائدة ذلك الإيذان بأن بلوغ الأشد أفضل الأحوال والإخراج أبدعها والرد إلى أرذل العمر أسوؤها وتغيير العبارة لذلك ومن ثم نسب الإخراج إلى ذاته تعالى المقدسة وحذف المعلل في الثاني ولم ينسب الثالث إلى فاعله وسلب فيه ما أثبت للإنسان في تلك الحالة من اتصافه بالعلم والقدرة المومئ إليه بالأشد كأنه قيل ثم يخرجكم من تلك الأطوار الخسيسة طفلاً إنشاء غريباً كما قال سبحانه : { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] ثم لتبلغوا أشدكم دبر ذلك التدبير العجيب لأنه أوان رسوخ العلم والمعرفة والتمكن من العمل المقصودين من الإنشاء ثم يميتكم أو يردكم إلى أرذل العمر الذي يسلب فيه العلم والقدرة على العمل اه .

ويفهم منه جواز أن يكون المراد ومنكم من يتوفى بعد بلوغ الأشد ، ومن الناس من جوز أن يكون المراد ومنكم من يتوفى عند البلوغ ، وقيل : إن ذلك بجعل الجملة حالية ومن صيغة المضارع وهو كما ترى . وقرئ { يَتَوَفَّى } على صيغة المعلوم وفاعله ضمير الله تعالى أي من يتوفاه الله تعالى ، وجوز أن يكون ضمير من أي { مِنْ } يستوفي مدة عمره ، وروي عن أبي عمرو . ونافع تسكين ميم العمر .

هذا ثم لا يخفى ما في اختلاف أحوال الإنسان بعد الإخراج من الرحم من التنبيه على صحة البعث كما في اختلافها قبل فتأمل جميع ما ذكر ولله تعالى در التنزيل ما أكثر احتمالاته { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً } حجة أخرى على صحة البعث معطوفة على { إِنَّا خلقناكم } وهي حجة آفاقية وما تقدم حجة أنفسية والخطاب لكل أحد من تتأتى منه الرؤية ، وقيل : للمجادل ، وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار وهي بصرية لا علمية كما قيل ، و { هَامِدَةً } حال من { الارض } أي ميتة يابسة يقال همدت الأرض إذا يبست ودرست وهمد الثوب إذا بلى ؛ وقال الأعشى

: قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا *** وأرى ثيابك باليات همدا

وأصله من همدت النار إذا صارت رماداً { فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء } أي ماء المطر ، وقيل : ما يعمه وماء العيون والأنهار وظاهر الإنزال يقتضي الأول { اهتزت } تحرك نباتها فالإسناد مجازي أو تخلخلت وانفصل بعض أجزائها عن بعض لأجل خروج النبات وحمل الاهتزاز على الحركة في الكيف بعيد { وَرَبَتْ } ازدادت وانتفخت لما يتداخلها من الماء والنبات .

وقرأ أبو جعفر . وعبد الله بن جعفر . وخالد بن إلياس . وأبو عمرو في رواية { وربأت } بالهمز أي ارتفعت يقال فلأن يربأ بنفسه عن كذا أي يرتفع بها عنه ، وقال ابن عطية : هو من ربأت القوم إذا علوت شرفاً من الأرض طليعة عليهم فكأن الأرض بالماء تتطاول وتعلو { وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ } أي صنف { بَهِيجٍ } حسن سار للناظر .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ} (5)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم ذكر صنعه ليعتبروا في البعث فقال سبحانه: {يا أيها الناس} يعني: كفار مكة {إن كنتم في ريب من البعث} يعني: في شك من البعث بعد الموت، فانظروا إلى بدء خلقكم {فإنا خلقناكم من تراب} ولم تكونوا شيئا {ثم من نطفة ثم من علقة} مثل الدم {ثم من مضغة مخلقة} يعني: من النطقة مخلقة {وغير مخلقة}... {لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء} فلا يكون سقطا {إلى أجل مسمى} يقول: خروجه من بطن أمه ليعتبروا في البعث، ولا يشكوا فيه أن الذي بدأ خلقكم، لقادر على أن يعيدكم بعد الموت. ثم قال سبحانه: {ثم نخرجكم} من بطون أمهاتكم {طفلا ثم لتبلغوا أشدكم} ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة {ومنكم من يتوفى} من قبل أن يبلغ أشده {ومنكم من يرد} بعد الشباب {إلى أرذل العمر} يعني: الهرم {لكيلا يعلم من بعد علم} كان يعلمه {شيئا} فذكر بدء الخلق، ثم ذكر الأرض الميتة كيف يحيها ليعتبروا في البعث، فإن البعث ليس بأشد من بدء الخلق، ومن الأرض حين يحييها من بعد موتها، فذلك قوله سبحانه: {وترى الأرض هامدة}، يعني: ميتة ليس [فيها] نبت... {فإذا أنزلنا عليها الماء} يعني: المطر {اهتزت} الأرض، يعني: تحركت بالنبات... ثم قال للأرض: {وربت} يعني: وأضعفت النبات {وأنبتت من كل زوج بهيج}، يعني: من كل صنف من النبات حسن.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

