روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (62)

وذكر بعض الأجلة أنه سبحانه بدأ السورة بقوله تعالى : { سُورَةٌ أنزلناها وفرضناها وَأَنزَلْنَا } [ النور : 1 ] وختمها بقوله عز وجل : { كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } [ النور : 85 ] ثم جعل تبارك وتعالى ختام الختم

قوله سبحانه : { إِنَّمَا المؤمنون الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } الخ دلالة على أن ملاك ذلك كله والمنتفع بتلك الآيات جمع من سلم نفسه لصاحب الشريعة لصلوات الله تعالى وسلامه عليه كالميت بين يدي الغاسل لا يحجم ولا يقدم دون إشارته صلى الله عليه وسلم ولهذه الدقيقة أورد هذه الآية شهاب الحق والدين أبوحفص عمر اليهروردي قدس سره في باب سير المريد مع الشيخ ونبه بذلك أن كل ما يرسمه من أمور الدين فهو أمر جامع .

وقال شيخ الإسلام : إن هذا استئناف جيء به في أواخر الأحكام السابقة تقريراً لها وتأكيداً لوجوب مراعاتها وتكميلاً لها ببيان بعض آخر من جنسها ، وإنما ذكر الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم صلة للموصول الواقع خبراً للمبتدأ مع تضمنه له قطعاً تقريراً لما قبله وتمهيداً لما بعده وإيذاناً بأنه حقيق بأن يجعل قريناً للايمان المذكور منتظماً في سلكه فقوله تعالى : { وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ } الخ معطوف على { ءامَنُواْ } داخل معه في حيز الصلة وبذلك يصح الحمل ، والحصل باعتبار الكمال أي إنما الكاملون في الإيمان الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن صميم قلوبهم وأطاعوا في جميع الأحكام التي من جملتها ما فصل من قبل من الأحكام المتعلقة بعامة أحوالهم المطردة في الوقوع وأحوالهم الواقعة بحسب الاتفاق كما إذا كانوا معه عليه الصلاة والسلام على أمر مهم يجب اجتماعهم في أنه كالجمعة والأعياد والحروب وغيرها من الأمور الداعية إلى الاجتماع لغرض من الأغراض ، وعن ابن زيد أن الأمر الجامع الجهاد ؛ وقال الضحاك : وابن سلام : هو كل صلاة فيها خطبة كالجمعة والعيدين والاستسقاء ، وعن ابن جبير هو الجهاد وصلاة الجمعة والعيدين ، ولا يخفى أن الأولى العموم وإن كانت الآية نازلة في حفر الخندق ولعل ما ذكر من باب التمثيل ، ووصف الأمر بالجمع مع أنه سبب له للمبالغة ، والظاهر أن ذلك من المجاز العقلي ، وجوز أن يكون هناك استعارة مكنية .

