{ وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة } عطف إما على المضمر الذي تعلق به قوله تعالى : { بآية } [ آل عمران : 49 ] أي قد جئتكم محتجاً ، أو متلبساً بآية الخ ومصدقاً لما الخ ، وإما على { رَسُولاً } [ آل عمران : 49 ] وفيه معنى النطق مثله ، وجوز أن يكون منصوباً بفعل دل عليه { قَدْ جِئْتُكُم } [ آل عمران : 49 ] أي وجئتكم مصدقاً الخ . وقوله سبحانه : { مِنَ التوراة } في موضع نصب على الحال من الضمير المستتر في الظرف والعامل فيه الاستقرار ، أو الظرف نفسه لقيامه مقام الفعل ، ويجوز أن يكون حالاً من ( ما ) فيكون العامل فيه { مُصَدّقاً } ومعنى تصديقه عليه السلام للتوراة الإيمان بأن جميع ما فيها حكمة وصواب ، وقيل : إن تصديقه لها مجيئه رسولاً طبق ما بشرت به { ولأحل لَكُم } معمول لمقدر بعد الواو أي وجئتكم لأحل فهو من عطف الجملة على الجملة ، أو معطوف على { بآية } من قوله سبحانه : { جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ } [ آل عمران : 49 ] لأنه في معنى لأظهر لكم آية ولأحل فلا يرد أنه لا يصح عطف المفعول له على المفعول به ، أو معطوف على { مُصَدّقاً } ويلتزم التأويل بما يجعلهما من باب واحد ، وإن كان الأول : حالاً ، والثاني : مفعولاً له فكأنه قيل : جئتكم لأصدق ولأحل ، وقيل : لا بد من تقدير جئتكم فيها كلها ؛ إذ لا يعطف نوع من المعمولات على نوع آخر .
{ بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ } أي في شريعة موسى عليه السلام . أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع أنه قال : كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى عليهما السلام وكان قد حرم عليهما فيما جاء به موسى عليه السلام لحوم الإبل والثروب فأحلها لهم على لسان عيسى وحرمت عليهم شحوم الإبل فأحلت لهم فيما جاء به عيسى ، وفي أشياء من السمك ، وفي أشياء من الطير مما لا صيصية له ، وفي أشياء أخر حرمها عليهم وشدد عليهم فيها فجاء عيسى بالتخفيف منه في «الإنجيل » . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله ، وهذا يدل على أن «الإنجيل » مشتمل على أحكام تغاير ما في «التوراة » وأن شريعة عيسى نسخت بعض شريعة موسى ، ولا يخل ذلك بكونه مصدقاً للتوراة فإن النسخ بيان لانتهاء زمان الحكم الأول لا رفع وإبطال كما تقرر ، وهذا مثل نسخ القرآن بعضه ببعض ، وذهب بعضهم إلى أن «الإنجيل » لم يخص أحكاماً ولا حوى حلالاً وحراماً ولكنه رموز وأمثال ومواعظ وزواجر ، وما سوى ذلك من الشرائع والأحكام فمحالة على «التوراة » ، وإلى أن عيسى عليه السلام لم ينسخ شيئاً مما في «التوراة » ، وكان يسبت ويصلي نحو البيت المقدس ، ويحرم لحم الخنزير ، ويقول بالختان إلا أن النصارى غيروا ذلك بعد رفعه فاتخذوا يوم الأحد بدل يوم السبت لما أنه أول يوم الأسبوع ومبدأ الفيض ، وصلوا نحو المشرق لما تقدم ، وحملوا الختان على ختان القلب وقطعه عن العلائق الدنيوية والعوائق عن الحضرة الإلهية وأحلوا لحم الخنزير مع أن مرقس حكى في «إنجيله » أن المسيح أتلف الخنزير وغرق منه في البحر قطيعاً كبيراً وقال لتلامذته : لا تعطوا القدس الكلاب ولا تلقوا جواهركم قدام الخنازير فقرنها بالكلاب ، وسبب ذلك زعمهم أن بطرس رأى في / النوم صحيفة نزلت من السماء ، وفيها صور الحيوانات وصورة الخنزير وقيل له : يا بطرس كل منها ما أحببت ونسب هذا القول إلى وهب بن منبه ، والذاهبون إليه أولوا الآية بأن المراد ما حرمه علماؤهم تشهياً أو خطأ في الاجتهاد ، واستدلوا على ذلك بأن المسيح عليه السلام قال في «الإنجيل » : ما جئت لأبطل التوراة بل جئت لأكملها ، ولا يخفى أن تأويل الآية بما أولوه به بعيد في نفسه ، ويزيده بعداً أنه قرئ حرم بالبناء للفاعل وهو ضمير ما { بَيْنَ يَدَىِ } أو الله تعالى ، وقرئ أيضاً حرم بوزن كرم ، وأن ما ذكروه من كلام المسيح عليه السلام لا ينافي النسخ لما علمت أنه ليس بإبطال ، وإنما هو بيان لانتهاء الحكم الأول ، ومعنى التكميل ضم السياسة الباطنة التي جاء بها إلى السياسة الظاهرة التي جاء بها موسى عليه السلام على ما قيل أو نسخ بعض أحكام التوراة بأحكام هي أوفق بالحكمة وأولى بالمصلحة وأنسب بالزمان ، وعلى هذا يكون قول المسيح حجة للأولين لا عليهم ، ولعل ما ذهبوا إليه هو المعول عليه كما لا يخفى على ذوي العرفان { وَجِئْتُكُمْ بآية مّن رَبُّكُمْ } الكلام فيه كالكلام في نظيره ، وقرىء بآيات { فاتقوا الله } في عدم قبول ما جئتكم به { وَأَطِيعُونِ } في ما آمركم به وأنهاكم بأمر الله تعالى .