{ وَرَسُولاً إلى بَنِي إسراءيل } منصوب بمضمر يجر إليه المعنى معطوفاً على { يَعْلَمْهُ } [ آل عمران : 48 ] أي ونجعله رسولاً وهو الذي اختاره أبو حيان وقيل : إنه منصوب بمضمر معمول لقول مضمر معطوف على يعلمه أي ويقول عيسى أرسلت رسولاً ، ولا يخفى أن عطف هذا القول على { يَعْلَمْهُ } إذا كان مستأنفاً مما ليس فيه كثير بأس ، وأما على تقدير عطفه على { يُبَشّرُكِ } [ آل عمران : 45 ] أو { يَخْلُقُ } [ آل عمران : 47 ] فقد طعن فيه العلامة التفتازاني بأنه يكون التقدير إن الله يبشرك أو إن الله يخلق ما يشاء ويقول عيسى كذا ، وفيه العطف على الخبر ولا رابط بينهما إلا بتكلف عظيم ، وفي «البحر » : إن هذا الوجه مطلقاً ضعيف ؛ إذ فيه إضمار شيئين : القول ومعموله ، والاستغناء عنهما باسم منصوب على الحال المؤكدة ؛ واختار بعضهم عطفه على الأحوال المتقدمة مضمناً معنى/ النطق فلا يضر كونها في حكم الغيبة مع كون هذا في حكم التكلم إذ يكون المعنى حال كونه وجيهاً ورسولاً ناطقاً بكذا ، والرسول على سائر التقادير صفة كشكور وصبور ، وفعول هنا بمعنى مفعل ، واحتمال أن يكون مصدراً كما قال أبو البقاء مثله في قول الشاعر :
أبلغ أبا سلمى ( رسولاً ) تروعه ***
ويجعل معطوفاً على { الكتاب } [ آل عمران : 48 ] أي ويعلمه رسالة بعيد لفظاً ومعنى ، أما الأول : فلأن المتبادر الوصفية ، لا المصدرية ، وأما ثانياً : فلأن تعليم الرسالة مما لا يكاد يوجد في كلامهم ، والظرف إما متعلق برسولاً أو بمحذوف وقع صفة له أي رسولاً كائناً إلى بني إسرائيل أي كلهم ، قيل : وتخصيصهم بالذكر للإيذان بخصوص بعثته ، أو للرد على من زعم من اليهود أنه مبعوث إلى غيرهم . ولي في نسبة هذا الزعم لبعض اليهود تردد وليس ذلك في الكتب المشهورة والذي رأيناه فيها أنهم في عيسى الذي قص الله تعالى علينا من أمره ما قص فرقتان : فرقة ترميه وحاشاه بأفظع ما رمت به أمة نبيها وهم أكثر اليهود ، وفرقة يقال لهم ( العنانية أصحاب عنان بن داود رأس الجالوت يصدقونه في مواعظه وإشاراته ويقولون : إنه لم يخالف التوراة ألبتة بل قررها ودعا الناس إليها ، وإنه من المستجيبين لموسى عليه السلام ، ومن بني إسرائيل المتعبدين وليس برسول ولا نبي ، ويقولون : إن سائر اليهود ظلموه حيث كذبوه أولاً ولم يعرفوا مدعاه وقتلوه آخراً ولم يعرفوا مرامه ومغزاه ) نعم من اليهود فرقة يقال لهم العيسوية أصحاب أبي عيسى إسحق بن يعقوب الأصفهاني الذي يسميه بعضهم ( بعرقيد الوهيم ) يزعمون : أن لله تعالى رسولاً بعد موسى عليه السلام يسمى المسيح إلا أنه لم يأت بعد ويدعون أن له خمسة من الرسل يأتون قبله واحداً بعد واحد وأن صاحبهم هذا أحد رسله وكل من هذه الأقوال بعيد عما ادعاه صاحب القيل بمراحل ولعله وجد ما يوافق دعواه ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ .
هذا واختلف في زمن رسالته عليه السلام فقيل : في الصبا وهو ابن ثلاث سنين . وفي «البحر » : أن الوحي أتاه بعد البلوغ وهو ابن ثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين قيل : وثلاثة أشهر وثلاثة أيام ثم رفع إلى السماء وهو القول المشهور ، وفيه أن أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وقيل : موسى وآخرهم عيسى على سائرهم أفضل الصلاة وأكمل السلام وقرأ اليزيدي ورسول بالجر على أنه معطوف على ( كلمة ) أي يبشرك بكلمة وبرسول .
{ أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ } معمول لرسولاً لما فيه من معنى النطق . وجوز أبو البقاء كونه معمولاً لمحذوف وقع صفة لرسولاً أي رسولاً ناطقاً أو مخبراً بأني وكونه بدلاً من { رَسُولاً } إذا جعلته مصدراً أي ونعلمه أني قد جئتكم ، أو خبراً لمبتدأ محذوف على تقدير المصدرية أيضاً أي هو أني ، فالمنسبك إما في محل جر أو نصب أو رفع ، وقوله تعالى : { بآية } في موضع الحال أي محتجاً أو متلبساً بآية أو متعلق بجئتكم والباء للملابسة أو للتعدية ، والتنوين للتفخيم دون الوحدة ؛ لظهور ما ينافيها ، وقرئ بآيات . { مّن رَّبّكُمْ } متعلق بمحذوف وقع صفة لآية وجوز تعلقه بجئت ، و { مِنْ } في التقديرين لابتداء الغاية مجازاً ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأكيد إيجاب الامتثال لما سيأتي من الأوامر ، أو لأن وصف الربوبية يناسب حال الإرسال إليهم .