وقرأ اليماني { على أَمْرٍ جَمِيعٌ } وهو بمعنى جامع أو مجموع له على الحذف والإيصال { لَّمْ يَذْهَبُواْ } عنه صلى الله عليه وسلم { حتى يَسْتَذِنُوهُ } عليه الصلاة والسلام في الذهاب فيأذن لهم به فيذهبون فالغاية هي الإذن الحاصل بعد الاستئذان والاقتصار على الاستئذان لأنه الذي يتم من قبلهم وهو المعتبر في كمال الإيمان لا الأذن ولا الذهاب المترتب عليه واعتباره في ذلك لما أنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص عن المنافق فإن ديندنه التسلل للفرار ، ولتعظيم ما في الذهاب بغير إذنه عليه الصلاة والسلام من الجناية وللتنبيه على ذلك عقب سبحانه بقوله عز وجل : { إِنَّ الذين يَسْتَذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ } فقد جعل فيه المستأذنين هم المؤمنون عكس الأول دلالة على أنهما متعاكسان سواء بسواء ومنه يلزم أنه كالمصداق لصحة الإيمانين وكذلك من اسم الإشارة لدلالته على أن استئهال الإيمانين لذلك { فَإِذَا } بيان لما هو وظيته صلى الله عليه وسلم في هذا الباب إثر بيان ما هو وظيفة المؤمنين ، والفار لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي بعد ما تحقق أن الكاملين في الإيمان هم المستأذنون فإذا استأذنوك لبَعْض شَأْنهمْ } أي لبعض أمرهم المهم وخطبهم المسلم { فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } تفويض للأمر إلى رأيه صلى الله عليه وسلم ؛ واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه صلى الله عليه وسلم ، وهذه مسألة التفويض المختلف في جوازها بين الأصوليين وهي أن يفوض الحكم إلى المجتهد فيقال له : احكم بما شئت فإنه صواب فأجاز ذلك قوم لكن اختلفوا فقال موسى بن عمران : بجواز ذلك مطلقاً للنبي وغيره من العلماء ، وقال أبو علي الجبائي : بجواز ذلك للنبي خصة في أحد قوليه ، وقد نقل عن الإمام الشافعي عليه الرحمة في الرسالة ما يدل على التردد بين الجواز والمنغ ومنع من ذلك الباقون .

والمجوزون اختلفوا في الوقوع ، قال الآمدي : والمختار الجواز دون الوقوع ، وقد أطال الكلام في هذا المقام فليراجع . والذي أميل إليه جواز أن يفوض الحكم إلى المجتهد إذا علم أنه يحكم تروياً لا تشيهاً ويكون التفويض حينئذ كالأمر بالاجتهاد ، والأليق بشأن الله تعالى وشأن رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينزل ما هنا على ذلك وتكون المشيئة مقيدة بالعلم بالمصلحة . وذكر بعض الفضلاء أنه لا خلاف في جواز أن يقال : احكم بما شئت تروياً بل الخلاف في جواز أن يقال : احكم بما شئت تشهياً كيفما اتفق ، وأنت تعلم أنه بعد التقييد لا يكون ما نحن فيه من محل النزاع ، ومن الغريب ما قيل : إن المراد ممن شئت منهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ولا يخفى ما فيه { واستغفر لَهُمُ الله } فإن الاستئذان وإن كان لعذر قوي لا يخلو عن شائبة تقديم أمر الدنيا على أمر الآخرة . وتقديم { لَهُمْ } للمبادرة إلى أن الاستغفار للمستأذنين لا للإذن .

{ أَنَّ الله غَفُورٌ } مبالغ في مغفرة فرطات العباد { رَّحِيمٌ } مبالغ في إفاضة شابيب الرحمة عليهم ، والجملة تعليل للمغفرة الموعودة في ضمن الاستغفار لهم ، وقد بالغ جل شأنه في الاحتفال برسوله صلوات الله تعالى وسلامه عليه فجعل سبحانه الاستئذان للذهاب عنه ذنباً محتاجاً للاستغفار فضلاً عن الذهاب بدون إذن ورتب الإذن على الاستئذان لبعض شأنهم لا على الاستئذان مطلقاً ولا على الاستئذان لأي أمر مهما كان أو غير مهم ومع ذلك علق الإذن بالمشيئة ، وإذا اعتبرت وجوه المبالغة في قوله تعالى : { إِنَّمَا المؤمنون } إلى هنا وجدتها تزيد على العشرة .

وفي أحكام القرآن للجلال السيوطي أن في الآية دليلاً على وجوب استئذانه صلى الله عليه وسلم قبل الانصراف عنه عليه الصلاة والسلام في كل أمر يجتمعون عليه ، قال الحسن : وغير الرسول صلى الله عليه وسلم من الأئمة مثله في ذلك لما فيه من أدب الدين وأدب النفس ، وقال ابن الفرس : لا خلاف في الغزو أنه يستأذن إمامه إذا كان له عذر يدعوه إلى الانصراف واختلف في صلاة الجمعة إذا كان له عذر كالرعاف وغيره فقيل يلزمه الاستئذان سواء كان أمامه الأمير أم غيره أخذاً من الآية وروى ذلك عن مكحول . والزهري .