هذا احتجاج من الله على الذي أخبر عنه من الناس أنه يجادل في الله بغير علم، اتباعا منه للشيطان المريد وتنبيه له على موضع خطأ قيله وإنكاره ما أنكر من قدرة ربه. قال: يا أيها الناس إن كنتم في شكّ من قدرتنا على بعثكم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكُم استعظاما منكم لذلك، فإن في ابتدائنا خلق أبيكم آدم صلى الله عليه وسلم من تراب، ثم إنشائناكم من نطفة آدم، ثم تصريفناكم أحوالاً حالاً بعد حال، من نطفة إلى علقة، ثم من علقة إلى مُضغة، لكم معتبرا ومتعظا تعتبرون به، فتعلمون أن من قدر على ذلك فغير متعذّر عليه إعادتكم بعد فنائكم كما كنتم أحياء قبل الفناء.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"مخلّقةٍ وغَيْرِ مُخَلّقَةٍ"؛

فقال بعضهم: هي من صفة النطفة. قال: ومعنى ذلك: فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة مخلقة وغير مخلقة قالوا: فأما المخلقة فما كان خلقا سَوِيّا وأما غير مخلقة فما دفعته الأرحام من النّطَف وألقته قبل أن يكون خلقا... وقال آخرون: معنى قلك: تامة وغير تامة... وقال آخرون: معنى ذلك المضغة مصورة إنسانا وغير مصوّرة، فإذا صوّرت فهي مخَلقة وإذا لم تصوّر فهي غير مخَلقة...

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: المخلقة المصورة خلقا تامّا، وغير مخلقة: السّقط قبل تمام خلقه لأن المخلقة وغير المخلقة من نعت المضغة والنطفة بعد مصيرها مضغة، لم يبق لها حتى تصير خلقا سويّا إلا التصوير وذلك هو المراد بقوله: مُخَلّقَةٍ وغَيرِ مُخَلّقَةٍ خلقا سويّا، وغير مخلقة بأن تلقيه الأم مضغة ولا تصوّر ولا ينفخ فيها الروح.

وقوله: "لِنُبَيّنَ لَكُمْ "يقول تعالى ذكره: جعلنا المضغة منها المخلقة التامة ومنها السقط غير التامّ، لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء ونعرّفكم ابتداءنا خلقكم.

وقوله: "وَنُقِرّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمّى" يقول تعالى ذكره: من كنا كتبنا له بقاء وحياة إلى أمد وغاية، فإنا نقرّه في رحم أمه إلى وقته الذي جعلنا له أن يمكث في رحمها فلا تسقطه ولا يخرج منها حتى يبلغ أجله، فإذا بلغ وقت خروجه من رحمها أذنا له بالخروج منها، فيخرج...

وقوله: "ثُمّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً" يقول تعالى ذكره: ثم نخرجكم من أرحام أمهاتكم إذا بلغتم الأجل الذي قدرته لخروجكم منها طفلاً صغارا ووحّد «الطفل»، وهو صفة للجميع، لأنه مصدر مثل عدل وزور.

وقوله: "ثُمّ لِتَبْلُغُوا أشُدّكُمْ" يقول: ثم لتبلغوا كمال عقولكم ونهاية قواكم بعمركم...

