روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ} (137)

{ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ } بالاستعباد وذبح الأبناء ، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار الاستضعاف وتجدده ، والمراد بهم بنو إسرائيل ، وذكروا بهذا العنوان إظهار الكمال اللطف بهم وعظم الإحسان إليهم حيث رفعوا من حضيض المذلة إلى أوج العزة ، ولعل فيه إشارة إلى إن الله سبحانه عند القلوب المنكسرة . ونصب القوم على أنه مفعول أول لأورثنا والمفعول الثاني قوله سبحانه :

{ مشارق الأرض وَمَغَاربَهَا } أي جميع جهاتها ونواحيها ، والمراد بها على ما روي عن الحسن . وقتادة . وزيد بن أسلم أرض الشام ، وذكر محي السنة البغوي أنها أرض الشام ومصر ، وفي رواية أنها أرض مصر التي كانت بأيدي المستضعفين ، وإلى ذلك ذهب الجبائي ، ورواه أبو الشيخ عن الليث بن سعد ، أي أورثنا المستضعفين أرض مستضعفيهم وملكهم ، ومعنى توريثهم إياها على القول بأنهم لم يدخلوها بعد أن خرجوا منها مع موسى عليه السلام إدخالها تحت ملكهم وعدم وجود مانع لهم عن التصرف فيها أو تمكين أولادهم فيها وذلك في زمن داود وسليمان عليهما السلام ، ولا يخفى أنه خلاف المتبادر كما مرت الإشارة إليه . على أن أرض مصر بعد أن فتحت في زمن داود عليه السلام لم يكن لبني إسرائيل تمكن فيها واستقرار وإنما كان ملك وتصرف وكان التمكن في الأرض المقدسة ، والسوق على ما قيل يقتضي ذكر ما تمكنوا فيه لا ما ملكوه ، وأقول قد يقال : المراد بالأرض هنا وفيما تقدم من قوله سبحانه : { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض } [ الأعراف : 129 ] الأرض المقدسة التي طلب موسى عليه السلام من فرعون بني إسرائيل ليذهب بهم إليها فإنها موطن آبائهم فيكون موسى عليه السلام قد وعدهم هلاك عدوهم المانع لهم من الذهاب إليها وجعل الله تعالى إياهم خلفاء فيها بعد آبائهم وأسلافهم أو بعد من هي في يده إذ ذاك من العمالقة ثم أخبر سبحانه هنا أن الوعد قد نجز وقد أهلكنا أعداء أولئك الموعودين وأورثناهم الأرض التي منعوهم عنها ومكناهم فيها وفي حصول بغية موسى عليه السلام وما ألطف توريث الأبناء مساكن الآباء { التي باركنا فيهَا } بالخصب وسعة الأرزاق أو بذلك وبكونها مساكن الأنبياء عليهم السلام والصالحين وذلك ظاهر على تقدير أن يراد بمشارق الأرض ومغاربها الشام ونواحيها . فقد أخرج ابن أبي شيبة عن أبي أيوب الأنصاري قال ليهاجرن الرعد والبرق والبركات إلى الشام .

وأخرج ابن عساكر عن ضمرة بن ربيعةقال : سمعت أنه لم يبعث نبي إلا من الشام فإن لم يكن منها أبى به إليها ، وأخرج أحمد عن عبد الله بن خوالة الأزدي أنه قال : «يا رسول الله خر لي بلداً أكون فيه قال عليك بالشام فإنه خيرة الله تعالى من أرضه يجتبي إليه خيرته من عباده »

وأخرج ابن عساكر عن واثلة بن الأسقع قال : «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله تعالى يسكنها خيرته من عباده » ، وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : " يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام " وجاء من حديث أحمد . والترمذي . والطبراني . وابن حبان . والحاكم أيضاً وصححه عن زيد بن ثابت . أنه صلى الله عليه وسلم قال : طوبى للشام فقيل له : ولم ؟ قال : " إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها " والأحاديث في فضل الشام كثيرة وقد جمعها غير واحد إلا أن في الكثير منها مقالاً وسبب الوضع كان قوياً ، وهو اسم لأحد الأقاليم العرفية ، وفي «القاموس » أنها بلاد عن مشأمة القبلة وسميت بذلك لأن قوماً من بني كنعان تشاءموا إليها أي تياسروا أو سمى بسام بن نوح فإنه بالشين بالسريانية أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا تهمز .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الأغبش وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عما بورك من الشام أين مبلغ حده ؟ فقال : أول حدوده عريش مصر والحد الآخر طرف الثنية والحد الآخر الفرات والحد الآخر جعل فيه قبر هود النبي عليه السلام ، وليس المراد بها ما هو متعارف الناس اليوم أعني دمشق نعم هي داخلة فيها ، وقد تكلمنا على حدودها بأبسط من هذا في حواشينا على «شرح مختصر السمرقندية » لابن عصام ، وقد ولع الناس في دمشق مدحاً وذماً فقال بعضهم :