ومن باب الإشارة :وفي قوله تعالى : { إِنَّمَا المؤمنون الذين بالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يَسْتأَذِنُوهُ } [ النور : 62 ] إشارة إلى أنه لا ينبغي للمريد الاستبداد بشيء قال عبد الله الرازي : قال قوم من أصحاب أبي عثمان لأبي عثمان أوصنا فقال : عليكم بالاجتماع على الدين وإياكم ومخالفة الأكابر والدخول في شيء من الطاعات إلا بإذنهم ومشورتهم وواسوا المحتاجين بما أمكنكم فإذا فعلتم أرجو أن لا يضيع الله تعالى لكم سعياً

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (62)

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

عن مالك: أن هذه الآية، إنما كانت في حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ما المؤمنون حقّ الإيمان، إلا الذين صدّقوا الله ورسوله. "وَإذَا كانُوا مَعَهُ "يقول: وإذا كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، "عَلى أمِرٍ جامِعٍ" يقول: على أمر يجمع جميعهم من حرب حضرت، أو صلاة اجتمع لها، أو تشاور في أمر نزل، "لَمْ يَذْهَبُوا" يقول: لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الأمر، "حَتّى يَسْتَأْذِنُوا" رسول الله صلى الله عليه وسلم...

قال ابن عباس، قوله: "وَإذَا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ" قال: أمر من طاعة الله عامّ...

وقوله: "إنّ الّذِينَ يَسْتأذنُوكَ أُولَئِكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ باللّهِ وَرَسُولِهِ"، يقول تعالى ذكره: إن الذين لا ينصرفون يا محمد إذا كانوا معك في أمر جامع، عنك إلا بإذنك لهم، طاعة منهم لله ولك وتصديقا بما أتيتهم به من عندي، أولئك الذين يصدقون الله ورسوله حقّا، لا من خالف أمر الله وأمر رسوله فينصرف عنك بغير إذن منك له بعد تقدّمك إليه أن لا ينصرف عنك إلاّ بإذنك.

وقوله: "فإذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبْعَضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ" يقول تعالى ذكره: فإذا استأذنك يا محمد الذين لا يذهبون عنك إلا بإذنك في هذه المواطن "لبعض شأنهم" يعني: لبعض حاجاتهم التي تعرض لهم، فأْذن لمن شِئت منهم في الانصراف عنك لقضائها، "وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ" يقول: وادع الله لهم بأن يتفضل عليهم بالعفو عن تبعات ما بينه وبينهم.

"إنّ اللّهَ غَفُورٌ" لذنوب عباده التائبين، "رَحِيمٌ" بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

... {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} يعني لمن أذن له من المؤمنين ليزول عنهم باستغفاره ملامة الانصراف.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

أراد عزّ وجلّ أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله بغير إذنه {وإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ} فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره، وذلك مع تصدير الجملة بإنما وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم عقبه بما يزيده توكيداً وتشديداً، حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله: {إِنَّ الذين يَسْتَأذنُونَكَ أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ} وضمنه شيئاً آخر، وهو: أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين، وعرّض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً.

{لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يَسْتَئذِنُوهُ} لم يذهبوا حتى يستأذنوه ويأذن لهم، ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم بمشيئته وإذنه لمن استصوب أن يأذن له. والأمر الجامع: الذي يجمع له الناس، فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز، وذلك نحو مقاتلة عدوّ، أو تشاور في خطب مهمّ، أو تضام لإرهاب مخالف، أو تماسح في حلف وغير ذلك. أو الأمر الذي يعم بضرره أو بنفعه...

{وإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ} أنه خطب جليل لا بدّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه من ذوي رأي وقوّة، يظاهرونه عليه ويعاونونه ويستضيء بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم في كفايته، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلبه ويشعث عليه رأيه، فمن ثمة غلظ عليهم وضيق عليهم الأمر في الاستئذان، ومع العذر المبسوط ومساس الحاجة إليه، واعتراض ما يهمهم ويعنيهم، وذلك قوله: {لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ}. وذكر الاستغفار للمستأذنين: دليل على أنّ الأحسن الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه.

وقيل: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن. وقالوا: كذلك ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم يظاهرونهم ولا يخذلونهم في نازلة من النوازل ولا يتفرقون عنهم.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{إنما} في هذه الآية للحصر اقتضى المعنى لأنه لا يتم إيمان إلا بأن يؤمن المرء {بالله ورسوله} وبأن يكون من الرسول سامعاً غير معنت في أن يكون الرسول يريد إكمال أمر فيريد هو إفساده بزواله في وقت الجمع ونحو ذلك، و «الأمر الجامع» يراد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لإذاعة مصلحة، فأدب الإسلام اللازم في ذلك إذا كان الأمر حاضراً أن لا يذهب أحد لعذر إلا بإذنه، فإذا ذهب بإذن ارتفع عنه الظن السيئ...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

وهذا أيضًا أدب أرشد الله عبادَه المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف -لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول، صلوات الله وسلامه عليه...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان سبحانه قد نفى عنهم الإيمان بالتولي عن الأحكام، وتلاه بما رأيت أن نظمه أحسن نظام، حتى ختم بما أومأ إلى أن من عمي عن أحكامه بعد هذا البيان مسلوب العقل، وكرر في هذه السورة ذكر البيان، تكريراً أشار إلى لمعان المعاني بأمتن بنان حتى صارت مشخصات للعيان، وبين من حاز وصف الإيمان، بحسن الاستئذان، وكان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أجلّ موطن تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من الأوطان، فتصير الأرض برحبها ضيقة لأجله، محظوراً سلوكها مِن جرّاه، بمنزلة بيت الغير الذي لا يحل دخوله بغير إذن، قال معرفاً بذلك على طريق الحصر مقابلاً للسلب {وما أولئك بالمؤمنين} [المائدة: 43] مبيناً عظيم الجناية في الذهاب عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم المقتضي للجمع من غير إذن: {إنما المؤمنون} أي الكاملون الذين لهم الفلاح {الذين آمنوا بالله} أي الملك الأعلى {ورسوله} ظاهراً وباطناً.

ولما كان الكلام في الراسخين، كان الموضع لأداة التحقيق فقال: {وإذا} أي وصدقوا إيمانهم بأنهم إذا {كانوا معه} أي الرسول صلى الله عليه السلام {على أمر جامع} أي لهم على الله، كالجهاد لأعداء الله، والتشاور في مهم، وصلاة الجمعة، ونحو ذلك {لم يذهبوا} عن ذلك الأمر خطوة إلى موضع من الأرض ولو أنه بيوتهم، لشيء من الأشياء ولو أنه أهم مهماتهم، لأنه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره {حتى يستأذنوه} فيأذن لهم، لأن المأمور به قد صار منزلهم ومأواهم ومتبوأهم، وصار كل ما سواه من الأماكن والأمور له عليه الصلاة والسلام دونهم، لا حظ لهم فيه، فلا يحل لهم أن يدخلوه حساً أو معنى إلا بإذنه، وهذا من عظيم التنبيه على عليّ أمره، وشريف قدره، وذلك أنه سبحانه كما أمرهم بالاستئذان عند الدخول عليه وعلى غيره، أفرده بأمرهم باستئذانه عند الانصراف عنه صلى الله عليه وسلم، وجعل رتبة ذلك تالية لرتبة الإيمان بالله والرسول، وجعلهما كالتسبيب له مع تصدير الجملة بأداة الحصر، وإيقاع المؤمنين في مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت وصلته بالرتب الثلاث شرحاً له.