يقول تعالى ذكره: ومنكم أيها الناس من يُتَوفى قبل أن يبلغ أشدّه فيموت، ومنكم من يُنْسَأ في أجله فيعمر حتى يهرم فيردّ من بعد انتهاء شبابه وبلوغه غاية أشدّه إلى أرذل عمره، وذلك الهرم، حتى يعود كهيئته في حال صباه لا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئا. ومعنى الكلام: ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر بعد بلوغه أشدّه لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ كان يعلمه شَيْئا.

وقوله: "وَتَرَى الأرْضَ هامِدَةً" يقول تعالى ذكره: وترى الأرض يا محمد يابسة دارسة الآثار من النبات والزرع. وأصل الهمود: الدروس والدثور... عن ابن جُرَيج، في قوله: وَتَرَى الأرْضَ هامدَةً قال: لا نبات فيها...

وقوله: "فإذَا أنْزَلْنا عَلَيْها المَاء اهْتَزّتْ" يقول تعالى ذكره: فإذا نحن أنزلنا على هذه الأرض الهامدة التي لا نبات فيها المطرَ من السماء "اهْتَزّتْ" يقول: تحركت بالنبات، "وَرَبَتْ" يقول: وأضعفت النبات بمجيء الغيث...

وقوله: "وأنْبَتَتْ مِنْ كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" يقول جلّ ثناؤه: وأنبتت هذه الأرض الهامدة بذلك الغيث مِنْ كُلّ نوع بهيج. يعني بالبهيج: البهج، وهو الحسن.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

تأويله، والله أعلم، أن كيف تشكون في البعث، وتنكرونه، وليس سبب إنكاركم البعث إلا أن تصيروا تراباً أو ماءً في العاقبة وقد كنتم في مبادئ أحوالكم ترابا وماء، فكيف أنكرتم بعثكم إذا صرتم ترابا؟ أو أن يكون معناه: أن كيف أنكرتم البعث، وقد رأيتم أنه يقلبكم من حال النطفة إلى حال العلقة ومن العلقة إلى المضغة، ولا يقلب من حال إلى حال بلا عاقبة تقصد.

فلو لم يكن بعث كما تزعمون لكان خلقكم وتقليبكم من حال إلى حال عبثا على ما أخبر أن خلق الخلق لا للرجوع إليه عبث قوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115] صير خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثا، فعلى ذلك الأول.

أو يكون تأويله، والله أعلم، {فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة} إلى آخر الآية؛ ولو اجتمع حكماء البشر وعلماؤهم ليعرفوا السبب الذي خلق البشر من ذلك التراب أو من النطفة ما قدروا عليه، وما وجدوا للبشر فيه أثرا ولا معنى للبشرية فيه، فمن قدر على ابتداء إنشاء هذا العالم من التراب أو من النطفة من غير سبب، يوجد فيه، ولا أثر فهو قادر على إعادتهم، وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من الابتداء. فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر.

وقوله تعالى: {ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة} قال بعضهم: {مخلقة} أي تامة {وغير مخلقة} أي غير تامة خلقا، وهو الأشبه لأن التشديد إنما يذكر لتكثير خلق الفعل، والتخفيف لتقليله. فكأنه قال: {مخلقة} أي قد أتم خلقها من الجوارح والأعضاء {وغير مخلقة} أي غير تامة خلقا بل ناقصة...

وقوله تعالى: {ثم لتبلغوا أشدكم}... وأصل الأشد هو اشتداد كل شيء، وتقوي كل شيء عنه من الجوارح والأعضاء، وكل ما ركب فيه من العقل وغيره. ثم عند ذلك يبين لهم. ويكون قوله: {لنبين لكم} بعد هذا كله إذا بلغوا المبلغ الذي تعرفون تقليبه إياكم من حال إلى حال على ما ذكر.

ثم يحتمل قوله: {لنبين لكم} وجوها:

أحدها: يبين قدرته وسلطانه أن من قدر على تحويلهم من حال التراب إلى حال الإنسانية والبشرية ومن حال النطفة إلى حال العلقة ثم إلى آخر ما ذكر يقدر على البعث والإحياء بعدما صاروا ترابا.

والثاني: يبين علمه في الظلمات الثلاث التي كان الولد فيها: أن كيف قَلَّبَهُ من حال إلى حال في تلك الظلمات ليعلموا أنه لا يخفى عليه شيء.