وقوله تعالى : { أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير } بدل من قوله سبحانه : { أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } أو من { ءايَةً } أو منصوب على المفعولية لمحذوف أي أعني ، أو مرفوع على/ أنه خبر لمقدر أي : هي أني الخ ؛ وقرأ نافع { إِنّى } بكسر الهمزة على الاستئناف ، والمراد بالخلق ، التصوير والإبراز على مقدار معين ، لا الإيجاد من العدم كما يشير إليه ذكر المادة ، والهيئة مصدر بمعنى المهيأ كالخلق بمعنى المخلوق ، وقيل : إنها اسم لحال الشيء وليست مصدراً وإنما المصدر الهىء والتهيؤ فهي على الأول : جوهر وعلى الثاني : عرض ، وفسروها بالكيفية الحاصلة من إحاطة الحد الواحد أو الحدود بالجسم ، والمعنى أني أقدر لأجل تحصيل إيمانكم ودفع تكذيبكم إياي من الطين شيئاً مثل الطير المهيأ أو هيئة كائنة كهيئته ، والكاف إما اسم كما ذهب إليه أبو الحسن في موضع نصب على المفعولية لأخلق أو نعت لمفعول محذوف له ، وإما حرف كما ذهب إليه الجمهور فتتعلق بمحذوف وقع نعتاً أيضاً لما وقع هو نعتاً له على تقدير الاسمية .
وقرأ يزيد وحمزة كهية بتشديد الياء . وكان ابن المقسم يقول : بلغني أن خلفاً يقول : إن حمزة يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها . وقرأ أهل المدينة ويعقوب ، الطائر ، ومثله في المادة .
{ فَأَنفُخُ فيه } الضمير للهيئة المقدرة في نظم الكلام لكن بمعنى الشيء المهيأ لا بمعنى العرض القائم به ؛ إذ لا يصح أن يكون ذلك محلاً للنفخ . وذكر الضمير هنا مراعاة للمعنى كما أنث في المائدة مراعاة للفظ قيل : وصح هذا لعدم الإلباس ، ووقع في كلام غير واحد كون الضمير للكاف بناءاً على أنها اسم ويعود ذلك في الحقيقة إلى عود الضمير إلى الموصوف بها . واعترضه ابن هشام بأنه لو كان كما زعموا لسمع في الكلام مررت بكالأسد وبعضهم بأن عود الضمير إليها غير معهود . وقرئ فيها { عَلَيْهِمْ طَيْراً } حياً طياراً كسائر الطيور . وقرأ المفضل فتكون بتاء التأنيث ، ويعقوب وأبو جعفر ونافع ، طائراً { بِإِذُنِ الله } متعلق بيكون أو بطيراً والمراد بأمر الله ، وأشار بذلك إلى أن إحياءه من الله تعالى ولكن بسبب النفخ ، وليس ذلك لخصوصية في عيسى عليه السلام وهي تكونه من نفخ جبريل عليه السلام ، وهو روح محض كما قيل بل لو شاء الله تعالى الإحياء بنفخ أي شخص كان لكان من غير تخلف ولا استعصاء ، قيل : وفي هذه المعجزة مناسبة لخلقه من غير أب ، واختلف هل كان ذلك بطلب واقتراح أم لا ؟ فذهب المعظم إلى الأول قالوا : إن بني إسرائيل طلبوا منه على سبيل التعنت جرياً على عادتهم مع أنبيائهم أن يخلق لهم خفاشاً فلما فعل قالوا : ساحر وإنما طلبوا هذا النوع دون غيره لأنه أكمل الطير خلقاً وأبلغ دلالة على القدرة لأن له ناباً وأسناناً ويحيض ويلد ويطير بغير ريش ، وله آذان وثدي وضرع ويخرج منه اللبن ، ويرى ضاحكاً كما يضحك الإنسان ، ولا يبصر في ضوء النهار ، ولا في ظلمة الليل ، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة ، وبعد طلوع الفجر ساعة ، قبل أن يسفر جداً ، والمشهور أنه لم يخلق غير الخفاش ، وأخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس ، قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز عن خلق الله تعالى بلا واسطة ، وقيل : خلق أنواعاً من الطير . وذهب بعضهم إلى الثاني فقد أخرج ابن جرير عن ابن إسحق أن عيسى عليه السلام جلس يوماً مع غلمان من الكتاب فأخذ طيناً ، ثم قال : أجعل لكم من هذا الطين طائراً ؟ قالوا : أو تستطيع ذلك ؟ قال : نعم بإذن ربي ، ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه ، ثم قال : كن طائراً بإذن الله تعالى فخرج يطير من بين كفيه ، وخرج الغلمان بذلك من أمره فذكروه لمعلمهم وأفشوه في الناس .