تجنب دمشق ولا تأتها *** وإن شاقك الجامع الجامع

فسوق الفسوق بها نافق *** وفجر الفجور بها طالع

وقال آخر :

دمشق غدت جنة للورى *** زها وصفا العيش في ظلها

وفيها لدى النفس ما تشتهي *** ولا عيب فيها سوى أهلها

وقال آخر ف الشام ولعله عنى متعارف الناس :

قيل لي ما يقول في الشام حبر *** شام من بارق الهنا ما شامه

قلت ماذا أقول في وصف أرض *** هي في وجنة المحاسن شامه

وأنا أقول إذا صح الحديث فهو مذهبي ونعوذ بالله تعالى من اتباع الهوى ، والموصول صفة المشارق والمغارب ، وقيل : صفة الأرض وضعفه أبو البقاء بأن فيه العطف على الموصوف قبل الصفة وهو نظير قولك : قام أم هند وأبوها العاقلة ، وجوز أن يكون المفعول الثاني لأورثنا أي الأرض التي فعلى هذا يكون نصب المشارق وما عطف عليه بيستضعفون على معنى يستضعفون فيها وأن يكون المشارق منصوبة بيستضعفون والتي صفة كما في الوجه الأول والمفعول الثاني لأورثنا محذوف أي الأرض أو الملك ، ولا يخفى بعده وأن المتبادر هو الأول .

{ وَتَمَّتْ كَلمَةُ رَبِّكَ الحسنى عَلَى بَني إسْرَآءيلَ } أي مضت عليهم واستمرت من قولهم : مضى على الأمر إذا استمر ، والمراد من الكلمة وعده تعالى لهم بالنصر والتمكين على لسان نبيهم عليه السلام وهو قوله السابق { عسى ربكم أن يهلك عدوكم } [ الأعراف : 129 ] الخ ، وذهب غير واحد إلى أنه الوعد الذي يؤذن به قوله سبحانه : { ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } [ القصص : 5 ] ، وقيل : المراد بها علمه تعالى الأزلي ، والمعنى مضى واستمر عليهم ما كان مقدراً من إهلاك عدوهم وتوريهم الأرض ، و { الحسنى } تأنيث الأحسن صفة للكلمة ووصفت بذلك لما فيها من الوعد بما يحبون ويستحسنون ، وعن الحسن أنه أريد بالكلمة عدته سبحانه وتعالى لهم بالجنة ولا يخفى أنه يأباه السابق والسياق ، والتفت من التكلم إلى الخطاب في قوله سبحانه : { ربك } على ما قال الطيبي لأن ما قبله من القصص كان غير معلوم له صلى الله عليه وسلم . وأما كون جل شأنه منجزاً لما وعد ومجرياً لما قضى وقدر فهو معلوم له عليه الصلاة والسلام ، وذكر في «الكشف » أنه ادمج في هذا الالتفات أنه ستتم كلمة ربك في شأنك أيضاً . وقرأ عاصم في رواية { كلمات } بالجمع لأنها مواعيد ، والوصف بالحسنى لتأويله بالجماعة ، وقد ذكروا أنه يجوز وصف كل جمع بمفرد مؤنث إلا أن الشائع في مثله التأنيث بالتاء ؛ وقد يؤنث بالألف كما في قوله سبحانه : { مآرب أخرى } [ طه : 18 ] { بمَا صَبَرُوا } أي بسبب صبرهم على الشدائد التي كابدوها من فرعون وقومه وحسبك بهذا حاثاً على الصبر ودالاً على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله تعالى إليه ومن قابله بالصبر ضمن الله تعالى له الفرج .