والثالث: يبين حكمته وتدبيره في خلق الإنسان من التراب ومن النطفة ما لو اجتمع جميع الحكماء من البشر والعلماء ليعرفوا المعنى الذي به خلق الإنسان منه، وصار به بشرا، ما قدروا عليه، ولا عرفوا السبب الذي به صار كذلك ليعلموا أنه حكيم بذاته وعالم قادر بذاته لا بتعليم غيره ولا بأقدار غيره.

فمن كان هذا سبيله لا يعجزه شيء، ينشئ الأشياء من الأشياء ولا من الأشياء على ما شاء وكيف شاء.

وقوله تعالى: {ومنكم من يتوفى} أي يتوفى قبل أن يبلغ أشده. دليله: قوله: {ومنكم من يتوفى} أي من قبل أن يبلغ ذلك المبلغ، وهو الأشد {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} أي إلى وقت يستقذر منه، ويستخبث.

ليس كالصغير، لأن الصغير والطفل مما يؤمل منه في العاقبة المنافع والزيادات، وهذا لا يرجى منه، ولا يؤمل منه العاقبة. كلما مر عليه وقت كان أضعف في عقله ونفسه. ولا كذلك الصغير، وهو ما قال: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعف وشيبة} [الروم: 54].

قال القتبي: {أرذل العمر} أي الخرف والهرم.

وقوله تعالى: {لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} أي لكيلا يعلم من بعدما كان يعلمه شيئا.

ثم ذكر قدرته وسلطانه، فقال: {وترى الأرض هامدة} قال بعضهم: ميتة. وقيل: خاشعة، وقيل: يابسة. وقيل: بالية.

وقوله تعالى: {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} قال الزجاج: {وربت} من الزيادة والنماء. وكذلك قال أبو عوسجة: يقال: ربا يربو، أي زاد، وهو الربا، وربوات من الارتفاع، ربا يربو ربوة كقوله: {وآويناهما إلى ربوة ذات قرارا ومعين} [المؤمنون: 50].

ثم أضاف الاهتزاز والزيادة إلى الأرض، وهي لا تهتز، ولا تربو. وإنما يربو، ويهتز ما يخرج منها من النبات. لكن أضاف ذلك إليها لما بها كان اهتزاز ذلك النبات، وبها كان النماء، فأضيف إليها، أو إن كان من الارتفاع والربوة فهي ترتفع، وتنتفخ، وتهتز بالمطر.

وقوله تعالى: {وأنبتت من كل زوج بهيج} قيل: البهيج: الحسن. يخبر في هذا عن كل قدرته وسلطانه أن من قدر على إحياء الأرض بعدما كانت يابسة ميتة هو قادر على إحياء الموتى بعد الموت وبعدما صاروا ترابا.

وقوله تعالى: {من كل زوج بهيج} أي من كل جنس حسن بهيج، أي يسر، وهو فعيل بمعنى فاعل. يقال: امرأة ذات خلق باهج.

قال أبو عوسجة: الهَامِدُ البالي، يقال: همد الثوب إذا بلي، والهامد أيضا الخامد، خمدت النار تخمد خمودا.

وقال بعضهم: قوله: {وربت} أي ضاعفت النبات.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والريب أقبح الشك "فإنا خلقناكم من تراب "قال الحسن: المعنى خلقنا آدم من تراب الذي هو أصلكم وأنتم نسله. وقال قوم: أراد به جميع الخلق، لأنه إذا أراد خلقهم من نطفة، والنطفة يجعلها الله من الغذاء، والغذاء ينبت من التراب والماء، فكان أصلهم كلهم التراب،...

وانما قيل: أرذل العمر، لأن الإنسان لا يرجو بعده صحة وقوة، وإنما يترقب الموت والفناء، بخلاف حال الطفولية، والضعف الذي يرجو معها الكمال والتمام والقوة، فلذلك كان أرذل العمر.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