{ وَأُبْرِئ الأكمه } عطف على { أَخْلُقُ } فهو/ داخل في حيز { إِنّى } والأكمه هو الذي ولد أعمى أخرجه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء عنه أنه الممسوح العين الذي لم يشق بصره ولم يخلق له حدقة ، قيل ولم يكن في صدر هذه الأمة أكمه بهذا المعنى غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب «التفسير » ، وعن مجاهد أنه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل ، وعن عكرمة أنه الأعمش أي : أخلص الأكمه من الكمه { والأبرص } وهو الذي به الوضح المعروف وتخصيص هذين الأمرين لأنهما أمران معضلان أعجزا الأطباء وكانوا في غاية الحذاقة مع كثرتهم في زمنه ، ولهذا أراهم الله تعالى المعجزة من جنس الطب كما أرى قوم موسى عليه السلام المعجزة بالعصا واليد البيضاء حيث كان الغالب عليهم السحر ، والعرب المعجزة بالقرآن حيث كان الغالب عليهم عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغة ، والاقتصار على هذين الأمرين لا يدل على نفي ما عداهما فقد روي أنه عليه السلام أبرأ أيضاً غيرهما ، وروي عن وهب أنه ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى خمسون ألفاً من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ، ومن لم يطق ذلك منهم أتاه عيسى عليه السلام فمشى إليه ، وكان يداويهم بالدعاء إلى الله تعالى بشرط الإيمان وكان دعاؤه الذي يدعو للمرضى والزمنى والعميان والمجانين وغيرهم «اللهم أنت إله من في السماء وإله من في الأرض لا إله فيهما غيرك وأنت جبار من في السماء وجبار من في الأرض لا جبار فيهما غيرك وأنت ملك من في السماء وملك من في الأرض لا ملك فيهما غيرك قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء أسألك باسمك الكريم ووجهك المنير وملكك القديم إنك على كل شيء قدير » ومن خواص هذا الدعاء كما قال وهب أنه إذا قرئ على الفزع والمجنون وكتب له وسقى منه نفع إن شاء الله تعالى .
{ وَأُحْي الموتى بِإِذْنِ الله } عطف على خبر { إِنّى } وقيد الإحياء بالاذن كما فعل في الأول ؛ لأنه خارق عظيم يكاد يتوهم منه ألوهية فاعله لأنه ليس من جنس أفعال البشر وكان إحياؤه بالدعاء وكان دعاؤه يا حي يا قيوم وخبر «إنه كان إذا أراد أن يحيى الموتى صلى ركعتين يقرأ في الأولى : تبارك الذين بيده الملك ، وفي الثانية : تنزيل " السجدة " فإذا فرغ مدح الله تعالى وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء يا قديم ، يا خفي ، يا دائم ، يا فرد ، يا وتر ، يا أحد ، يا صمد » قال البيهقي : ليس بالقوي ، وقيل : إنه كان إذا أراد أن يحيى ميتاً ضرب بعصاه الميت ، أو القبر ، أو الجمجمة فيحيا بإذن الله تعالى ويكلمه ويموت سريعاً .
وأخرج محى السنة عن ابن عباس أنه قال : قد أحيا عليه السلام أربعة أنفس ، عازر ، وابن العجوز ، وابنة العاشر ، وسام بن نوح ، فأما عازر فكان صديقاً له فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك عازر مات وكان بينه وبين عازر مسيرة ثلاثة أيام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته : انطلقي بنا إلى قبره فانطلقت معهم إلى قبره فدعا الله تعالى عيسى فقام عازر وودكه يقطر فخرج من قبره ، وبقي زماناً وولد له . وأما ابن العجوز فمر به ميتاً على عيسى عليه السلام على سرير يحمل فدعا الله تعالى عيسى فجلس على سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي زماناً وولد له ، وأما ابنة العاشر فكان أبوها رجلاً يأخذ العشور ماتت له بنت الأمس فدعا الله تعالى وأحياها وبقيت زماناً وولدها . وأما سام بن نوح فإن عيسى عليه السلام جاء إلى قبره فدعى باسم الله تعالى الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفاً من قيام الساعة ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال : أقد قامت الساعة ؟ / قال : لا ولكن دعوتك باسم الله تعالى الأعظم ثم قال له : مت قال : بشرط أن يعيذني الله تعالى من سكرات الموت فدعا الله تعالى له ففعل ، وفي بعض الآثار أن إحياءه ساماً كان بعد قولهم له عليه السلام إنك تحيى من كان قريب العهد من الموت ولعلهم لم يموتوا بل أصابتهم سكتة فأحي لنا سام بن نوح فأحياه وكان بينه وبين موته أكثر من أربعة آلاف سنة فقال للقوم : صدقوه فإني نبي فآمن به بعضهم وكذبه آخرون فقالوا : هذا سحر فأرنا آية فنبأهم بما يأكلون وما يدخرون ، وقد ورد أيضاً أنه عليه السلام أحيا ابن ملك ليستخلفه في قصة طويلة ، وأحيا خشفاً وشاة وبقرة ؛ ولفظ { الموتى } يعم كل ذلك .
{ وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ } ( ما ) في الموضعين موصولة ، أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أي تأكلونه وتدخرونه والظرف متعلق بما عنده وليس من باب التنازع ، والادخار الخبء وأصل تدخرون تذتخرون بذال معجمة فتاء فأبدلت التاء ذالاً ثم أبدلت الذال دالاً وأدغمت ، ومن العرب من يقلب التاء دالاً ويدغم ، وقد كان هذا الإخبار بعد النبوة وإحيائه الموتى عليه السلام على ما في بعض الإخبار ، وقيل : قبل ، فقد أخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : كان عيسى عليه السلام وهو غلام يلعب مع الصبيان يقول لأحدهم : تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك ؟ فيقول : نعم فيقول : خبأت لك كذا وكذا فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها : أطعميني ما خبأت لي فتقول : وأي شيء خبأت لك ؟ فيقول : كذا وكذا فتقول : من أخبرك ؟ا فيقول : عيسى ابن مريم فقالوا : والله لأن تركتم هؤلاء الصبيان مع عيسى ليفسدنهم فجمعوهم في بيت وأغلقوه عليهم فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم حتى سمع ضوضاهم في بيت فسأل عنهم فقال : ما هؤلاء أكان هؤلاء الصبيان ؟ قالوا : لا إنما هي قردة وخنازير قال : اللهم اجعلهم قردة وخنازير فكانوا كذلك ، وذهب بعضهم أن ذلك كان بعد نزول المائدة وأيد بما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه في الآية أنه قال : { وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ } من المائدة { وَمَا تَدَّخِرُونَ } منها ، وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا فادخروا وخانوا فجعلوا قردة وخنازير ، ويمكن أن يقال : إن كل ذلك قد وقع وعلى سائر التقادير فالمراد الاخبار بخصوصية هذين الأمرين كما يشعر به الظاهر ، وقيل : المراد الإخبار بالمغيبات إلا أنه قد اقتصر على ذكر أمرين منها ولعل وجه تخصيص الإخبار بأحوالهم لتيقنهم بها فلا يبقى لهم شبهة ، والسر في ذكر هذين الأمرين بخصوصهما أن غالب سعي الإنسان وصرف ذهنه ؛لتحصيل الأكل الذي به قوامه والادخار الذي يطمئن به أكثر القلوب ويسكن منه غالب النفوس فليفهم .
