{ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } المثقال مفعال من الثقل ، ويطلق على المقدار المعلوم الذي لم يختلف كما قيل : جاهلية وإسلام وهو كما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أربعة وعشرون قيراطاً ، وعلى مطلق المقدار وهو المراد هنا ولذا قال السدي : أي وزن ذرة وهي النملة الحمراء الصغيرة التي لا تكاد ترى . وروي ذلك عن ابن عباس وابن زيد ، وعن الأول : أنها رأس النملة ، وعنه أيضاً أنه أدخل يده في التراب ثم نفخ فيه فقال : كل واحدة من هؤلاء ذرة ، وقريب منه ما قيل : إنها جزء من أجزاء الهباء في الكوة ، وقيل هي الخردلة ، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف » من طريق عطاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ مثقال نملة ولم يذكر سبحانه الذرة لقصر الحكم عليها بل لأنها أقل شيء مما يدخل في وهم البشر ، أو أكثر ما يستعمل عند الوصف بالقلة ، ولم يعبر سبحانه بالمقدار ونحوه بل عبر بالمثقال للإشارة بما يفهم منه من الثقل الذي يعبر به عن الكثرة والعظم كقوله تعالى : { فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ موازينه } [ القارعة : 6 ] إلى أنه وإن كان حقيراً فهو باعتبار جزئه عظيم ، وانتصابه على أنه صفة مصدر محذوف كالمفعول ، أي ظلماً قدر مثقال ذرة فحذف المصدر وصفته ، وأقيم المضاف إليه مقامهما ، أو مفعول ثان ليظلم أي لا يظلم أحداً أو لا يظلمهم مثقال ذرة . قال السمين : وكأنهم ضمنوا ( يظلم ) معنى يغصب أو ينقص فعدوه لاثنين . وذكر الراغب أن الظلم عند أهل اللغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة أو بعدول عن وقته أو مكانه ، وعليه ففي الكلام إشارة إلى أن نقص الثواب وزيادة العقاب لا يقعان منه تعالى أصلاً ، وفي ذلك حث على الإيمان والإنفاق بل إرشاد إلى أن كل ما أمر به مما ينبغي أن يفعل وكل ما نهى عنه مما ينبغي أن يجتنب .
واستدل المعتزلة بالآية على أن الظلم ممكن في حدّ ذاته إلا أنه تعالى لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة لأنه سبحانه مدح نفسه بتركه ولا مدح بترك القبيح ما لم يكن عن قدرة ، ألا ترى أن العنين لا يمدح بترك الزنا ، واعترض على ذلك بقوله تعالى : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } [ البقرة : 255 ] فإنه ذكر في معرض المدح مع أن النوم غير ممكن عليه سبحانه ، قال في «الكشف » وهو غير وارد لأنه مدح بانتفاء النقص عن ذاته المقدسة وهو كما نقول : الباري عز وعلا ليس بجسم ولا عرض ، وأما ما نحن فيه فمدح بترك الفعل والترك الممدوح إنما يكون إذا كان بالاختيار ، نعم للمانع أن لا يسلم أنه تعالى مدح بالترك بل من حيث الدلالة على النقص لأن وجوب الوجود ينافي جواز الاتصاف بالظلم ، وتحقيقه على مذهبهم أن وضع الشيء في غير موضعه الحقيق به ممكن في نفسه وقدرة الحق جل شأنه تسع جميع الممكنات ، لكن الحكمة وهي الإتيان بالممكن على وجه الإحكام وعلى ما ينبغي مانعة ، وعن هذا قالوا : الحكيم لا يفعل إلا الحسن من بين الممكنات إلا إذا دعته حاجة ؛ والمنزه عن الحاجات جمع يتعالى عن فعل القبيح ، ونحن نقول : إنه عز اسمه لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أيضاً بناءاً على وعده المحتوم ، فإن الحلف فيه ممتنع لكونه نقصاً منافياً للألوهية وكمال الغنى ، وبهذا الاعتبار يصح أن يسمى ظلماً ، وإن كان لا يتصور حقيقة الظلم منه تعالى لكونه المالك على الإطلاق ، فالزيادة والنقص ممكنان لذاتهما ، والخلف ممتنع لذاته ، ولا يلزم من كون الخلف ممتنعاً لذاته بالنسبة إلى الواجب تعالى وتقدس أن يكون متعلقه كذلك ، وهذا على نحو ما تقرر في مسألة التكليف بالممتنع أن إخبار الله تعالى عن عدم إيمان المصر ووجوب الصدق اللازم له لا يخرج الفعل عن كونه مقدور المكلف بل يحقق قدرته عليه فليحفظ فإنه مهم .