التبس عليهم جواز بعثه الخَلْق واستبعدوه غاية الاستبعاد، فلم ينكر الحق عليهم إلا بإعراضهم عن تأمل البرهان، واحتجَّ عليهم في ذلك بما قطع حجتهم، فَمَنْ تَبعَ هُداه رَشدَ، ومَنْ أصَرَّ على غَيِّه تَرَدَّى في مهواة هلاكه. واحتجَّ عليهم في جواز البعث بما أقروا به في الابتداء أن الله خَلَقَهم وأنه ينقلهم من حال إلى حال أخرى؛ فبدأهم من نطفة إلى علقة ومنها ومنها... إلى أَنْ نَقَلَهم من حال شبابهم إلى زمان شَيْبهم، ومن ذلك الزمان إلى حين وفاتهم. واحتجَّ أيضاً عليهم بما أشهدهم كيف أنه يحيي الأرض -في حال الربيع- بعد موتها، فتعود إلى ما كانت عليه في الربيع من الخضرة والحياة. والذي يَقْدِرُ على هذه الأشياء يقدر على خَلْق الحياة في الرِّمة البالية والعظام النخرة.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

العلقة: قطعة الدم الجامدة. والمضغة: اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ. والمخلقة: المسواة الملساء من النقصان والعيب. يقال: خلق السواك والعود، إذا سواه وملسه، من قولهم: صخرة خلقاء، إذا كانت ملساء، كأنّ الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة: منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم، وتمامهم ونقصانهم. وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة {لّنُبَيّنَ لَكُمْ} بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولاً، ثم من نطفة ثانياً ولا تناسب بين الماء والتراب، وقدر على أن يجعل النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاماً: قدر على إعادة ما أبدأه، بل هذا أدخل في القدرة من تلك، وأهون في القياس...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... {لكيلا يعلم} أي لينسى معارفه وعلمه الذي كان معه فلا يعلم من ذلك شيئاً. فهذا مثال واحد يقضي للمعتبر به أن القادر على هذه المناقل المتقن لها قادر على إعادة تلك الأجساد التي أوجدها بهذه المناقل إلى حالها الأولى.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه سبحانه لما حكى عنهم الجدال بغير العلم في إثبات الحشر والنشر وذمهم عليه فهو سبحانه أورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين:

أحدهما: الاستدلال بخلقة الحيوان أولا وهو موافق لما أجمله في قوله: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة}...

ثم إنه سبحانه ذكر من مراتب الخلقة الأولى أمورا سبعة:

المرتبة الأولى: قوله: {فإنا خلقناكم من تراب} وفيه وجهان: أحدهما: إنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه السلام من تراب، لقوله: {كمثل آدم خلقه من تراب} وقوله: {منها خلقناكم}، والثاني: أن خلقة الإنسان من المني ودم الطمث وهما إنما يتولدان من الأغذية، والأغذية إما حيوان أو نبات وغذاء الحيوان ينتهي قطعا للتسلسل إلى النبات، والنبات إنما يتولد من الأرض والماء، فصح قوله: {إنا خلقناكم من تراب}

المرتبة الثانية: قوله: {ثم من نطفة} والنطفة اسم للماء القليل أي ماء كان، وهو ههنا ماء الفحل...

المرتبة الثالثة: قوله: {ثم من علقة} العلقة قطعة الدم الجامدة، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة.

المرتبة الرابعة: قوله: {ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء}..

ثم للمفسرين فيه أقوال: أحدها: أن يكون المراد من تمت فيه أحوال الخلق ومن لم تتم، كأنه سبحانه قسم المضغة إلى قسمين: أحدهما: تامة الصور والحواس والتخاطيط. وثانيهما: الناقصة في هذه الأمور، فبين أن بعد أن صيره مضغة منها ما خلقه إنسانا تاما بلا نقص، ومنها ما ليس كذلك... والقول الأول أقرب لأنه تعالى قال في أول الآية: {فإنا خلقناكم} وأشار إلى الناس فيجب أن تحمل مخلقة وغير مخلقة على من سيصير إنسانا وذلك يبعد في السقط لأنه قد يكون سقطا ولم يتكامل فيه الخلقة...

المرتبة الخامسة: قوله: {ثم نخرجكم طفلا} وإنما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة على الجنس ويحتمل أن يخرج كل واحد منكم طفلا كقوله: {والملائكة بعد ذلك ظهير}.

المرتبة السادسة: قوله: {ثم لتبلغوا أشدكم} والأشد كمال القوة والعقل والتمييز، وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد، وكأنها شدة في غير شيء واحد، فبنيت لذلك على لفظ الجمع، والمراد والله أعلم ثم سهل في تربيتكم وأغذيتكم أمورا لتبلغوا أشدكم، فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد ويكون بين الحالتين وسائط،...