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وبأني قد جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم مصدّقا لما بين يديّ من التوراة... وإنما قيل: {ومُصَدّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيّ مِنَ التّوْرَاةِ}؛ لأن عيسى صلوات الله عليه كان مؤمنا بالتوراة مقرّا بها، وأنها من عند الله، وكذلك الأنبياء كلهم يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض شرائع أحكامهم لمخالفة الله بينهم في ذلك، مع أن عيسى كان فيما بلغنا عاملاً بالتوراة، لم يخالف شيئا من أحكامها إلا ما خفف الله عن أهلها في الإنجيل مما كان مشدّدا عليهم فيها. {وَجِئْتُكُمْ بآيَةٍ مِنْ رَبّكُمْ}: وجئتكم بحجة وعبرة من ربكم، تعلمون بها حقيقة ما أقول لكم.
{فاتّقُوا اللّهَ وأطِيعُونِ إِنّ اللّهَ رَبّي وَرَبّكُمْ فاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}: وجئتكم بآية من ربكم، تعلمون بها يقينا صدقي فيما أقول، فاتقوا الله يا معشر بني إسرائيل فيما أمركم به، ونهاكم عنه في كتابه الذي أنزله على موسى فأوفوا بعهده الذي عاهدتموه فيه، وأطيعون فيما دعوتكم إليه من تصديقي فيما أرسلني به إليكم، ربي وربكم فاعبدوه، فإنه بذلك أرسلني إليكم، وبإحلال بعض ما كان محرّما عليكم في كتابكم، وذلك هو الطريق القويم، والهدى المتين الذي لا اعوجاج فيه...
وهذه الآية، وإن كان ظاهرها خبرا، ففيه الحجة البالغة من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم على الوفد الذين حاجوه من أهل نجران بإخبار الله عزّ وجلّ، عن أن عيسى كان بريئا مما نسبه إليه من نسبه، غير الذي وصف به نفسه، من أنه لله عبد كسائر عبيده من أهل الأرض إلا ما كان الله جل ثناؤه خصه به من النبوّة والحجج التي آتاه دليلاً على صدقه، كما آتى سائر المرسلين غيره من الأعلام والأدلة على صدقهم، والحجة على نبوّتهم.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ} شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: {إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ} لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه،... {جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ} أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامي في المهد، ومن سائر ذلك...
فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه...
المسألة الثانية: إنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقا لجميع الأنبياء عليهم السلام، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة، فكل من حصل له المعجز، وجب الاعتراف بنبوته، فلهذا قلنا: بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقا لموسى بالتوراة، ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم تقرير التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين.
وأما المقصود الثاني من بعثة عيسى عليه السلام قوله: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}.
وفيه سؤال: وهو أنه يقال: هذه الآية الأخيرة مناقضة لما قبلها لأن هذه الآية الأخيرة صريحة في أنه جاء ليحل بعض الذي كان محرما عليه في التوراة، وهذا يقتضي أن يكون حكمه بخلاف حكم التوراة، وهذا يناقض قوله {ومصدقا لما بين يدي من التوراة}.
والجواب: إنه لا تناقض بين الكلام، وذلك لأن التصديق بالتوراة لا معنى له إلا اعتقاد أن كل ما فيها فهو حق وصواب، وإذا لم يكن الثاني مذكورا في التوراة لم يكن حكم عيسى بتحليل ما كان محرما فيها، مناقضا لكونه مصدقا بالتوراة، وأيضا إذا كانت البشارة بعيسى عليه السلام موجودة في التوراة لم يكن مجيء عيسى عليه السلام وشرعه مناقضا للتوراة. ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه عليه السلام ما غير شيئا من أحكام التوراة، قال وهب بن منبه: إن عيسى عليه السلام كان على شريعة موسى عليه السلام كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس، ثم إنه فسر قوله {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} بأمرين:
أحدهما: إن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى، فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها وأعاد الأمر إلى ما كان في زمن موسى عليه السلام.