{ إِنَّ في ذَلِكَ } أي المذكور من الخوارق الأربعة العظيمة ، وهذا من كلام عيسى عليه السلام حكاه الله تعالى عنه ، وقيل : هو من كلام الله تعالى سيق للتوبيخ { لآيَةً } أي جنسها ، وقرئ لآيات { لَكُمْ } دالة على صحة الرسالة دلالة واضحة حيث لم يكن ذلك بتخلل آلات وتوسط أسباب عادية كما يفعله الأطباء والمنجمون . ومن هنا يعلم أن علم الجفر وعلم الفلك ونحوهما لما كانت مقرونة بأصول وضوابط لا يقال عنها : إنها علم غيب أبداً إذ علم الغيب شرطه أن يكون مجرداً عن المواد والوسائط الكونية وهذه العلوم ليست كذلك/ لأنها مرتبة على قواعد معلومة عند أهلها لولاها ما علمت تلك العلوم ، وليس ذلك كالعلم بالوحي لأنه غير مكتسب بل الله تعالى يختص به من يشاء وكذا العلم بالإلهام فإنه لا مادة له إلا الموهبة الإلهية والمنحة الأزلية ، على أن بعضهم ذهب إلى أن تلك العلوم لا يحصل بها العلم المقابل للظن بل نهاية ما يحصل الظن الغالب وبينه وبين علم الغيب بون بعيد ، وسيأتي لهذا تتمة إن شاء الله تعالى { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فيه مجاز المشارفة أي إن كنتم موفقين للإيمان ، ويحتمل أن يكون المعنى إن كنتم مصدقين ، وجواب الشرط على التقديرين محذوف أي انتفعتم بذلك .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ويجعله {ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم}: يعني بعلامة، ثم بين الآية؛ {أني أخلق لكم}: يعني أجعل لكم {من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله}. {وأبرئ الأكمه}: الذي ولدته أمه أعمى، الذي لم ير النور قط، فيرد الله بصره، {و} أبرئ {الأبرص}، فيبرأ بإذن الله. {وأحيي الموتى بإذن الله}؛ فتعيش. ففعل ذلك وهم ينظرون، وكان صنيعه هذا آية من الله عز وجل بأنه نبي ورسول إلى بني إسرائيل... فقالوا له: إن هذا سحر، فأرنا آية نعلم أنك صادق. وقال عيسى صلى الله عليه وسلم: أرأيتم إن أنا أخبرتكم: {وأنبئكم بما تأكلون}: في بيوتكم من الطعام، فيها تقديم {وما تدخرون في بيوتكم}، يعني وما ترفعون في غد، تعلمون أني صادق؟ قالوا: نعم، قال عيسى صلى الله عليه وسلم: فلان أكلت كذا وكذا، وشربت كذا وكذا، وأنت يا فلان أكلت كذا وكذا، وأنت يا فلان، فمنهم من آمن ومنهم من كفر. يقول الله عز وجل: {إن في ذلك لآية}: يعني لعلامة، {لكم} فيما أخبرتكم به. {إن كنتم مؤمنين}: يعني مصدقين بعيسى بأنه رسول...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{وَرَسُولاً}: ونجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، فترك ذكر «ونجعله»، لدلالة الكلام عليه.
{أنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بآيَةٍ مِنْ رَبّكُمْ}: ونجعله رسولاً إلى بني إسرائيل بأنه نبيّ وبشير ونذير، وحجتي عن صدقي على ذلك، أني قد جئتكم بآية من ربكم، يعني بعلامة من ربكم تحقق قولي وتصدّق خبري، أني رسول من ربكم إليكم.
{أنّي أخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرا بِإذْنِ اللّهِ}: ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم. ثم بين عن الآية ما هي، فقال: {أنّي أخْلُقُ لَكُمْ}. فتأويل الكلام: ورسولاً إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم بآية من ربكم بأن أخلق لكم من الطين كهيئة الطير. والطير جمع طائر.
واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل الحجاز: «كهيئة الطائر فأنفخ فيه فيكون طائرا»، على التوحيد. وقرأه آخرون: {كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرا} على الجماع كليهما.
وأعجب القراءات إليّ في ذلك قراءة من قرأ: {كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرا}، على الجماع فيهما جميعا، لأن ذلك كان من صفة عيسى أنه يفعل ذلك بإذن الله، وأنه موافق لخط المصحف، واتباع خط المصحف مع صحة المعنى، واستفاضة القراءة به أعجب إليّ من خلاف المصحف.
فإن قال قائل: وكيف قيل: {فأنْفُخُ فِيهِ} وقد قيل: {أنّي أخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ}؟ قيل: لأن معنى الكلام: فأنفخ في الطير. ولو كان ذلك: فأنفخ فيها، كان صحيحا جائزا، كما قال في المائدة: «فأنْفُخُ فِيها» يريد: فأنفخ في الهيئة، وقد ذكر أن ذلك في إحدى القراءتين: «فأنفخها»، بغير «في».