وأخرج ابن المنذر وغيره عن الحسن قال : لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم بشيء صبروا ودعوا الله تعالى لم يلبثوا أن يرفع الله تعالى ذلك عنهم ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه ثم تلي هذه الآية ، وفي رواية أخرى عنه قال : ما أوتيت بنو إسرائيل ما أوتيت إلا بصبرهم وما فزعت هذه الأمة إلى السيف قط فجاءت بخير . وأقول قد شاهدنا الناس سنة الألف والمائتين والثمان والأربعين قد فزعوا إلى السيف فما أغناهم شيئاً ولا تم لهم مراد ولا حمد منهم أمر ، بل وقعوا في حرة رحيله ، ووادي خدبات ، وأم حبوكر ، ورموا لعمر الله بثالثة الأثافي ، وقص من جناح عزهم القدامى والخوافي ولم يعلموا أن عيش المضر حلوه مر مقر وأن الفرج إنما يصطاد بشباك الصبر . وما أحسن قول الحسن :

عجبت ممن خف كيف خف *** وقد سمع قوله سبحانه : وتلا الآية ، ويعلم منها أن التحزن لا ينافي الصبر لأن الله سبحانه وصف بني إسرائيل به مع قولهم السابق لموسى عليه السلام

{ أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } [ الأعراف : 129 ] { وَدَمَّرْنَا } أي خربنا وأهلكنا { مَا كَانَ يَصْنَعُ فرْعَوْنَ وَقَوْمُهُ } في أرض مصر من العمارات والقصور أي دمرنا الذي كان هو ويصنعه فرعون على أن { ما } موصولة واسم كان ضمير راجع إليها وجملة يصنع فرعون من الفعل والفاعل خبر كان والجملة صلة الموصول والعائد إليه محذوف ، وجوز أن يكون فرعون اسم كان ويصنع خبر مقدم والجملة الكونية صلة ما والعائد محذوف أيضاً . وتعقبه أبو البقاء بأن يصنع يصلح أن يعمل في فرعون فلا يقدر تأخيره كما لا يقدر تأخير الفعل في قولك : قام زيد وفيه غفلة عن الفرق بين المثال وما نحن فيه وهو مثل الصبح ظاهر وقيل : { ما } مصدرية وكان سيف خطيب والتقدير ما يصنع فرعون الخ ، وقيل : كان كما ذكر وما موصولة اسمية والعائد محذوف والتقدير ودمرنا الذي يصنعه فرعون الخ أي صنعه ، والعدول إلى صيغة المضارع على هذين القولين لاستحضار الصورة { وَمَا كَانُوا يَعْرشُونَ } من الجنات أو ما كانوا يرفعونه من البنيان كصرح هامان ، وإلى الأول يشير كلام الحسن وإلى الثاني كلام مجاهد .

وقرأ ابن عامر . وأبو بكر هنا وفي النحل { يعرشون } [ النحل : 68 ] بضم الراء والباقون بالكسر وهما لغتان فصيحتان والكسر على ما ذكر اليزيدي . وأبو عبيدة أفصح ، وقرىء في الشواذ { يغرسون } من غرس الأشجار . وفي «الكشاف » أنها تصحيف وليس به .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ} (137)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال: {وأورثنا} الأرض {القوم الذين كانوا يستضعفون}، يعني بنى إسرائيل، يعني بالاستضعاف قتل الأبناء، واستحياء النساء بأرض مصر، وورثهم {مشارق الأرض} المقدسة، {ومغاربها}، وهي الأردن وفلسطين، {التي باركنا فيها}، يعني بالبركة الماء، والثمار الكثيرة، {وتمت كلمات ربك الحسنى}، وهي النعمة، {على بني إسرائيل بما صبروا}، حين كلفوا بأرض مصر ما لا يطيقون من استعبادهم إياهم، يعني بالكلمة التي في القصص من قوله: {ونريد أن نمن} (القصص: 5-6) إلى آيتين، وأهلك الله عدوهم، ومكن لهم في الأرض، فهي الكلمة، وهي النعمة التي تمت على بنى إسرائيل. {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه}، يعني وأهلكنا عمل فرعون وقومه القبط في مصر، {و} أهلكنا {وما كانوا يعرشون}، يعني يبنون من البيوت والمنازل.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وأورثنا القوم الذين كان فرعون وقومه يستضعفونهم، فيذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، ويستخدمونهم تسخيرا واستعبادا من بني إسرائيل، "مشارق الأرض": الشأم، وذلك ما يلي الشرق منها، "ومغاربها التي باركنا فيها"، يقول: التي جعلنا فيها الخير ثابتا دائما لأهلها. وإنما قال جلّ ثناؤه: "وأوْرَثْنا": لأنه أورث ذلك بني إسرائيل، بمهلك من كان فيها من العمالقة...