{ وَإِن تَكُ حَسَنَةً } الضمير المستتر في الفعل الناقص عائد إلى المثقال ، وإنما أنث حملاً على المعنى لأنه بمعنى وإن تكن زنة ذرة حسنة ، وقيل : لأن المضاف قد يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان جزأه نحو .
كما شرقت صدر القناة من الدم *** أو صفة له نحو { لاَّ تَنفَعُ * نَفْسًا إِيمَانُهَا } [ الأنعام : 158 ] في قراءة من قرأ بالتاء الفوقانية ومقدار الشيء صفة له كما أن الإيمان صفة للنفس ، وقيل : أنث الضمير لتأنيث الخبر ، واعترض بأن تأنيث الخبر إنما يكون لمطابقة تأنيث المبتدأ ، فلو كان تأنيث المبتدأ له لزم الدور ، وأجيب بأن ذلك إذا كان مقصوداً وصفيته ، والحسنة غلبت عليها الإسمية فألحقت بالجوامد التي لا تراعى فيها المطابقة نحو الكلام هو الجملة وقيل : الضمير عائد إلى المضاف إليه وهو مؤنث بلا خفاء ، وحذفت النون من آخر الفعل من غير قياس تشبيهاً لها بحروف العلة من حيث الغنة والسكون وكونها من حروف الزوائد ، وكان القياس عود الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين بعد حذف النون إلا أنهم خالفوا القياس في ذلك أيضاً حرصاً على التخفيف فيما كثر دوره ، وقد أجاز يونس حذف النون من هذا الفعل أيضاً في مثل قوله :
فإن لم ( تك ) المرآة أبدت وسامة *** فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
وسيبويه يدعي أن ذلك ضرورة ، وقرأ ابن كثير { حَسَنَةٌ } بالرفع على أن { تَكُ } تامة أي وإن توجد أو تقع { حَسَنَةٌ } .
{ يضاعفها } أضعافاً كثيرة حتى يوصلها كما مر عن أبي هريرة إلى ألفي ألف حسنة ، وعنى التكثير لا التحديد ، والمراد يضاعف ثوابها لأن مضاعفة نفس الحسنة بأن تجعل الصلاة الواحدة صلاتين مثلاً مما لا يعقل ، وإن ذهب إليه بعض المحققين ، وما في الحديث من أن تمرة الصدقة يربيها الرحمن حتى تصير مثل الجبل محمول على هذا للقطع بأنها أكلت ، واحتمال إعادة المعدوم بعيد ، وكذا كتابة ثوابها مضاعفاً ، وهذه المضاعفة ليست هي المضاعفة في المدة عند الإمام لأنها غير متناهية ، وتضعيف غير المتناهي محال بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار ، مثلاً يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين جزءاً أو ثلاثين أو أزيد ، وقيل : هي المضاعفة بحسب المدة على معنى أنه سبحانه لا يقطع ثواب الحسنة في المدد الغير المتناهية لا أنه يضاعف جل شأنه مدتها ليجيء حديث محالية تضعيف ما لا نهاية ، وجعل قوله تعالى : { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } على هذا عطفاً لبيان الأجر المتفضل به ، وهو الزيادة في المقدار إثر بيان الأجر المستحق وهو إعطاء مثله واحداً بعد واحد إلى أبد الدهر ، وتسمية ذلك أجراً من مجاز المجاورة لأنه تابع للأجر مزيد عليه ، وعلى الأول جعله البعض وارداً على طريقة عطف التفسير على معنى يضاعف ثواب تلك الحسنة بإعطاء الزائد عليه من فضله ، وزعموا أن القول بالأجر المستحق مذهب المعتزلة ولا يتأتى على مذهب الجماعة وليس بشيء لأن الجماعة يقولون بالاستحقاق أيضاً لكن بمقتضى الوعد الذي لا يخلف ، وبه يكون الأجر الموعود به كأنه حق للعبد كما أنه يكون كذلك أيضاً بمقتضى الكرم كما قيل : وعد الكريم دين ، نعم حمل الأجر على ما ذكر لا يخلو عن بعد ، والداعي إليه عدم التكرار ، وقال الإمام أيضاً : «إن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعود بها في الجنة ، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية والاستغراق في المحبة والمعرفة *** وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادات الجسمانية ، وهذا الأجر إشارة إلى السعادات الروحانية » ، ولا يخلو عن حسن ، و لدن بمعنى عند ، وفرق بينهما بعضهم بأن لدن أقوى في الدلالة على القرب ، ولذا لا يقال : لديّ مال إلا وهو حاضر بخلاف عند ، وتقول : هذا القول عندي صواب ، ولا تقول : لدي ولدني كما قاله الزجاج ونظر فيه بأنه شاع استعمال لدن في غير المكان كقوله تعالى : { مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } [ الكهف : 65 ] اللهم إلا أن يخرج ما قاله الزجاج مخرج الغالب ، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وابن جبير يضعفها بتضعيف العين وتشديدها ، والمختار عند أهل اللغة والفارسي أنهما بمعنى ، وقال أبو عبيدة : ضاعف يقتضي مراراً كثيرة ، وضعف يقتضي مرتين ، ورد بأنه عكس اللغة لأن المضاعفة تقتضي زيادة الثواب فإذا شددت دلت البنية على التكثير فيقتضي ذلك تكرير المضاعفة ، وقد تقدم من الكلام ما ينفعك فتذكر .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } مقدار ما يظهر من الهباء { وَإِن تَكُ حَسَنَةً } ولا تكون كذلك إلا إذا كانت له فإن كانت له يضاعفها بالتأييد الحقاني { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } [ النساء : 40 ] وهو الشهود الذاتي ، أو العلم اللداني
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{إن الله لا يظلم مثقال ذرة}: لا ينقص وزن أصغر من الذرة من أموالهم، {وإن تك حسنة} واحدة {يضاعفها} حسنات كثيرة، فلا أحد أشكر من الله عز وجل، {ويؤت من لدنه أجرا عظيما}: ويعطي من عنده في الآخرة جزاء كثيرا، وهي الجنة...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الاَخر، وأنفقوا مما رزقهم الله، فإن الله لا يبخس أحدا من خلقه أنفق في سبيله مما رزقه من ثواب نفقته في الدنيا ولا من أجرها يوم القيامة {مِثْقَالَ ذَرّةٍ} أي ما يزنها ويكون على قدر ثقلها في الوزن، ولكنه يجازيه به، ويثيبه عليه. عن قتادة أنه تلا: {إنّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّةٍ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها} قال: لأن تفضل حسناتي ما يزن ذرّة أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها.
وأما الذرّة، فإنه ذكر عن ابن عباس أنه قال: {مِثْقالَ ذَرّةٍ} قال: رأس نملة حمراء.
حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عمران، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إنّ اللّهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثابُ عَلَيْها الرّزْقَ فِي الدّنْيا وُيجْزَى بها فِي الاَخِرَةِ¹ وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بها فِي الدّنْيا، فإذَا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَمْ تَكُنْ لَه حَسَنَةً».