{وأُبْرِئ الأكْمَه وَالأبْرَصَ}: وأشفي، يقال منه: أبرأ الله المريض: إذا شفاه منه.
واختلف أهل التأويل في معنى الأكمه؛ فقال بعضهم: هو الذي لا يبصر بالليل، ويبصر بالنهار. وقال آخرون: هو الأعمى الذي ولدته أمه كذلك. وقال آخرون: بل هو الأعمى.
والمعروف عند العرب من معنى الكَمَهِ: العمى. وإنما أخبر الله عزّ وجلّ عن عيسى صلوات الله عليه، أنه يقول ذلك لبني إسرائيل، احتجاجا منه بهذه العِبر والآيات عليهم في نبوّته، وذلك أن الكَمَه والبَرَص لا علاج لهما، فيقدر على إبرائه ذو طبّ بعلاج، فكان ذلك من أدلته على صدق قيله، إنه لله رسول، لأنه من المعجزات مع سائر الآيات التي أعطاه الله إياها دلالة على نبوّته. فأما ما قيل من أن الكمه: العمش، أو: أنه سوء البصر بالليل، فلا معنى لهما، لأن الله لا يحتجّ على خلقه بحجة تكون لهم السبيل إلى معارضته فيها، ولو كان مما احتجّ به عيسى على بني إسرائيل في نبوّته أنه يبرئ الأعمش، أو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل لقدروا على معارضته بأن يقولوا: وما في هذا لك من الحجة، وفينا خلق مما يعالج ذلك وليسوا لله أنبياء ولا رسلاً، ففي ذلك دلالة بينة على صحة ما قلنا من أن الأكمه: هو الأعمى الذي لا يبصر شيئا لا ليلاً ولا نهارا، ومن أنه المولود كذلك أشبه، لأن علاج مثل ذلك لا يدّعيه أحد من البشر، إلا من أعطاه الله مثل الذي أعطى عيسى، وكذلك علاج الأبرص.
{وأُحْيِي المَوْتَى بإذْنِ اللّهِ وأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ}.
وكان إحياء عيسى الموتى بدعاء الله، يدعو لهم، فيستجيب له.
{وأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ} فإنه يعني: وأخبركم بما تأكلونه مما لم أعاينه وأشاهده معكم في وقت أكْلِكُمُوهُ.
{وما تَدّخِرُونَ}: وما ترفعونه فتخبئونه ولا تأكلونه، يعلمهم أن من حجته أيضا على نبوّته مع المعجزات التي أعلمهم أنه يأتي بها حجة على نبوّته وصدقه في خبره، أن الله أرسله إليهم: من خلق الطير من الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، التي لا يطيقها أحد من البشر، إلا من أعطاه الله ذلك، علما له على صدقه، وآية له على حقيقة قوله من أنبيائه ورسله، ومن أحبّ من خلقه إنباءَه عن الغيب الذي لا سبيل لأحد من البشر الذين سبيلهم سبيله عليه.
فإن قال قائل: وما كان في قوله لهم: {وأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} من الحجة له على صدقه، وقد رأينا المتنجمة والمتكهنة تخبر بذلك كثيرا فتصيب؟ قيل: إن المتنجم والمتكهن معلوم منهما عند من يخبره بذلك أنهما ينبئان به عن استخراج له ببعض الأسباب المؤدية إلى علمه، ولم يكن ذلك كذلك من عيسى صلوات الله عليه، ومن سائر أنبياء الله ورسله، وإنما كان عيسى يخبر به عن غير استخراج ولا طلب لمعرفته باحتيال، ولكن ابتداءً بإعلام الله إياه من غير أصل تقدّم ذلك¹ احتذاه، أو بنى عليه أو فزع إليه، كما يفزع المتنجم إلى حسابه، والمتكهن إلى رئيّه، فذلك هو الفصل بين علم الأنبياء بالغيوب وإخبارهم عنها، وبين علم سائر المتكذبة على الله، أو المدّعية علم ذلك.
وقال آخرون: إنما عنى بقوله: {وأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ}: ما تأكلون من المائدة التي تنزل عليكم، وما تدخرون منها... {إِنّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: إن في خلقي من الطين الطير بإذن الله، وفي إبرائي الأكمه والأبرص، وإحيائي الموتى، وإنبائي إياكم بما تأكلون، وما تدخرون في بيوتكم، ابتداء من غير حساب وتنجيم، ولا كهانة وعرافة، لعبرة لكم، ومتفكرا تتفكرون في ذلك، فتعتبرون به أني محقّ في قولي لكم: إني رسول من ربكم إليكم، وتعلمون به أني فيما أدعوكم إليه من أمر الله ونهيه صادق، إن كنتم مؤمنين، يعني: إن كنتم مصدّقين حجج الله وآياته، مقرّين بتوحيده ونبيه موسى، والتوراة التي جاءكم بها.
اعلم أنه تعالى حكى ههنا خمسة أنواع من معجزات عيسى عليه السلام:
ما ذكره ههنا في هذه الآية وفيه مسائل:...