ولما نفى عن المؤمنين الذهاب إلى غاية الاستئذان، فأفهم أن المستأذن مؤمن، صرح بهذا المفهوم ليكون آكد، فقال تشديداً في الإخلال بالأدب بين يديه صلى الله عليه وسلم، وتأكيداً لحفظ حرمته والأدب معه لئلا يتشوش فكره في أسلوب آخر، وبياناً لأن الاستئذان مصداق الإيمان: {إن الذين يستأذنونك} أي يطلبون إذنك لهم إذا أرادوا الانصراف، في شيء من أمورهم التي يحتمل أن تمنع منها {أولئك} العالو الرتبة خاصة {الذين يؤمنون} أي يوجدون الإيمان في كل وقت {بالله} الذي له الأمر كله فلا كفوء له {ورسوله} وذلك ناظم لأشتات خصال الإيمان.

ولما قصرهم على الاستئذان، تسبب عن ذلك إعلامه صلى الله عليه وسلم بما يفعل إذ ذاك فقال: {فإذا استأذنوك} أي هؤلاء الذين صحت دعواهم؛ وشدد عليهم تأكيداً لتعظيم الأدب معه صلى الله عليه وسلم بقوله: {لبعض شأنهم} وهو ما تشتد الحاجة إليه {فأذن لمن شئت منهم} قيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة فمن اراد أن يخرج لعذر قام بحياله فيعرف أنه يستأذن فيأذن لمن شاء، قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده، وقيل: كذلك ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم لا يخذلونهم في نازلة من النوازل.

ولما أثبت له بهذا التفويض من الشرف ما لا يبلغ وصفه، أفهمهم أن حال المستأذن قاصرة عن حال المفوض الملازم كيفما كانت، فقال: {واستغفر لهم الله} أي الذي له الغنى المطلق، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، أو يكون الكلام شاملاً لمن صحت دعواه وغيره؛ ثم علل ذلك ترغيباً في الاستغفار، وتطييباً لقلوب أهل الأوزار، بقوله: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {غفور} أي له هذا الوصف فهو جدير بأن يغفر لهم ما قصروا فيه {رحيم} أي فكل ما أمرهم به فهو خير لهم وإن تراءى لهم خلافه.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وينتقل من تنظيم العلاقات بين الأقارب والأصدقاء، إلى تنظيمها بين الأسرة الكبيرة.. أسرة المسلمين.. ورئيسها وقائدها محمد رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وإلى آداب المسلمين في مجلس الرسول:

إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله. وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه؛ إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله. فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله. إن الله غفور رحيم. لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا. فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه؛ ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا، والله بكل شيء عليم..

روى ابن اسحاق في سبب نزول هذه الآيات أنه لما كان تجمع قريش والأحزاب في غزوة الخندق. فلما سمع بهم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة. فعمل فيه رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ولا إذنه؛ وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] ويستأذنه في اللحوق بحاجته، فيأذن له. فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله تعالى في أولئك المؤمنين: إنما المؤمنون... الآية ثم قال تعالى:يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [صلى الله عليه وسلم]: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم... الآية..

وأيا ما كان سبب نزول هذه الآيات فهي تتضمن الآداب النفسية التنظيمية بين الجماعة وقائدها. هذه الآداب التي لا يستقيم أمر الجماعة إلا حين تنبع من مشاعرها وعواطفها وأعماق ضميرها. ثم تستقر في حياتها فتصبح تقليدا متبعا وقانونا نافذا. وإلا فهي الفوضى التي لا حدود لها:

(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله).. لا الذين يقولون بأفواههم ثم لا يحققون مدلول قولهم؛ ولا يطيعون الله ورسوله.

(وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه).. والأمر الجامع الأمر الهام الذي يقتضي اشتراك الجماعة فيه، لرأى أو حرب أو عمل من الأعمال العامة. فلا يذهب المؤمنون حتى يستأذنوا إمامهم. كي لا يصبح الأمر فوضى بلا وقار ولا نظام.