المرتبة السابعة: قوله: {ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} والمعنى أن منكم من يتوف على قوته وكماله، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو الهرم والخرف، فيصير كما كان في أول طفوليته ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم... فهذا تمام الاستدلال بحال خلقة الحيوان على صحة البعث.

الوجه الثاني: الاستدلال بحال خلقة النبات على ذلك وهو قوله سبحانه وتعالى: {وترى الأرض هامدة} وهمودها يبسها وخلوها عن النبات والخضرة {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} والاهتزاز الحركة على سرور، فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع فقوله: {اهتزت وربت} أي تحركت بالنبات وانتفخت.

أما قوله: {وأنبتت من كل زوج بهيج} فهو مجاز لأن الأرض ينبت منها، والله تعالى هو المنبت لذلك، لكنه يضاف إليها توسعا، ومعنى {من كل زوج بهيج} من كل نوع من أنواع النبات من زرع وغرس، والبهجة حسن الشيء ونضارته، والبهيج بمعنى المبهج.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

" ومنكم من يرد إلى أرذل العمر "أي أخسه وأدونه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر). أخرجه النسائي عن سعد، وقال: وكان يعلمهن بنيه كما يعلم المكتب الغلمان.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما حذر الناس من ذلك اليوم، وأخبر أن منهم من يكذب، وعرف بمآله، فأفهم ذلك أن منهم من يصدق به فيكون له ضد حاله، وكان كثير من المصدقين يعملون عمل المكذبين، أقبل عليهم سبحانه إقبالاً ثانياً رحمة لهم، منبهاً على أنه ينبغي أن لا يكون عندهم نوع من الشك في ذلك اليوم لما عليه من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، فقال دالاً عليه بالأمرين: {يا أيها الناس} أي كافة، ويجوز أن يراد المنكر فقط، وعبر بالناس الذي هو من أسفل الأوصاف لذلك، وإشارة إلى أن المنكر والعامل عمله -وإن كان مصدقاً- هم أكثر الناس، وعبر بأداة الشك إشارة إلى أن الذي يقتضيه الحال جزمهم به فقال: {إن} وبين أنه ما عبر به إلا للتوبيخ، لا للشك في أمرهم، بجعل الشرط ماضياً، ودل ب "كان "وبالظرف على ما تمكن الريب منهم فقال: {كنتم في ريب} أي شك وتهمة وحاجة إلى البيان {من البعث} وهو قيام الأجسام بأرواحها كما كانت قبل مماتها سواء، استعظاماً لأن نقدر عليه {فإنا خلقناكم} بقدرتنا التي لا يتعاظمها شيء {من تراب} لم يسبق له اتصاف بالحياة {ثم من نطفة} حالها أبعد شيء عن حال التراب، فإنها بيضاء سائلة لزجة صافية كما قال

(من ماء دافق} [الطارق: 6] وأصلها الماء القليل -قاله البغوي. وأصل النطف الصب- قاله البيضاوي. {ثم من علقة} أي قطعة دم حمراء جامدة، ليس فيها أهلية للسيلان {ثم من مضغة} أي قطعة لحم صغيرة جداً تطورت إليها النطفة {مخلقة} بخلقة الآدمي التمام {وغير مخلقة} أي أنشأناكم من تراب يكون هذا شأنه، وهو أنا ننقله في هذه الأطوار إلى أن يصير مضغة، فتارة يخلقها ويكون منها آدمياً، وتارة لا يخلقها بل يخرجها من الرحم فاسدة، أو تحرقها حرارته، أو غير مخلقة تخليقاً تاماً بل ناقصاً مع وجود الروح كشق الذي كان شق آدمي، وسطيح الذي كان علواً بلا سفل ونحوهما {لنبين لكم} كمال قدرتنا، وتمام حكمتنا، وأن ذلك ليس كائناً عن الطبيعة، لأنه لو كان عنها لم يختلف، فدل اختلافه على أنه عن فاعل مختار، قادر قهار، وحذف المفعول إشارة إلى أنه يدخل فيه كل ما يمكن أن يحيط به العقول.