وأما قوله: "وَتمّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ الحُسْنَى "فإنه يقول: وفي وعد الله الذي وعد بني إسرائيل بتمامه، على ما وعدهم من تمكينهم في الأرض، ونصره إياهم على عدوّهم فرعونَ. وكلمته الحسنى قوله جلّ ثناؤه: "ونُريدُ أنْ نَمُنّ على الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئمّةً وَنجْعَلَهُمُ الوَارِثينَ ونُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ"...

وأما قوله: "وَدَمّرْنَا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ" فإنه يقول: وأهلكنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع. "وما كانُوا يَعْرِشُونَ" يقول: وما كانوا يبنون من الأبنية والقصور، وأخرجناهم من ذلك كله، وخرّبنا جميع ذلك...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

مَنْ صبر على مقاساة الذُّلِّ في الله وضع الله على رأسه قلنسوة العرفان، فهو العزيز سبحانه، لا يُشْمِتُ بأوليائه أعداءهم، ولا يضيع من جميل عهده جزاءَهم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وتمت كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى}... والحسنى: تأنيث الأحسن صفة للكلمة. ومعنى تمت على بني إسرائيل: مضت عليهم واستمرت من قولك: تمَّ على الأمر إذا مضى عليه {بِمَا صَبَرُواْ} بسبب صبرهم، وحسبك به حاثاً على الصبر، ودالاً على أنّ من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله له الفرج...

{مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} ما كانوا يعملون ويسوّون من العمارات وبناء القصور {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} من الجنات {هُوَ الذى أَنشَأَ جنات معروشات} [الأنعام: 141] أو وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء. كصرح هامان وغيره...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{وتمّت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} تمام الشيء: وصوله إلى آخر حده، وكلمة الله وعده لبني إسرائيل بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض. وفي مجاز الأساس: وتم على أمر: مضى عليه وتم على أمرك، وتم إلى مقصدك. والمعنى نفذت كلمة الله ومضت على بني إسرائيل تامة كاملة بسبب صبرهم على الشدائد التي كابدوها من فرعون وقومه، إذ كان وعد الله تعالى إياهم بما وعدهم مقرونا بأمرهم بالصبر والاستعانة به والتقوى له كما أمرهم نبيهم عليه السلام تبليغا عنه تعالى راجع {وقال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا} –الآية- من هذا السياق. وإذا كان قد تم وعد الله تعالى لهم بذلك ثم سلبهم الله تلك الأرض بظلمهم لأنفسهم وللناس فلم يبق من مقتضى الوعد أن يعودوا إليها مرة أخرى لأنه قد تم ونفذ صدقا وعدلا.

{ودمّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} التدمير إدخال الهلاك على السالم والخراب على العامر، والعرش رفع المباني والسقائف للنبات والشجر المتسلق كعرائش العنب ومنه عرش الملك. والمراد بما كان يصنع فرعون وقومه أولا وبالذات ما له تعلق بظلم بني إسرائيل والكيد لموسى عليه السلام، فالأول كالمباني التي كانوا يبنونها للمصريين أو يصنعون اللبن لها ومنها الصرح الذي أمر هامان ببنائه له ليرقى به إلى السماء فيطلع إلى إله موسى، والثاني كالمكايد السحرية والصناعية التي كان يصنعها السحرة لإبطال آياته أو التشكيك فيها كما قال تعالى: {إنما صنعوا كيد ساحر} [طه: 69] {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} [غافر: 36] –أسباب السماوات- {فأطّلع إلى إله موسى وإنّي لأظنّه كاذبا وكذلك زيّن لفرعون سوء عمله وصدّ عن السّبيل وما كيد فرعون إلّا في تباب} [غافر: 37] والتباب بمعنى الدمار.

وأما أسباب هذا التدمير لذلك الصنع والعروش فأولها الآيات التي أيد الله تعالى بها موسى عليه السلام من الطوفان والجراد وغيرهما- وتسمى في التوراة الضربات وفيها من المبالغة في ضررها وتخريبها ما أشرنا إليه وذكرنا بعضه- ويليها إنجاء بني إسرائيل وحرمان فرعون وقومه من استعبادهم في أعمالهم، وثالثها هلاك من غرق من قوم فرعون وحرمان البلاد وسائر الأمة من ثمرات أعمالهم في العمران- هذا هو المعروف منها، وما ظلمهم الله تعالى بذلك ولكنهم ظلموا أنفسهم فقد أنذرهم موسى عليه السلام كل ذلك ليتقوا سوء عاقبته فكذبوا بالآيات، وأصروا على الجحود والإعنات.