وهؤلاء الذين يؤمنون هذا الإيمان، ويلتزمون هذا الأدب، لا يستأذنون إلا وهم مضطرون؛ فلهم من إيمانهم ومن أدبهم عاصم ألا يتخلوا عن الأمر الجامع الذي يشغل بال الجماعة، ويستدعي تجمعها له.. ومع هذا فالقرآن يدع الرأي في الإذن أو عدمه للرسول [صلى الله عليه وسلم] رئيس الجماعة. بعد أن يبيح له حرية الإذن: (فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم).. [وكان قد عاتبه على الإذن للمنافقين من قبل فقال: (عفا الله عنك! لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين)].. يدع له الرأي فإن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن، فيرفع الحرج عن عدم الإذن، وقد تكون هناك ضرورة ملحة. ويستبقي حرية التقدير لقائد الجماعة ليوازن بين المصلحة في البقاء والمصلحة في الانصراف. ويترك له الكلمة الأخيرة في هذه المسألة التنظيمية يدبرها بما يراه.

ومع هذا يشير إلى أن مغالبة الضرورة، وعدم الانصراف هو الأولى؛ وأن الاستئذان والذهاب فيهما تقصير أو قصور يقتضي استغفار النبي [صلى الله عليه وسلم] للمعتذرين: (واستغفر لهم الله. إن الله غفور رحيم).. وبذلك يقيد ضمير المؤمن. فلا يستأذن وله مندوحة لقهر العذر الذي يدفع به إلى الاستئذان.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{واستغفر لهم الله} مؤذن بأن ذلك الانصراف خلاف ما ينبغي، لأنه لترجيح حاجته على الإعانة على حاجة الأمة...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

(إنّما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه). والمراد من «أمر جامع» كلّ عمل يقتضي اجتماع الناس فيه ويتطلب تعاونهم، سواء كان عملا استشارياً، أو مسألة حول الجهاد ومقاتلة العدو، أو صلاة جمعة في الظروف الاستثنائية وأمثالها...

كما يجب الانتباه إلى أنّ الإذن لا يعني الاستئذان الشكلي لقضاء الشخص أعماله الخاصّة والتفرغ لتجارته. وإنّما أن يكون صادقاً في الاستئذان، فإذا وجد القائد أن غياب هذا الشخص يلحق ضرراً، فمن حقه أن لا يأذن له، وعليه أن يضحي بمصلحته من أجل هدف أسمى. لهذا تضيف الآية: (إنّ الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم)...

و هنا يطرح سؤال: ما الغرض من هذا الاستغفار؟ فهل هم مذنبون رغم أخذهم الإذن من الرّسول بالمغادرة، كي يحتاجوا إلى استغفاره لهم؟ و للجواب على هذا السؤال هناك وجهان:

أحدهما: أن يستغفر لهم تنبيهاً على أنّ الأوْلى أن لا يقع الاستئذان منهم وإن أذن لهم، لأن ذلك يعتبر تقديم الشخص لمصلحته الخاصّة على مصلحة المسلمين، ولا يخلو هذا الأمر من «ترك الأولى» ولذا يحتاج الى الاستغفار كالاستغفار على عمل مكروه. كما تبيّن هذه العبارة ضرورة عدم الاستئذان بالقدر الممكن. واتباع التضحية و الإيثار حتى لا يتورطوا بارتكاب عمل تركه أوْلى كمغادرة الجماعة لعمل بسيط.

و الوجه الثاني: يحتمل أنّه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة لتمسّكهم بآداب اللّه تعالى في الاستئذان. ولكن نرى عدم وجود تناقض بين هذين الوجهين، كما أنّه من الطبيعي أن لا تخصّ هذه التعاليم التنظيمية الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه فقط. وإنّما هي واجبة الإتباع إزاء كلّ قائد إلهي... حيث يتوقف مصير المسلمين على هذه الطاعة. كما يحتمه إضافة إلى القرآن العقل والمنطق، لأنّ استمرار التنظيم يتوقف على رعاية هذه المبادئ، ولا يمكن إدارة المجتمع بدونها.