{ سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ } هم أناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا نبي الله تعالى صلى الله عليه وسلم ويأمنوا قومهم فأبى الله تعالى ذلك عليهم قاله ابن عباس ومجاهد وقيل : الآية في حق المنافقين { كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة } أي دعوا إلى الشرك كما روي عن السدي وقيل : إلى قتال المسلمين { أُرْكِسُواْ فِيِهَا } أي قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه ، يروى عن ابن عباس أنه كان الرجل يقول له قومه : بماذا آمنت ؟ فيقول : آمنت بهذا القرد والعقرب والخنفساء { فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } بالكف عن التعرض لكم بوجه مّا { وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم } أي ولم يلقوا إليكم الصلح والمهادنة { وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ } أي ولم يكفوا أنفسهم عن قتالكم .
{ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ } أي وجدتموهم وأصبتموهم حيث تمكنتم منهم ، وعن بعض المحققين إن هذه الآية مقابلة للآية الأولى ، وبينهما تقابل إما بالإيجاب والسلب ، وإما بالعدم والملكة لأن إحداهما عدمية والأخرى وجودية وليس بينهما تقابل التضاد ولا تقابل التضايف لأنهما على ما قرروا لا يوجدان إلا بين أمرين وجوديين فقوله سبحانه : { فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } مقابل لقوله تعالى : { فَإِنِ اعتزلوكم } [ النساء : 90 ] وقوله جل وعلا : { وَيُلْقُواْ } مقابل لقوله عز شأنه : { وَأَلْقَوْاْ } [ النساء : 90 ] وقوله جل جلاله : { وَيَكُفُّواْ } مقابل لقوله عز من قائل : { فَلَمْ يقاتلوكم } [ النساء : 90 ] والواو لا تقتضي الترتيب ، فالمقدم مركب من ثلاثة أجزاء في الآيتين ، وهي في الآية الأولى الاعتزال وعدم القتال وإلقاء السلم فبهذه الأجزاء الثلاثة تم الشرط ، وجزاؤه عدم التعرض لهم بالأخذ والقتل كما يشير إليه قوله تعالى : { فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } [ النساء : 90 ] وفي الآية الثانية عدم الاعتزال وعدم إلقاء السلم وعدم الكف عن القتال ، فبهذه الأجزاء الثلاثة تم الشرط ، وجزاؤه الأخذ والقتل المصرح به بقوله سبحانه : { فَخُذُوهُمْ واقتلوهم } . ومن هذا يعلم أن { وَيَكُفُّواْ } بمعنى لم يكفوا عطف على المنفي لا على النفي بقرينة سقوط النون الذي هو علامة الجزم ، وعطفه على النفي والجزم بأن الشرطية لا يصح لأنه يستلزم التناقض لأن معنى { فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } إن لم يكفوا ، وإذا عطف { وَيَكُفُّواْ } على النفي يلزم اجتماع عدم الكف والكف ، وكلام الله تعالى منزه عنه ، وكذا لا يصح كون قوله سبحانه : { وَيَكُفُّواْ } جملة حالية أو استئنافية بيانية أو نحوية لاستلزام كل منهما التناقض مع أنه يقتضي ثبوت النون في { *يكفوا } على ما هو المعهود في مثله ، وأبو حيان جعل الجزاء في الأول : مرتباً على شيئين وفي الثانية : على ثلاثة ، والسر في ذلك الإشارة إلى مزيد خباثة هؤلاء الآخرين ، وكلام العلامة البيضاوي بيض الله تعالى غرة أحواله في هذا المقام لا يخلو عن تعقيد ، وربما لا يوجد له محمل صحيح إلا بعد عناية وتكلف فتأمل جداً { ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ } الموصوفون بما ذكر من الصفات الشنيعة . { جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا مُّبِيناً } أي حجة واضحة فيما أمرناكم به في حقهم لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم وخباثتهم ، أو تسلطاً لا خفاء فيه من حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم .
ثم إن الله استثنى من قتال هؤلاء المنافقين ثلاث فِرَق :
فرقتين أمر بتركهم وحتَّم [ على ] ذلك ، إحداهما{[220]} من يصل إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق بترك القتال فينضم إليهم ، فيكون له حكمهم في حقن الدم والمال .