والعبرة في هذه الآيات من وجهين الأول: أن يتفكر تالي القرآن في تأثير الإيمان والوحي في موسى وهارون عليهما السلام إذ تصديا لأعظم ملك في أعظم دولة في الأرض قاهرة لقومهما ومعبدة لهم في خدمتها منذ قرون كثيرة فدعواه إلى الرجوع عن الكفر والظلم والطغيان وتعبيد بني إسرائيل وأنذراه وهدداه، وما زالا يكافحانه بالحجج والآيات البينات حتى أظفرهما الله تعالى به وأنقذوا قومهما من ظلمه وظلم قومه.

فجدير بالمؤمنين بالله تعالى ورسله من المسلمين أن ينتقلوا من التفكر في هذا إلى التفكر في وعد الله تعالى للمؤمنين بالنصر كما وعد المرسلين إذا هم قاموا بما أمرهم تعالى به على ألسنتهم...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهكذا يسدل الستار على مشهد الهلاك والدمار في جانب؛ وعلى مشهد الاستخلاف والعمار في الجانب الآخر.. وإذا فرعون الطاغية المتجبر وقومه مغرقون، وإذا كل ما كانوا يصنعون للحياة، وما كانوا يقيمون من عمائر فخمة قائمة على عمد وأركان، وما كانوا يعرشون من كروم وثمار.. إذا هذا كله حطام، في ومضة عين، أو في بضع كلمات قصار!

مثل يضربه الله للقلة المؤمنة في مكة، المطاردة من الشرك وأهله؛ ورؤيا في الأفق لكل عصبة مسلمة تلقى من مثل فرعون وطاغوته، ما لقيه الذين كانوا يستضعفون في الأرض، فأورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها المباركة -بما صبروا- لينظر كيف يعملون!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والقومُ الذين كانوا يُستْضعفون هم بنو إسرائيل كما وقع في الآية الأخرى: {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} [الشعراء: 59]، وعدل عن تعريفهم بطريق الإضافة إلى تعريفهم بطريق الموصولية لنكتتين: أولاهما: الإيماء إلى علة الخبر، أي أن الله ملَّكهم الأرض وجعلهم أمة حاكمة جزاء لهم على ما صبروا على الاستعباد، غيرة من الله على عبيده. الثانية: التعريض ببشارة المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم بأنهم ستكون لهم عاقبة السلطان كما كانت لبني إسرائيل، جزاء على صبرهم على الأذى في الله، ونذارةُ المشركين بزوال سلطان دينهم. و {الحسنى}: صفة ل {كلمة} وهي صفة تشريف كما يقال: الأسماء الحسنى، أي كلمة ربك المنزهة عن الخُلف، ويحتمل أن يكون المراد حسنَها لبني إسرائيل، وإن كانت سيئة على فرعون وقومه، لأن العدل حسَن وإن كان فيه إضرار بالمحكوم عليه. والخطاب في قوله: {ربك} للنبيء صلى الله عليه وسلم أدمج في ذكر القصة إشارة إلى أن الذي حقق نصر موسى وأمته على عدوهم هو ربك فسينصرك وأمتك على عدوكم؛ لأنه ذلك الرب الذي نصر المؤمنين السابقين، وتلك سنتُه وصنعه و {ما كان يصنع فرعون}: ما شاده من المصانع، وإسناد الصنع إليه مجاز عقلي لأنه الآمر بالصنع، وأما إسناده إلى قوم فرعون فهو على الحقيقة العقلية بالنسبة إلى القوم لا بالنسبة إلى كل فرد على وجه التغليب.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

قوم فرعون والمصير المؤلم:

بعد هلاك قوم فرعون، وتحطّم قدرتهم، وزوال شوكتهم، ورث بنو إسرائيل الذين طال رزوحهم في أغلال الأسر والعبودية اراضي الفراعنة الشاسعة والآية الحاضرة تشير إلى هذا الأمر (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها).

و «الإرث» كما أسلفنا يعني في اللغة المال الذي ينتقل من شخص إلى آخر من دون تجارة ومعاملة، سواء كان المنتَقَل منه حياً أو ميّتاً.

و«يستضعفون» مشتقّة من مادة «الاستضعاف» وتطابق كلمة «الاستعمار» التي تستعمل اليوم في عصرنا الحاضر، ومفهومها هو أن يقوم جماعة بإضعاف جماعة أُخرى حتى يمكن للجماعة الأُولى أن تستغل الجماعة الضعيفة في سبيل مآربها ومصالحها، غاية ما هنالك أن هناك تفاوتاً بين هذه اللفظة ولفظة الاستعمار، وهو: أن الاستعمار ظاهره تعمير الأرض، وباطنه الإِبادة والتدمير، ولكن الإِستضعفاف ظاهره وباطنه واحد.