حدثني به المثنى، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا صدقة بن أبي سهل، قال: حدثنا أبو عمرو، عن زاذان، قال: أتيت ابن مسعود، فقال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والاَخرين، ثم نادى مناد من عند الله: «ألا من كان يطلب مظلمة، فليجيء إلى حقه فليأخذه!» قال: فيفرح والله الصبيّ أن يذوب له الحقّ على والده أو ولده أو زوجته، فيأخذه منه وإن كان صغيرا. ومصداق ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى: {فإذَا نُفِخَ فِي الصّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ} فيقال له: «آت هؤلاء حقوقهم» أي أعطهم حقوقهم. فيقول: أي ربّ من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله لملائكته: أي ملائكتي انظروا في أعماله الصالحة، وأعطوهم منها! فإن بقي مثقال ذرة من حسنة، قالت الملائكة وهو أعلم بذلك منها: يا ربنا أعطيْنا كلّ ذي حقّ حقه، وبقي له مثقال ذرّة من حسنة. فيقول للملائكة: ضعّفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة! ومصداق ذلك في كتاب الله: {إنّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّةٍ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها وَيُؤتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْرا عَظِيما}: أي الجنة يعطيها. وإن فنيت حسناته وبقيت سيئاته، قالت الملائكة وهو أعلم بذلك: إلهنا فنيت حسناته وبقي سيئاته، وبقي طالبون كثير! فيقول الله: ضعوا عليه من أوزارهم واكتبوا له كتابا إلى النار! قال صدقة: «أو صكّا إلى جهنم»، شكّ صدقة أيتهما قال.
فتأويل الآية على هذا: إن الله لا يظلم عبدا وجب له مثقال ذرّة قِبَل عبد له آخر في معاده ويوم لقائه فما فوقه فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَهُ قِبَلَهُ. {وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها} يقول: وإن توجد له حسنة يضاعفها، بمعنى: يضاعف له ثوابها وأجرها. {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْرا عَظِيما} يقول: ويعطه من عنده أجرا عظيما. والأجر العظيم: الجنة على ما قاله عبد الله.
ولكلا التأويلين وجه مفهوم، أعنى التأويل الذي قاله ابن مسعود والذي قاله قتادة. وإنما اخترنا التأويل الأوّل لموافقته الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها، التي حثّ الله فيها على النفقة في طاعته، وذمّ النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله: {إنّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّةٍ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها وَيُؤتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْرا عَظِيما}.
ويؤته الله من لدنه أجرا، يعني: يعطه من عنده أجرا عظيما، يعني: عوضا من حسنته عظيما. وذلك العوض العظيم: الجنة¹.
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :
فمعنى الآية على هذا التأويل، إن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم بل يأخذ له منه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له، بل يثيبه عليها ويضعفها له، قوله تعالى: {وإن تك حسنةً يضاعفها}، قرأ أهل الحجاز {حسنة} بالرفع، أي: وإن توجد حسنة، وقرأ الآخرون بالنصب على معنى: وإن تك زنة الذرة حسنةً يضاعفها، أي: يجعلها أضعافاً كثيرة.
قوله تعالى: {ويؤت من لدنه أجرا عظيما}. قال أبو هريرة رضي الله عنه: إذا قال الله تعالى (أجراً عظيماً) فمن يقدر قدره؟... قوله تعالى: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليماً إن الله لا يظلم مثقال ذرة}. ونظمه: وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا فإن الله لا يظلم، أي: لا يبخس ولا ينقص، أحداً من ثواب عمله مثقال ذرة وزن، والذرة: هي النملة الحمراء الصغيرة، وقيل: الذر أجزاء الهباء في الكوة، وكل جزء منها ذرة، ولا يكون لها وزن، وهذا مثل، يريد: أن الله لا يظلم شيئاً، كما قال في آية أخرى: {إن الله لا يظلم الناس شيئا}. [يونس:44].
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
{إن الله لا يظلم مثقال ذرّة} نزلت في المهاجرين الأوّلين. وقيل: في الخصوم. وقيل: في عامة المؤمنين. ومناسبة هذه لما قبلها واضحة لأنه تعالى لما أمر بعبادته تعالى وبالإحسان للوالدين ومن ذكر معهم، ثم أعقب ذلك بذم البخل والأوصاف المذكورة معه، ثم وبخ من لم يؤمن، ولم ينفق في طاعة الله، فكان هذا كله توطئة لذكر الجزاء على الحسنات والسيئات فأخبر تعالى بصفة عدله، وأنه عزّ وجل لا يظلم أدنى شيء، ثم أخبر بصفة الإحسان فقال:... {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً} وضرب مثلاً لأحقر الأشياء وزن ذرة، وذلك مبالغة عظيمة في الانتفاء عن الظلم البتة. وظاهر قوله: مثقال ذرّة، أن الذرّة لها وزن. وقيل: الذرّة لا وزن لها، وأنه امتحن ذلك فلم يكن لها وزن...