والثاني: أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات كما قال الله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء: 160] ثم بقي ذلك التحريم مستمرا على اليهود فجاء عيسى عليه السلام ورفع تلك التشديدات عنهم. وقال آخرون: إن عيسى عليه السلام رفع كثيرا من أحكام التوراة، ولم يكن ذلك قادحا في كونه مصدقا بالتوراة على ما بيناه ورفع السبت ووضع الأحد قائما مقامه وكان محقا في كل ما عمل لما بينا أن الناسخ والمنسوخ كلاهما حق وصدق.
{وجئتكم بأية من ربكم}: وإنما أعاده لأن إخراج الإنسان عن المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر فأعاد ذكر المعجزات ليصير كلامه ناجعا في قلوبهم ومؤثرا في طباعهم. ثم خوفهم فقال: {فاتقوا الله وأطيعون}:لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله تعالى فبين أنه إذا لزمكم أن تتقوا الله لزمكم أن تطيعوني فيما آمركم به عن ربي.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{ومصدقا لما بين يدي من التوراة} أي: أتيت بجنس ما جاءت به التوراة وما جاء به موسى عليه السلام، وعلامة الصادق أن يكون خبره من جنس خبر الصادقين، يخبر بالصدق، ويأمر بالعدل من غير تخالف ولا تناقض،... ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} فدل ذلك على أن أكثر أحكام التوراة لم ينسخها الإنجيل بل كان متمما لها ومقررا... {فاتقوا الله} بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وأطيعوني فإن طاعة الرسول طاعة لله...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم)...
. يكشف عن طبيعة المسيحية الحقة. فالتوراة التي تنزلت على موسى -عليه السلام- وهي تتضمن التشريع المنظم لحياة الجماعة وفق حاجة ذلك الزمان، وملابسات حياة بني إسرائيل... فما الدين إلا منهج الحياة الذي أراده الله للبشر؛ ونظام الحياة الذي يربط حياة الناس بمنهج الله. ولا يمكن أن ينفك عنصر العقيدة الإيمانية، عن الشعائر التعبدية، عن القيم الخلقية، عن الشرائع التنظيمية، في أي دين يريد أن يصرف حياة الناس وفق المنهج الإلهي. وأي انفصال لهذه المقومات يبطل عمل الدين في النفوس وفي الحياة؛ ويخالف مفهوم الدين وطبيعته كما أراده الله. وهذا ما حدث للمسيحية. فإنها لعدة ملابسات تاريخية من ناحية؛ ولكونها جاءت موقوته لزمن -حتى يجيء الدين الأخير- ثم عاشت بعد زمنها من ناحية.. قد انفصل فيها الجانب التشريعي التنظيمي عن الجانب الروحاني التعبدي الأخلاقي.. فقد حدث أن قامت العداوة المستحكمة بين اليهود والمسيح عليه السلام وأنصاره ومن اتبع دينه فيما بعد؛ فأنشأ هذا انفصالا بين التوراة المتضمنة للشريعة والإنجيل المتضمن للإحياء الروحي والتهذيب الأخلاقي.. كما أن تلك الشريعة كانت شريعة موقوتة لزمن خاص ولجماعة من الناس خاصة. وكان في تقدير الله أن الشريعة الدائمة الشاملة للبشرية كلها ستجيئ في موعدها المقدور...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{ومصدقاً} من كلام عيسى بدليل قوله: {لما بين يدي}. والمصدّق: المخبر بصِدق غيره، وأدخلت اللام على المفعول للتقوية، للدلالة على تصديقٍ مُثبت محقّق، أي مصدّقاً تصديقاً لا يشوبُه شك ولا نِسبةٌ إلى خطأ. وجَعْل التصديق متعدياً إلى التوراة تَوْطئة لقوله: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}...
ومعنى ما بين يديّ ما تقدم قبلي، لأنّ المتقدّم السابق يمشي بين يدي الجائي فهو هنا تمثيل لحالة السبق، وإن كان بينه وبين نزول التوراة أزمنة طويلة، لأنّها لما اتّصل العمل بها إلى مَجيئه، فكأنها لم تسبقه بزمن طويل...
وعقب به قوله: {مصدّقاً لما بين يديّ} تنبيهاً على أنّ النسخ لا ينافي التصديق؛ لأنّ النسخ إعلام بتغيُّر الحكم. وانحصرت شريعة عيسى في إحياء أحكام التوراة وما تركوه فيها وهو في هذا كغيره من أنبياء بني إسرائيل، وفي تحليل بعض ما حرمه الله عليهم رعياً لحالهم في أزمنة مختلفة، وبهذا كان رسولاً...