المسألة الثانية: {أخلق لكم من الطين} أي أقدر وأصور وقد بينا في تفسير قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} [البقرة: 21] إن الخلق هو التقدير ولا بأس بأن نذكره ههنا أيضا فنقول الذي يدل عليه القرآن والشعر والاستشهاد، أما القرآن فآيات أحدها: قوله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14] أي المقدرين، وذلك لأنه ثبت أن العبد لا يكون خالقا بمعنى التكوين والإبداع فوجب تفسير كونه خالقا بالتقدير والتسوية. وثانيها: أن لفظ الخلق يطلق على الكذب قال تعالى في سورة الشعراء {إن هذا إلا خلق الأولين} [الشعراء: 137] وفي العنكبوت {وتخلقون إفكا} [العنكبوت: 17] وفي سورة ص {إن هذا إلا اختلاق} [ص: 7] والكاذب إنما سمي خالقا لأنه يقدر الكذب في خاطره ويصوره. وثالثها: هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله {أنى أخلق لكم من الطين} أي أصور وأقدر وقال تعالى في المائدة {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير} [المائدة: 110] وكل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير والتقدير. ورابعها: قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29] وقوله {خلق} إشارة إلى الماضي، فلو حملنا قوله {خلق} على الإيجاد والإبداع، لكان المعنى: أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي، وذلك باطل بالاتفاق، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام وهو أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض، وأما الاستشهاد: فهو أنه يقال: خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس والخلاق المقدار من الخير، وفلان خليق بكذا، أي له هذا المقدار من الاستحقاق، والصخرة الخلقاء الملساء، لأن الملاسة استواء، وفي الخشونة اختلاف، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية.
إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في لفظ {الخالق} قال أبو عبد الله البصري: إنه لا يجوز إطلاقه على الله في الحقيقة، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والحسبان وذلك على الله محال، وقال أصحابنا: الخالق، ليس إلا الله، واحتجوا عليه بقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الرعد: 16] ومنهم من احتج بقوله {هل من خالق غير الله يرزقكم} [فاطر: 3] وهذا ضعيف، لأنه تعالى قال: {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء} [فاطر: 3] فالمعنى هل من خالق غير الله موصوف بوصف كونه رازقا من السماء ولا يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه، ليس إلا الله، صدق قولنا أنه لا خالق إلا الله.
وأجابوا عن كلام أبي عبد الله بأن التقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن لكن الظن وإن كان محالا في حق الله تعالى فالعلم ثابت.
إذا عرفت هذا فنقول: {أني أخلق لكم من الطين} معناه: أصور وأقدر وقوله {كهيئة الطير} فالهيئة الصورة المهيئة من قولهم هيأت الشيء إذا قدرته وقوله {فأنفخ فيه} أي في ذلك الطين المصور وقوله {فيكون طيرا بإذن الله} ففيه مسائل:
المسألة الثانية:... ههنا بحث، وهو أنه هل يجوز أن يقال: إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية، بحيث متى نفخ في شيء كان نفخه فيه موجبا لصيرورة ذلك الشيء حيا، أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات، وهذا الثاني هو الحق لقوله تعالى: {الذي خلق الموت والحياة} [الملك: 2] وحكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قال في مناظرته مع الملك {ربي الذي يحيي ويميت} [البقرة: 258] فلو حصل لغيره، هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال.
المسألة الثالثة: القرآن دل على أنه عليه الصلاة والسلام إنما تولد من نفخ جبريل عليه السلام في مريم وجبريل صلى الله عليه وسلم روح محض وروحاني محض فلا جرم كانت نفخة عيسى عليه السلام للحياة والروح.
المسألة الرابعة: قوله {بإذن الله} معناه بتكوين الله تعالى وتخليقه لقوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} [آل عمران: 145] أي إلا بأن يوجد الله الموت، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة، وتنبيها على إني أعمل هذا التصوير، فأما خلق الحياة فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل.
وأما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات
فهو قوله: {وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله}...
وأما النوع الخامس من المعجزات: إخباره عن الغيوب فهو قوله تعالى حكاية عنه {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} وفيه مسألتان:
المسألة الثانية: الإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة، وذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخير لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال يتقدم ثم يستعينون عند ذلك بآلة ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب، ثم يعترفون بأنهم يغلطون كثيرا، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة، ولا تقدم مسألة لا يكون إلا بالوحي من الله تعالى.
ثم إنه عليه السلام ختم كلامه بقوله {إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين}.
والمعنى إن في هذه الخمسة لمعجزة قاهرة قوية دالة على صدق المدعي لكل من آمن بدلائل المعجزة في الحمل على الصدق، بلى من أنكر دلالة أصل المعجز على صدق المدعي، وهم البراهمة، فإنه لا يكفيه ظهور هذه الآيات، أما من آمن بدلالة المعجز على الصدق لا يبقى له في هذه المعجزات كلام البتة.
جهود القرافي في التفسير 684 هـ :
... إن المسلمين من أولهم إلى آخرهم متفقون على أن الإحياء والإماتة لا يكونان إلا لله تعالى. ويستحيل أن يجعل ذلك لأحد من الخلق كائنا من كان، وأن عيسى عليه السلام لم يحي قط ميتا ولا أبرأ أكمه ولا أبرص، وإنما الفاعل لهذه الأمور هو الله تعالى عند إرادة المسيح عليه السلام، لا أن المسيح عليه السلام كان يفعل ذلك. كما أن موسى عليه السلام لم يكن يقلب لون يده...
فهذا معنى قوله تعالى وقول المسلمين أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى والأكمه والأبرص. ومن جملة جهالات النصارى اعتقادهم أنه عليه السلام كان هو الفاعل لنفس الإحياء والإبراء ولا عجب في ذلك فإن جهلهم أعظم من هذا...