ولما كان التقدير: فنجهض منه ما لا نشاء إتمامه، عطف عليه قوله: {ونقر في الأرحام} أي من ذلك الذي خلقناه {ما نشاء} إتمامه {إلى أجل مسمى} قدرناه لإتمامه ما بين ستة أشهر إلى ما نريد من الزيادة على ذلك، بحسب قوة الأرحام وضعفها، وقوة المخلقات وضعفها وكثرة ما تغتذيه من الدماء وقلته، وزكائه وخبثه، إلى غير ذلك من أحوال وشؤون لا يعلمها إلا بارئها، جلت قدرته، وتعالت عظمته، وأما ما لم نشأ إتمامه فإن الأرحام تمجه بقدرتنا وتلقيه دون التمام أو تحرقه فيضمحل {ثم نخرجكم} بعد ذلك {طفلاً} أي في حال الطفولة من صغر الجثة وضعف البدن والسمع والبصر وجميع الحواس، لئلا تهلكوا أمهاتكم بكبر أجرامكم، وعظم أجسامكم، وهو يقع على الجميع، وعبر به دونه للتساوي في ضعف الظاهر والباطن.

ولما ذكر أضعف الضعف ذكر أقوى القوة عاطفاً له عليه لما بينهما من المهلة بأداة التراخي فقال: {ثم} أي نمد أجلكم {لتبلغوا} بالانتقال في أسنان الأجسام فيما بين الرضاع، إلى حال اليفاع، إلى زمان الاحتلام، وقوة الشباب والتمام {أشدكم} أي نهاية كل شدة قدرناها لكل واحد منكم {ومنكم من يتوفى} قبل ما بعد ذلك من سن الشيخوخة {ومنكم من يرد} بالشيخوخة، وبناه للمجهول إشارة إلى سهولته عليه مع استبعاده لولا تكرر المشاهدة عند الناظر لتلك القوة والنشاط وحسن التواصل بين أعضائه والارتباط {إلى أرذل العمر} وهو سن الهرم فينقص جميع قواه {لكيلا يعلم}.

ولما كان السياق للقدرة على البعث الذي هو التحويل من حال الجمادية إلى ضده بغاية السرعة، أثبت "من" الابتدائية للدلالة على قرب زمن الجهل من زمن العلم، فربما بات الإنسان في غاية الاستحضار لما يعلم والحذق فيه فعاد في صبيحة ليلته أو بعد أيام يسيرة جداً من غير كبير تدريج لا يعلم شيئاً، وأفهم إسقاط حرف الانتهاء أنه ربما عاد إليه علمه، وربما اتصل جهله بالموت بخلاف ما مضى في النحل فقال: {من بعد علم} كان أوتيه {شيئاً} بل يصير كما كان طفلاً في ضعف الجواهر والأعراض، لتعلموا أن ذلك كله فعل الإله الواحد المختار، وأنه لو كان فعل الطبيعة لازداد بطول البقاء نمواً في جميع ذلك، وقد علم -بعود الإنسان في ذهاب العلم وصغر الجسم إلى نحو ما كان عليه في ابتداء الخلق- قطعاً أن الذي أعاده إلى ذلك قادر على إعادته بعد الممات، والكون على حال الرفات.