والتعبير ب (كانوا يستضعفون) إشارة إلى الفرعونيين كانوا يستبقون بني إسرائيل في حالة ضعف دائمة: ضعف فكري، وضعف أخلاقي، وضعف اقتصادي، ومن جميع الجهات وفي جميع النواحي.

والتعبير ب (مشارق الأرض ومغاربها) إشارة إلى الأراضي الواسعة العريضة التي كانت تحت تصرّف الفرعونيين، لأنّ الأراضي الصغيرة ليس لها مشارق ومغارب مختلفة، وبعبارة أُخرى «ليس لها آفاق متعددة» ولكن الأراضي الواسعة جداً من الطبيعي أن يكون مشارق ومغارب بسبب كروية الأرض فيكون التعبير بمشارق الأرض ومغاربها كناية عن أراضي الفرعونيين الواسعة العريضة جدّاً.

وجملة (باركنا فيها) إشارة إلى الخصب العظيم الذي كانت تتمتع به هذه المنطقة يعني مصر والشام التي كانت تعدّ آنذاك، وفي هذا الزمان أيضاً، من مناطق العالم الخصبة الكثيرة الخيرات. حتى أن بعض المفسّرين كتب: إن بلاد الفراعنة في ذلك العصر كانت واسعة جدّاً بحيث كانت تشمل بلاد الشام أيضاً.

وعلى هذا الأساس لم يكن المقصود من العبارة هو الحكومة على كل الكرة الأرضية، لأنّ هذا يخالف التاريخ حتماً. بل المقصود هو حكومة بني إسرائيل على كل أراضي الفراعنة وبلادهم.

ثمّ يقول: (وتمت كلمة ربّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) أي تحقق الوعد الإِلهي لبني إسرائيل بانتصارهم على الفرعونيين، بسبب صبرهم وثباتهم.

وهذا هو الوعد الذي أُشير إليه في الآيات السابقة (الآية 128 و 129 من نفس هذه السورة).

صحيح أنَّ هذه الآية تحدّثت عن بني إِسرائيل ونتيجة ثباتهم في وجه الفرعونيين فقط، إلاّ أنّه يستفاد من الآيات القرآنية الأُخرى أن هذا الموضوع لا يختص بقوم أو شعب خاص، بل إن كان شعب مستضعف نهض وحاول تخليص نفسه من مخالب الأسر والاستعمار، استعان في هذا السبيل بالثبات والاستقامة، سوف ينتصر آخر المطاف ويحرر الأراضي التي احتلها الظلمة الجائرون.

ثمّ يضيف في آخر الآية: نحن الذين دمرنا قصور فرعون وقومه العظيمة، وأبنيتهم الجميلة الشامخة، وكذا بساتينهم ومزارعهم العظيمة (ودمرّنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون).

و«صنع» كما يقول «الراغب» في «المفردات» يعني الأعمال الجميلة، وقد وردت هذه اللفظة في الآية الحاضرة بمعنى الهندسة الجميلة الرائعة التي كان يستخدمها الفرعونيين في أبنيتهم.

و«ما يعرشون» في الأصل تعني الأشجار والبساتين التي تنصب بواسطة العروش والسقف، ولها جمال عظيم وروعة باهرة.

و«دمرنا» من مادة «التدمير» بمعنى الإِهلاك والإبادة.

وهنا يطرح السؤال التالي وهو: كيف أبيدت هذه القصور والبساتين، ولماذا؟

ونقول في الجواب: لا يبعد أن ذلك حدث بسبب زلازل وطوفانات جديدة وأمّا الضرورة التي قضت بهذا الفعل فهي أن جميع الفرعونيين لم يغرقوا في النيل، بل غَرق فرعون وجماعة من خواصّه وعسكره الذين كانوا يلاحقون موسى (عليه السلام)، ومن المسلَّم أنّه لو بقيت تلك الثروات العظيمة، والإمكانيات الاقتصادية الهائلة بيد من بقي من الفراعنة الذين كان عدد نفوسهم في شتى نواحي مصر كثيراً جداً لاستعادوا بها شوكتهم، ولقدروا على تحطيم بني إسرائيل، أو الحاق الأذى بهم على الأقل. أمّا الإمكانيات والوسائل فإن من شأنه أن يجردهم من أسباب الطغيان إلى الأبد.