وكذلك المراد نفس الإحياء في قوله تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} فلا يحيي على الحقيقة إلا المنشئ فاندفع الإشكال واجتمعت النصوص من غير تناقض وصح مذهب أهل الإسلام، وأنهم هم الموحدون حقا، وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. (الأجوبة الفاخرة: 210 إلى 213)...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال بعد ما أفاد عظمتها بجعله ما مضى مقدمات لها: {ورسولاً} عطفاً على "تالياً "المقدر، أو ينصب بتقدير: يجعله {إلى بني إسرائيل} أي بالإنجيل. ولما كان ذكر الرسالة موجباً لتوقع الآية دلالة على صحتها، وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان الرسالة مقروناً بحرف التوقع فقال: {إني} أي ذاكراً أني {قد جئتكم بآية من ربكم} أي الذي طال إحسانه إليكم، ثم أبدل من "آية" {إني أخلق لكم} أي لأجل تربيتكم بصنائع الله {من الطين}، قال الحرالي: هو متخمر الماء والتراب حيث يصير متهيئاً لقبول وقوع الصورة فيه {كهيئة} وهي كيفية وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحس -انتهى وهي الصورة المتهيئة لما يراد منها {الطير} ثم ذكر احتياجه في إحيائه إلى معالجة بقوله معقباً للتصوير: {فأنفخ} قال الحرالي: من النفخ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة. انتهى. {فيه} أي في ذلك الذي هو مثل الهيئة {فيكون طيراً} أي طائراً بالفعل- كما في قراءة نافع، وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه خالق حقيقة، ثم أكد ذلك إزالة لجميع الشبه بقوله: {بإذن الله} أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال، له روح كامل لحمله في الهواء تذكيراً بخلق آدم عليه السلام من تراب، وإشارة إلى أن هذا أعجب من خلق آدمي من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك.
ولما ذكر ما يشبه أمر آدم عليه السلام أتبعه علاج أجساد أولاده بما يردها إلى معتادها بما يعجز أهل زمانه، وكان الغالب عليهم الطب وبدأ بأجزائها فقال: {وأبرئ} قال الحرالي: من الإبراء وهو تمام التخلص من الداء، والداء ما يوهن القوى ويغير الأفعال العامة للطبع والاختيار -انتهى.
(الأكمه والأبرص} بإيجاد ما فقد منهما من الروح المعنوي؛ والكمه- قال الحرالي -ذهاب البصر في أصل الخلقة كالذي يولد أعمى أو يعمى قبل أن يميز الأشياء أو يدركها. والبرص أصل معناه: تلمع الشيء بلمع خلاف ما هو عليه، ومنه براص الأرض- لبقع لا نبت فيها، ومنه البريص في معنى البصيص، فما تلمع من الجلد على غير حاله فهو لذلك برص وقال الحرالي: البرص عبارة عن سوء مزاج يحصل بسببه تكرج، أي فساد بلغم يضعف القوة المغيرة عن إحالته إلى لون الجسد -انتهى.
ولما فرغ من رد الأرواح إلى أجزاء الجسم أتبعه رد الروح الكامل في جميعه المحقق لأمر البعث المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في بعض الآدميين فقال: {وأحيي الموتى} أي برد أرواحهم إلى أشباحهم، بعضهم بالفعل وبعضهم بالقوة، لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل، وقد أعطاني قوة ذلك،
ولما كان ذلك من أمر الإحياء الذي هو من خواص الإلهية وأبطن آيات الملكوتية، ربما أورث لبساً في أمر الإله، تبرأ منه، ورده إلى من هو له، مزيلاً للبس وموضحاً للأمر، فقال مكرراً لما قدمه في مثله معبراً بما يدل على عظمه: {بإذن الله} أي بعلمه وتمكينه، ثم أتبعه ما هو من جنسه في الإخراج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فقال: {وأنبئكم} أي من الأخبار الجليلة من عالم الغيب {بما تأكلون} أي مما لم أشاهده، بل تقطعون بأني كنت غائباً عنه {وما تدخرون} ولما كان مسكن الإنسان أعز البيوت عنده وأخفى لما يريد أن يخفيه قال: {في بيوتكم} قال الحرالي: من الادخار: افتعال من الدخرة، قلب حرفاه الدال لتوسط الدال بين تطرفهما في متقابلي حالهما؛ والدخرة ما اعتنى بالتمسك به عدة لما شأنه أن يحتاج إليه فيه، فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو ادخار، وما كانت لتكسب فيما يكون من القوام فهو احتكار- انتهى.
ولما ذكر هذه الخوارق نبه على أمرها بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم {لآية لكم} أي أيها المشاهدون على أني عبد الله ومصطفاه، فلا تهلكوا في تكويني من أنثى فقط فتطروني، فإني لم أعمل شيئاً منها إلا ناسباً له إلى الله سبحانه وتعالى وصانعاً فيه ما يؤذن بالحاجة المنافية للإلهية ولو بالدعاء، وأفرد كاف الخطاب أولاً لكون ما عده ظاهراً لكل أحد على انفراده أنه آية لجميع المرسل إليهم، وكذا جمع ثانياً قطعاً لتعنت من قد يقول: إنها لا تدل إلا باجتماع أنظار جميعهم لو جمع الأول، وإنها ليست آية لكلهم بل لواحد منهم -لو وحد في الثاني، ولما كانت الآيات لا تنفع مع المعاندات قال: {إن كنتم مؤمنين} أي مذعنين بأن الله سبحانه وتعالى قادر على ما يريد، وأهلاً لتصديق ما ينبغي التصديق به.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
أقول: وذكر الجلال [السيوطي] كغيره أنه كان يتخذ من الطين صورة خفاش، فينفخ فيها فتحلها الحياة وتتحرك في يده، وقال بعضهم بل تطير قليلا ثم تسقط. قال الأستاذ الأمام: ولا حاجة إلى هذه التفصيلات بل نقف عند لفظ الآية. وغاية ما يفهم منها إن الله تعالى جعل هذا السر ولكن لم يقل أنه خلق بالفعل، ولم يرد عن المعصوم أن شيئا من ذلك وقع، وقد جرت سنة الله تعالى أن تجري الآية على أيدي الأنبياء عند طلب قومهم لها وجعل الإيمان موقوفا عليها فإن كانوا سألوه شيئا من ذلك فقد جاء به وكذلك يقال في قوله: {وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} فإن قصارى ما تدل عليه العبارة أنه خص بذلك وأمر بأن يحتج به. والحكمة في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك إقامة الحجة على منكري نبوته كما تقدم وأما وقوع ذلك كله أو بعضه بالفعل فهو يتوقف على نقل يحتج به في مثل ذلك.