ولما تم هذا الدليل على الساعة محكم المقدمات واضح النتائج، وكان أول الإيجاد فيه غير مشاهد فعبر عنه بما يليق به، أتبعه دليلاً آخر محسوساً، وعطفه على ما أرشد إليه التقدير من نحو قوله: تجدون أيها الناس ما ذكرناه في أنفسكم، فقال: {وترى} فعبر بالرؤية {الأرض} ولما كان في سياق البعث، عبر بما هو أقرب إلى الموت فقال: {هامدة} أي يابسة مطمئنة ساكنة سكون الميت ليس بها شيء من نبت، ولعله أفرد الضمير توجيهاً إلى كل من يصلح أن يخاطب بذلك {فإذا} أي فننزل عليها ماء من مكان لا يوجد فيه ثم ينزل منه إلا بقدرة عظيمة وقهر باهر، فإذا {أنزلنا} بما لنا من العظمة {عليها الماء اهتزت} أي تحركت بنجوم النبات اهتزاز الحي، وتأهلت لإخراجه؛ قال الرازي: والاهتزاز: شدة الحركة في الجهات المختلفة. {وربت} أي انتفخت، وذلك أول ما يظهر منها للعين وزادت ونمت بما يخرج منها من النبات الناشىء عن التراب والماء {وأنبتت} بتقديرنا {من كل زوج} أي صنف عادلناه بصنف آخر جعلناه تمام نفعه به {بهيج} أي مؤنق من أشتات النباتات في اختلاف ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها، ومنافعها ومقاديرها رائقة المناظر، لائقة في العيون والبصائر...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} أي: شك واشتباه، وعدم علم بوقوعه، مع أن الواجب عليكم أن تصدقوا ربكم، وتصدقوا رسله في ذلك، ولكن إذا أبيتم إلا الريب، فهاكم دليلين عقليين تشاهدونهما، كل واحد منهما، يدل دلالة قطعية على ما شككتم فيه، ويزيل عن قلوبكم الريب. أحدهما: الاستدلال بابتداء خلق الإنسان، وأن الذي ابتدأه سيعيده. والدليل الثاني، إحياء الأرض بعد موتها.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن البعث إعادة لحياة كانت، فهو في تقدير البشر -أيسر من إنشاء الحياة. وإن لم يكن- بالقياس إلى قدرة الله -شيء أيسر ولا شيء أصعب. فالبدء كالإعادة أثر لتوجه الإرادة: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون). ولكن القرآن يأخذ البشر بمقاييسهم، ومنطقهم، وإدراكهم، فيوجه قلوبهم إلى تدبر المشهود المعهود لهم، وهو يقع لهم كل لحظة، ويمر بهم في كل برهة؛ وهو من الخوارق لو تدبروه بالعين البصيرة، والقلب المفتوح، والحس المدرك. ولكنهم يمرون به أو يمر بهم دون وعي ولا انتباه. (فإنا خلقناكم من تراب).. والإنسان ابن هذه الأرض. من ترابها نشأ، ومن ترابها تكون، ومن ترابها عاش. وما في جسمه من عنصر إلا له نظيره في عناصر أمه الأرض. اللهم إلا ذلك السر اللطيف الذي أودعه الله إياه ونفخه فيه من روحه؛ وبه افترق عن عناصر ذلك التراب. ولكنه أصلا من التراب عنصرا وهيكلا وغذاء. وكل عناصره المحسوسة من ذلك التراب. والمسافة بين عناصر التراب الأولية الساذجة والنطفة المؤلفة من الخلايا المنوية الحية، مسافة هائلة، تضمر في طياتها السر الأعظم. سر الحياة. السر الذي لم يعرف البشر عنه شيئا يذكر، بعد ملايين الملايين من السنين ثم يبقى بعد ذلك سر تحول تلك النطفة إلى علقة، وتحول العلقة إلى مضغة، وتحول المضغة إلى إنسان!...

وكم بين الطفل الوليد والإنسان الشديد من مسافات في المميزات أبعد من مسافات الزمان! ولكنها تتم بيد القدرة المبدعة التي أودعت الطفل الوليد كل خصائص الإنسان الرشيد، وكل الاستعدادات الكامنة التي تتبدى فيه وتتكشف في أوانها...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{أرذل العمر}، أي العمر المرذول الذي يكون عبئا على صاحبه...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

حياة الإنسان والطبيعة دليل على البعث تحدثت الآية السابقة عن الجدال بغير علمٍ، ومنشأه فقدان الوعي بالدار الآخرة وعدم التركيز على الجانب الفكري في العقيدة، لذا جاءت هذه الآيات لتؤكد على الدار الآخرة كحقيقةٍ إيمانيةٍ، وعلى الأسلوب العلمي في الاستدلال عليها، ليصبح الجدال من موقع العلم، منفتحاً على المسؤولية يوم القيامة. {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} أن البعث ليس أمراً بعيداً عن الوقوع، ففي حياة كل واحدٍ منكم حالة بعث من التراب إلى الحياة، ولكن الفرق أن البعث فيكم يتحرك بطريقةٍ تدريجيةٍ، بينما البعث في الآخرة يأتي بشكل كامل ودون مقدّمات.

{وَتَرَى الأرض هَامِدَةً} وهذه صورة أخرى من صور الحياة التي تنطلق من صلب الموت، حيث يتحوّل التراب الميت إلى قوّةٍ خضراء تزهو بالحياة {وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} من أنواع النبات التي تزهو في نضارتها فتبهج القلوب والأبصار.