ويقول الحق متابعا على لسان عيسى ابن مريم: {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ...}
وقد قلنا: إن "مصدقا "تعني أن ما جاء به عيسى بن مريم مطابق لما جاء في التوراة. وقلنا: إن "ما بين يدي" الإنسان هو الذي سبقه، أي الذي جاء من قبله وصار أمامه. وما دام عيسى ابن مريم جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة في زمانه، وكانت التوراة موجودة، فلماذا جاءت رسالته إذن؟
لكن القول الحق يتضمن هذا المعنى: إن عيسى سيأتي بأحكام جديدة، ويتضح ذلك في قوله الحق سبحانه على لسان عبده عيسى ابن مريم:
{وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} إذن فليس المهم هو التصديق فقط، ذلك أن عيسى جاء ليحل بعضا من الذي حرمته التوراة.
وقد يقول قائل: إذا كانت الكتب السماوية تأتي مصدقة بعضها بعضا فما فائدة توالي نزول الكتب السماوية؟ والإجابة هي: أن فائدة الكتب السماوية اللاحقة أنها تذكر من سها عن الكتب السابقة، هذا في المرتبة الأولى، وثانيا: تأتي الكتب السماوية بأشياء، وأحكام تناسب التوقيتات الزمنية التي تنزل فيها هذه الكتب. هذه هي فوائد الكتب السماوية التي توالت نزولا من الحق على رسله، إنها تذكر من عقل وتُعَدلّ في بعض الأحكام.
ومن الطبيعي أننا جميعا نفهم أن العقائد لا تبديل فيها، وكذلك الأخبار والقصص، لكن التبديل يشمل بعضا من الأحكام. ولهذا جاء القول الحق على لسان عبده عيسى ابن مريم: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} ونحن نعرف أن القوم الذي أرسل الله عيسى ابن مريم لهم هم بنو إسرائيل، والتحريم والتحليل يكون بحكمة من الله.
إن لله حكمة فيما يحلل وحكمة فيما يحرم، إنما إياك أن تفهم أن كل شيء يحرمه الله يكون ضارا؛ قد يحرم الله أشياء لتأديب الخلق، فيأمر بالتحريم، ولا يصح أن تسأل عن الضرر فيها، وقد يعيش المؤمن دنياه ولم يثبت له ضرر بعض ما حرم الله. فإن تساءل أحد: لماذا حرم الله ذلك؟ تقول له: من الذي قال لك إن الله حين يحرم فهو يحرم الشيء الضار فقط؟ إنه الحق سبحانه يحرم الضار، ويحرم بعضا مما هو غير ضار، ولذلك قال الحق:
{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً} [النساء: 160].
{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146].
إذن التحريم ليس ضروريا أن يكون لما فيه الضرر، ولهذا جاء قول الحق على لسان عبده ورسوله إلى بني إسرائيل عيسى ابن مريم: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} لقد جاء عيسى ابن مريم ليُحل لهم بأمر من الله ما كان قد حرمه الله عليهم من قبل.
وبعد ذلك يقول الحق على لسان عبده ورسوله عيسى ابن مريم: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} ومجموعة هذه الأوامر التي تقدمت هي آية أي شيء عجيب، بلغت القوم الذين أرسل الله عيسى إليهم، إنه كرسول وكبشر لا يستطيع أن يجيء بالآية المعجزة بمفرده بل لا بد أن يكون مبعوثا من الله. فيجب أن يلتفتوا إلى أن الله الذي أرسله، وله طلاقة القدرة في خرق النواميس هو سبحانه الذي أجرى على يدي عيسى هذه الأمور، ويأمرهم عيسى ابن مريم بتقوى الله نتيجة لذلك، ويدعو القوم لطاعته في تطبيق منهج الله.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
[ومصدِّقاً لما بين يديَّ من التوراة] فإنَّ النبوّة الجديدة لا تلغي النبوّة القديمة، لأنَّ النبوات ليست منطلقة من شخص النبيّ في ذاتياته الفكرية، بل من وحي اللّه الذي يشرّع للحياة كلّها وللإنسان كلّه، في الخطّ العام الذي تتكامل فيه الرسالات وتتوزع فيه الأدوار،... [فاتَّقوا اللّه وأطيعونِ] وهكذا دعاهم إلى تقوى اللّه في الوقوف عند حدوده من خلال ما أوجبه وما حرّمه عليهم، وإلى طاعته في ما يُريد أن ينظّم لهم من حياتهم في مسارها الجديد الذي يخلق لنا أوضاعاً جديدة في حركة الإيمان نحو أهدافه الكبيرة في الحياة. فإنَّ التَّقوى والطاعة للّه مظهر الاعتراف بالربوبية الشاملة في تأكيدها المضموني الإيحائي على العبودية الخالصة في خضوع الإنسان لربِّه...