والحاصل أنه ليس عندنا نقل صحيح بوقوع خلق الطير بل ولا عند النصارى الذين يتناقلون وقوع سائر الآيات المذكورة في الآية إلا ما في إنجيل الصبا أو الطفولة من نحو ما قال ابن إسحاق وهو من الأناجيل غير القانونية عندهم. ولعل آية سورة المائدة أدنى إلى الدلالة على الوقوع من هذه الآية وهي {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا، وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني، وإذ تبرئ الأكمه والأبرص بإذني، وإذ تخرج الموتى بإذني، وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات} [المائدة: 110] فإن جعل ذلك كله متعلق النعمة يؤذن بوقوعه إلا أن يقال إن جعل هذه الآيات مما يجرى على يديه عند طلبه منه والحاجة إلى تحديه به من اجل النعم وأعظمها ولكن هذا خلاف ظاهر.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
حرص النص على أن يذكر على لسان المسيح -عليه السلام- كما هو مقدر في غيب الله عند البشارة لمريم، وكما تحقق بعد ذلك على لسان عيسى -أن كل خارقة من هذه الخوارق التي جاءهم بها، إنما جاءهم بها من عند الله. وذكر إذن الله بعد كل واحدة منها تفصيلا وتحديدا؛ ولم يدع القول يتم ليذكر في نهايته إذن الله زيادة في الاحتياط!
وهذه المعجزات في عمومها تتعلق بإنشاء الحياة أو ردها، أو رد العافية وهي فرع عن الحياة. ورؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية.. وهي في صميمها تتسق مع مولد عيسى؛ ومنحه الوجود والحياة على غير مثال إلا مثال آدم- عليه السلام -وإذا كان الله قادرا أن يجري هذه المعجزات على يد واحد من خلقه، فهو قادر على خلق ذلك الواحد من غير مثال.. ولا حاجة إذن لكل الشبهات والأساطير التي نشأت عن هذا المولد الخاص متى رد الأمر إلى مشيئة الله الطليقة ولم يقيد الإنسان الله- سبحانه -بمألوف الإنسان!
{أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِي أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ}...
"أخلق "مأخوذة من الخلق، والخلق هو إيجاد شيء على تقدير، فأنت تتخيله وتقدره في ذهنك أولا ثم تأتي به على هذه الحالة. فإن كان قد أتى على غير تقديرك فليس خلقا، إنما هو شيء جزافى جاء على غير علم وتقدير، وإنّ من يأخذ قطعة من الطين ويصنع منها أي شيء فهذا ليس خلقا. إن الخلق هو المطلوب على تقدير. مثال ذلك الكوب أو الكأس البلور الذي نشرب فيه حينما صنعه الصانع. هل كانت هناك شجرة تخرج أكوابا، أم أن الصانع أخذ الرمال وصهرها ووضع عليها مواد كيماوية تخليها من الشوائب، ثم قام بتشكيلها على هيئة الكوب؟ إذن فالكوب لم تكن موجودة، ووجدت على تقدير أن تكون شكل الكوب، فهي خلق أُوجد على تقدير. فماذا عن خلق الله؟ إنه يخلق على تقدير، وفرق بين صنعة البشر حين يخلق، وبين صنعة الله حين يخلق. إ... إن هذا أول فرق بين خلق الله، وخلق الإنسان، فخلق الله يكون من عدم، وخلق الإنسان من موجود، وإن كان الاثنان على تقدير...
والله يخلق من الشيء ذكرا وأنثى ويعطيهما القدرة على التناسل، فها هو ذا قول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12-14]...
وينفخ فيه، وقد تسأل، في ماذا ينفخ؟ أينفخ في الطير، أم في الطين، أم في الهيئة؟ إن قلنا: أن النفخ في الطين بعد ما صار طيرا. يكون النفخ في الطين، كالنفخ في الطير، وجاءت في آية أخرى أنها نفخ في الهيئة. {إِذْ قَالَ اللَّهُ يعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي} [المائدة: 110]...
{إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49]. إن هذه آية عجيبة تثبت أن هناك قوة أعلى قاهرة هي قوة الله الحق هي التي تعطيه هذه الأشياء، فإن كنتم مؤمنين بوجود قوة أعلى فعليكم تصديق الرسالة التي جاء بها عيسى ابن مريم، لأن معنى (رسول) أنه مخلوق اصطفاه الله وأرسله سبحانه إلى الأدنى منه، فالذي يؤمن الآية هو الذي يؤمن بوجود إله أعلى قادر ومن يريد أن يتثب -مع إيمانه بالله- من الآية التي بعثها الله مع عيسى ابن مريم، فالآية واضحة. بالله فلن تفيده الآية في الإيمان...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
الجدير بالالتفات هنا أن تكرار القول «بإذن الله» والاعتماد على مشيئته في هذه الآية من أجل أن لا يبقى عذر لمدعي ألوهية المسيح، ولكيلا يعتبره الناس ربّاً، أما عدم تكرارها في الأخبار بالغيب لوضوح الأمر.