وإذا كان تعالى لا يظلم مثقال ذرّة فلأن لا يظلم فوق ذلك أبلغ، ولما كانت الذرة أصغر الموجودات ضرب بها المثل في القلة...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما فرغ من توبيخهم قال معللاً: {إن الله} أي الذي له كل كمال، فهو الغني المطلق {لا يظلم} أي لا يتصور أن يقع منه ظلم ما {مثقال ذرة} أي فما دونها، وإنما ذكرها لأنها كناية عن العدم، لأنها مثل في الصغر، أي فلا ينقص أحداً شيئاً مما عمله، ولا يثيب عليه شيئاً لم يعمله، فماذا على من آمن به وهو بهذه الصفة العظمى...
ولما ذكر التخلي من الظلم، أتبعه التحلي بالفضل فقال عاطفاً على ما تقديره: فإن تك الذرة سيئة لم يزد عليها، ولا يجزي بها إلا مثلها: {وإن} ولما كان تشوف السامع إلى ذلك عظيماً، حذف منه النون بعد حذف المعطوف عليه تقريباً لمرامه فقال: {تك} أي مثقال الذرة، وأنثه لإضافته إلى مؤنث، وتحقيراً له، ليفهم تضعيف ما فوقه من باب الأولى، وهذا يطرد في قراءة الحرميين برفع {حسنة} أي وإن صغرت {يضاعفها} أي من جنسها بعشرة أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة ضعف إلى أزيد من ذلك بحسب ما يعلم من حسن العمل بحسن النية {ويؤت من لدنه} أي من غريب ما عنده فضلاً من غير عمل لمن يريد. قال الإمام: وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادات الجسمانية، وهذا الأجر إلى السعادات الروحانية {أجراً عظيماً *} وسماه أجراً -وهو من غير جنس تلك الحسنة- لابتنائه على الإيمان، أي فمن كان هذا شأنه لا يسوغ لعاقل توجيه الهمة إلا إليه، ولا الاعتماد أصلاً بإنفاق وغيره إلا عليه...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
قال الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى:
بعد ما بين تعالى صفات المتكبرين وسوء حالهم وتوعدهم على ذلك أراد أن يزيد الأمر تأكيدا ووعيدا فبين أنه لا يظلم أحدا من العاملين بتلك الوصايا قليلا أو كثيرا بل يوفيه حقه بالقسطاس المستقيم، فالآية تتميم لموضوع الأوامر السابقة وترغيب للعاملين في الخير كما قال في سورة الزلزلة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة:7] الخ فمن سمع هذه الآية تعظم رغبته في الخير ورجاؤه في الله تعالى...
{وإن تك حسنة يضاعفها} أقول أي أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله مثقال ذرة ولكنه يزيد للمحسن في حسنته، فإن كانت الذرة التي عملها العامل سيئة كان جزاؤها بقدرها، وإن كانت حسنة يضاعفها له الله تعالى عشرة أضعاف أو أضعافا كثيرة كما قال تعالى في آية أخرى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون} [الأنعام:160] وفي معناها آيات وقال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة:244] وقرأ ابن كثير {وإن تك حسنة} برفع حسنة أي وإن توجد حسنة يضاعفها. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وابن جبير {يضعفها} بتشديد العين من التضعيف وهو بمعنى المضاعفة. وردوا قول أبي عبيدة أن ضاعف يقتضي مرارا كثيرة وضعف يقتضي مرتين. {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} يعني أن فضله تعالى أوسع أن يضاعف للمحسن حسنته فقط بأن لا يكون عطاؤه إلا في مقابلة الحسنات بل يزيد المحسنين من فضله ويعطيهم من لدنه أي من عنده لا في مقابلة حسناتهم أجرا عظيما أي عطاء كبيرا. قالوا أنه سمّى هذا العطاء أجرا وهو لا مقابل له من الأعمال لأنه تابع للأجر على العمل فسمي باسمه من قبيل مجاز المجاورة. ولعل نكتة هذا التجوز هي الإيذان بأن هذا العطاء العظيم لا يكون لغير المحسنين فهو علاوة على أجور أعمالهم والعلاوة على الشيء تقتضي وجود ذلك الشيء فلا مطمع فيها للمسيئين الذين غلبت سيئاتهم المفردة على حسناتهم المضاعفة، فما قولك بالمشركين الذين طمست حسناتهم في ظلمة شركهم والعياذ بالله تعالى. والظاهر أن هذا الأجر العظيم هو النعيم الروحاني برضوان الله الأكبر وقد تقدم الكلام فيه غير مرة فراجعه في مظانّه...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والله عليم بهم بما أنفقوا وبما استقر في قلوبهم من بواعث. والله لا يظلم مثقال ذرة فلا خشية من الجهل بإيمانهم وإنفاقهم. ولا خوف من الظلم في جزائهم.. بل هناك الفضل والزيادة، بمضاعفة الحسنات، والزيادة من فضل الله بلا حساب؟ إن طريق الإيمان أضمن وأكسب -على كل حال وعلى كل احتمال- وحتى بحساب الربح المادي والخسارة المادية، فإن الإيمان -في هذه الصورة- يبدو هو الأضمن وهو الأربح! فماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر، وأنفقوا مما رزقهم الله؟ إنهم لا ينفقون من شيء خلقوه لأنفسهم خلقا؛ إنما هو رزق الله لهم. ومع ذلك يضاعف لهم الحسنة؛ ويزيدهم من فضله، وهم من رزقه ينفقون ويعطون! فياله من كرم! وياله من فيض! ويالها من صفقة لا يقعد عنها إلا جاهل خسران!...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
استئناف بعد أن وصف حالهم، وأقام الحجّة عليهم، وأراهم تفريطهم مع سهولة أخذهم بالحيطة لأنفسهم لو شاءوا، بيّن أنّ الله منزّه عن الظلم القليل، بله الظلم الشديد، فالكلام تعريض بوعيد محذوف هو من جنس العقاب، وأنّه في حقّهم عدل، لأنّهم استحقّوه بكفرهم، وقد دلّت على ذلك المقدّر أيضاً مقابلته بقوله: {وإن تك حسنة} ولمّا كان المنفي الظلم، على أنّ (مثقال ذرّة) تقدير لأقلّ ظلم، فدلّ على أنّ المراد أنّ الله لا يؤاخذ المسيء بأكثر من جزاء سيّئته...
وانتصب {مثقال ذرة} بالنيابة عن المفعول المطلق، أي لا يظلم ظُلما مقدّراً بمثقال ذرّة، والمثقال ما يظهر به الثِّقَل، فلذلك صيغَ على وزن اسم الآلة، والمراد به المقدار...
والذَّرة تطلق على بيضة النمْلة، وعلى ما يتطاير من التراب عند النفخ، وهذا أحقر ما يقدُر به، فعلم انتفاء ما هو أكثر منه بالأولى. وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر {حسنة} بالرفع على أنّ (تك) مضارع كان التامّة، أي إن تُوجَدْ حسنةٌ. وقرأه الجمهور بنصب {حسنة} على الخبرية ل {تَكُ} على اعتبار كان ناقصة، واسم كان المُسْتتر عائد إلى مثقال ذرّة، وجيء بفعل الكون بصيغة فِعل المؤنث مراعاةً لفظ ذرّة الذي أضيف إليه مثقالُ، لأنّ لفظ مثقال مبهم لا يميّزه إلاّ لفظ ذرّة فكان كالمستغنى عنه. والمضاعفة إضافة الضّعف بكسر الصاد أي المِثْل، يقال: ضاعف وضَعَّف وأضْعَفَ، وهي بمعنى واحد على التحقيق عند أيمّة اللغة، مثل أبي علي الفارسي. وقال أبو عُبيدة ضاعف يقتضي أكثر من ضِعْفٍ واحد وضعّف يقتضي ضعفين. وردّ بقوله تعالى: {يضاعف لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30]. وأمّا دلالة إحدى الصيغ الثلاث على مقدار التضعيف فيؤخذ من القرائن لحكمة الصيغة. وقرأ الجمهور: {يضاعفها}، وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر: {يُضَعِّفها} بدون ألف بعد العين وبتشديد العين. والأجر العظيم ما يزاد على الضعف، ولذلك أضافه الله تعالى إلى ضمير الجلالة، فقال: {من لدنه} إضافة تشريف. وسمّاه أجرا لكونه جزاء على العمل الصالح، وقد روي أنّ هذا نزل في ثواب الهجرة.