بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي - السمرقندي  
{إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (62)

قوله عز وجل : { إِنَّمَا المؤمنون } يعني : المصدقين { الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ } يعني : مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا جمعهم على أمر لتدبير في أمر جهاد ، أو في أمر من أمور الله تعالى فيه طاعة لله ولرسوله { لَّمْ يَذْهَبُواْ } يعني : لم يفارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم { حتى يَسْتَذِنُوهُ } .

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمعهم يوم الجمعة ، فيستشيرهم في أمر الغزو ، فكان يثقل على بعضهم المقام ، فيخرجون بغير إذنه . وقال بعضهم : نزلت في يوم الخندق ، وكان بعض الناس يرجعون إلى منازلهم بغير إذن النبي صلى الله عليه وسلم وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ، وأمرهم بأن لا يرجعوا إلا بإذنه عليه السلام ، وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو ، ولا ينبغي لأحد أن يرجع بغير إذنه .

وفي الآية بيان حفظ الأدب ، بأن الإمام إذا جمع الناس لتدبير أمر من أمور المسلمين ينبغي أن لا يرجعوا إلا بإذنه ، وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو ، لا ينبغي لأحد أن يرجع إلا بإذنه ، ولا يخالف أمر السرية . وروي عن مكحول أنه سئل عن هذه الآية وعنده عطاء ، فقال : هذا في الجمعة ، وفي الزحف ، وفي كل أمر جامع .

ثم قال تعالى : { إِنَّ الذين يَسْتَذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ } وليسوا بمنافقين ، وكان المؤمنون بعد نزول هذه الآية لم يكونوا يرجعون حتى يستأذنوا وأما المنافقون فيرجعون بغير إذن .

ثم قال : { فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } يعني : لبعض أمورهم وحوائجهم { فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } ولا تأذن لمن شئت لأن بعض المنافقين لم يكن لهم في الرجوع حاجة ، فإن أرادوا أن يرجعوا فلم يأذن لهم ، وأذن للمؤمنين .

وقال مقاتل : نزلت في شأن عثمان حين استأذن في غزوة تبوك بالرجوع إلى أهله ، فأذن له . { واستغفر لَهُمُ الله } أي فيما استأذنوك من الرجوع بغير حاجة لهم . { أَنَّ الله غَفُورٌ } رَحِيمٌ لمن تاب { رَّحِيمٌ } به .