والفرقة الثانية قوم { حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ } أي : بقوا ، لا تسمح أنفسهم بقتالكم ، ولا بقتال قومهم ، وأحبوا ترك قتال الفريقين ، فهؤلاء أيضا أمر بتركهم ، وذكر الحكمة في ذلك في قوله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ } فإن الأمور الممكنة ثلاثة أقسام :
إما أن يكونوا معكم ويقاتلوا أعداءكم ، وهذا متعذر من هؤلاء ، فدار الأمر بين قتالكم مع قومهم وبين ترك قتال الفريقين ، وهو أهون الأمرين عليكم ، والله قادر على تسليطهم عليكم ، فاقبلوا العافية ، واحمدوا ربكم الذي كف أيديهم عنكم مع التمكن من ذلك .
فهؤلاء { إن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا }
الفرقة الثالثة : قوم يريدون مصلحة أنفسهم بقطع النظر عن احترامكم ، وهم الذين قال الله فيهم : { سَتَجِدُونَ آخَرِينَ } أي : من هؤلاء المنافقين . { يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ } أي : خوفا منكم { وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا } أي : لا يزالون مقيمين على كفرهم ونفاقهم ، وكلما عرض لهم عارض من عوارض الفتن أعماهم ونكسهم على رءوسهم ، وازداد كفرهم ونفاقهم ، وهؤلاء في الصورة كالفرقة الثانية ، وفي الحقيقة مخالفة لها .
فإن الفرقة الثانية تركوا قتال المؤمنين احترامًا لهم لا خوفا على أنفسهم ، وأما هذه الفرقة فتركوه خوفا لا احتراما ، بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين ، فإنهم مستعدون{[221]} لانتهازها ، فهؤلاء إن لم يتبين منهم ويتضح اتضاحًا عظيمًا اعتزال المؤمنين وترك قتالهم ، فإنهم يقاتلون ، ولهذا قال : { فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ } أي : المسالمة والموادعة { وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } أي : حجة بينة واضحة ، لكونهم معتدين ظالمين لكم تاركين للمسالمة ، فلا يلوموا إلا أنفسهم .
قوله تعالى : ( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ) .
وهذا فريق من الناس يشبهون الصنف السابق الذين حصرت قلوبهم عن قتال المسلمين . وهو شبه في الظاهر ولكن الباطن يختلف فيما بين الفريقين اختلافا كبيرا ،
الفريق الأول ما كان يكنّ غيظا أو سوءا للمسلمين وهو باق على حاله من إيثار المسالمة والموادعة . لكن الفريق الآخر وهو الوارد هنا ينطوي على سوء في القصد وفساد في النيّة . وهؤلاء يتظاهرون أمام النبي بأنهم موادعون مصانعون وأنهم يوادّون المسلمين ولا ينوون لهم شرا حتى إذا خلوا إلى المشركين انحسرت نفوسهم عن أخبث قصد وأسوأ غاية ثم كاشفوا المشركين بأنهم معهم وأنهم وإياهم جميعا على الشرك .
وبهذا الأسلوب المتأرجح المتلجلج يمسك هؤلاء المنافقون بخيط الأمان والسلامة ليظلوا دائما في منجاة من صولة أحد مع العلم بأنهم يضمرون العداء للمسلمين والمودّة للمشركين . وفي ذلك تقول الآية :
( كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ) أي كل ما خلوا إلى المشركين حيث الشرك والغواية انقلبوا إلى الفتنة وانتكسوا فيها انتكاسا ، وفي قول آخر هو أنهم إذا دعوا إلى الفتنة ( الشرك ) عادوا إليها وسقطوا فيها .
وقد نقل الإمام الطبري عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي ( ص ) فيسلمون أمامه رياء فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا . ومن أجل ذلك قوله تعالى : ( فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ) وهو المهادنة والمصالحة ( ويكفوا أيديهم ) الكف هو المنع والصرف ، أي يمنعون أنفسهم من قتال المسلمين . فإذا لم يكونوا كذلك من اعتزال المسلمين والامتناع من محاربتهم والتآمر عليهم وجب أخذهم والتمكن منهم ثم قتلهم بغير رحمة أو هوادة وذلك حيث لقيهم المسلمون .
قوله : ( وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ) أي برهانا واضحا بينا . ومعنى ذلك أن الله جلّت قدرته قد سوّغ للمسلمين بما خوّلهم من حجة وبرهان أن يقتلوا أولئك الفاسدين المذبذبين الذين يتظاهرون بالموادعة للمسلمين ومصالحتهم وهم يكنّون للمشركين الودّ{[804]} .