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
ما هي «الذّرة»؟: «الذّرة» في الأصل هي النملة الصغيرة التي لا ترى، وقال البعض: هي من أجزاء الهباء والغبار في الكّوة التي تظهر عند دخول شعاع الشمس خلالها، وقيل أيضاً أنّه الغبار الدقيق المتطاير من يدي الإِنسان إذا جعلهما على التراب وما شابهه ثمّ نفخهما. ولكنّها أُطلقت تدريجاً على كل شيء صغير جدّاً، وتطلق الآن ويراد منها ما يتكون من الإِلكترون والبروتون أيضاً. لأنّها إِذا كانت تطلق سابقاً على أجزاء الغبار، فلأن تلك الأجزاء كانت أصغر أجزاء الجسم، ولكن حيث ثبت اليوم أنّ أصغر أجزاء «الجسم المركب» هو «المولوكول» أو الجزيئة، وأصغر أجزاء «الجسم البسيط» هو «الذّرات»، اختيرت لفظة «الذّرة» في الاصطلاح العلمي على تلك الجزئيات التي لا ترى بالعين المجرّدة، بل لا يمكن أن ترى حتى بأقوى الميكروسكوبات الإِلكترونية، وإِنّما يحسّ بوجودها من خلال القوانين والمعادلات العلمية والتصوير بآلات مزودة بأدقّ الأجهزة وأقواها، وحيث إن «مثقال» يعني الثقل، فإِنّ التعبير بمثقال ذرة يعني جسماً في غاية الدقة والصغر...
إِنّ الآية الحاضرة تقول: إِنّ الله لا يظلم قط زنة ذرة، بل يضاعف الحسنة إِذا قام بها أحد، ويعطي من لدنه على ذلك أجراً عظيماً: (إِنّ الله لا يظلم مثقال ذرة وإِن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً). إِنّ هذه الآية في الحقيقة تقول للكافرين الذين يبخلون والذين مرّ الحديث عن أحوالهم في الآيات السابقة: إِنّ العقوبات التي تصيبكم ما هي في الحقيقة إلاّ جزاء ما قمتم به من الأعمال، وأنّه لا يصيبكم أي ظلم من جانب الله، بل لو أنّكم تركتم الكفر والبخل وسلكتم طريق الله لنلتم المثوبات العظيمة المضاعفة. ثمّ أنّه لابدّ من الانتباه إِلى أن لفظة «ضعف» و«المضاعف» تعني في اللغة العربية ما يعادل الشيء أو يربو عليه مرّات عديدة، وعلى هذا الأساس لا تنافي هذه الآية الآيات الأخرى التي تقول: إِن أجر الإِنفاق قد يصل إِلى عشرة أضعاف، وقد يصل إِلى سبعمائة مرّة ...
وعلى أي حال فإِنّها تحكي عن لطف الله بالنسبة إِلى عباده، حيث لا يعاقبهم على سيئاتهم وذنوبهم بأكثر ممّا عملوا، بينما يضاعف الأجر بمرات كثيرة إِذا أتوا بحسنة واحدة...
يبقى أن نعرف لماذا لا يظلم الله سبحانه؟ فإِنّ السبب فيه واضح، لأن الظلم عادة إِمّا ناشئ عن الجهل، وإمّا ناشئ عن الحاجة، وإمّا ناشئ عن نقص نفسي. ومن كان عالماً بكل شيء، وكان غنيّاً عن كل شيء، ولم يكن يعاني من أي نقص، لا يمكن صدور الظلم منه، فهو لا يظلم أساساً، لا أنّه تعالى لا يقدر على الظلم، ولا أن الظلم غير متصوّر في حقّه، بل مع قدرته تعالى على الظلم لا يظلم أبداً لحكمته وعلمه، فهو يضع كل شيء في عالم الوجود موضعه، ويعامل كل أحد حسب عمله، وطبقاً لسلوكه وسيرته...