روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَـٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ} (65)

{ وَلَمَّا فَتَحُواْ متاعهم } قال الراغب : المتاع كل ما ينتفع به على وجه ، وهو في الآية الطعام ، وقيل : الوعاء وكلاهما متاع وهما متلازمان فإن الطعام كان في الوعاء ، والمعنى على أنهم لما فتحوا أوعية طعامهم { وَجَدُواْ بضاعتهم } التي كانوا أعطوها ثمناً للطعام { رُدَّتْ إِلَيْهِمْ } أي تفضلاً وقد علموا ذلك بما مر من دلالة الحال ، وقرأ علقمة . ويحيى بن وثاب . والأعمش { رُدَّتْ } بكسر الراء ، وذلك أنه نقلت حركة الدال المدغمة إلى الراء بعد توهم خلوها من الضمة وهي لغة لبني ضبة كما نقلت العرب في قيل وبيع ، وحكى قطرب النقل في الحرف الصحيح غير المدغم نحو ضرب زيد .

{ قَالُواْ } استئناف بياني كأنه قيل : ماذا قالوا حينئذ ؟ فقيل : قالوا لأبيهم ولعله كان حاضراً عند الفتح { قَالُواْ يأَبَانَا مَا نَبْغِى } إذا فسر البغي بمعنى الطلب كما ذهب إليه جماعة فما يحتمل أن تكون استفهامية منصوبة المحل على أنها مفعول مقدم لنبغي فالمعنى ماذا نطلب وراء ما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الداعي إلى امتثال أمره والمراجعة إليه في الحوائج وقد كانوا أخبروه بذلك على ما روى أنهم قالوا له عليه السلام : إنا قدمنا على خير رجل وأنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته ، وقوله تعالى : { هذه بضاعتنا رُدَّتْ إِلَيْنَا } جملة مستأنفة موضحة لما دل عليه الإنكار من بلوغ اللطف غايته كأنهم قالوا : كيف لا وهذه بضاعتنا ردها إلينا تفضلاً من حيث لا ندري بعدما من علينا بما يثقل الكواهل من الممنن العظام وهل من مزيد على هذا فنطلبه ، ومرادهم به أن ذلك كاف في استيجاب الامتثال لأمره والالتجاء إليه في استجلاب المزيد ، ولم يريدوا أنه كاف مطلقاً فينبغي التقاعد عن طلب نظائره وهو ظاهر .

وجملة { رُدَّتْ } في موضع الحال من { بضاعتنا } بتقدير قد عند من يرى وجوبها في أمثال ذلك والعامل معنى الإشارة ، وجعلها خبر { هذه } و بضاعتنا بياناً له ليس بشيء ، وإيثار صيغة البناء للمفعول قيل : للإيذان بكمال الإحسان الناشيء عن كمال الإخفاء المفهوم من كمال غفلتهم عنه بحيث لم يشعروا به ولا بفاعله ، وقيل : للإيذان بتعين الفاعل وفيه من مدحه أيضاً ما فيه ، وقوله تعالى : { وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } أي نجلب لهم الميرة ، وهي بسكر الميم وسكون الياء طعام يمتاره الإنسان أي يجلبه من بلد إلى بلد ، وحاصله نجلب لهم الطعام من عند الملك معطوف على مقدر ينسحب عليه رد البضاعة أي فنستظهر بها ونمير أهلنا { وَنَحْفَظُ أَخَانَا } من المكاره حسبما وعدنا ، وتفرعه على ما تقدم باعتباره دلالته على إحسان الملك فإنه مما يعين على الحفظ { وَنَزْدَادُ } أي بواسطته ولذلك وسط الإخبار به بين الأصل والمزيد { كَيْلَ بَعِيرٍ } أي وسق بعير زائداً على أوساق أباعرنا على قضية التقسيط المعهود من الملك ، والبعير في المشهور مقابل الناقة ، وقد يطلق عليها وتكسر في لغة باؤه ويجمع على أبعرة وبعران وأباعر ، وعن مجاهد تفسيره هنا بالحمار وذكر أن بعض العرب يقول للحمار بعير وهو شاذ .

وقوله تعالى : { ذلك كَيْلٌ } أي مكيل { يَسِيرٌ } أي قليل لا يقوم بأودنا يحتمل أن يكون إشارة إلى ما كيل لهم أولاً ، والجملة استئناف جيء بها للجواب عما عسى أن يقال لهم : قد صدقتم فيما قلتم ولكن ما الحاجة إلى التزام ذلك وقد جئتم بالطعام ؟ فكأنهم قالوا : إن ما جئنا به غير كاف لنا فلا بد من الرجوع مرة أخرى وأخذ مثل ذلك مع زيادة ولا يكون ذلك بدون استصحاب أخينا ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما تحمله أباعرهم ، والجملة استئناف وقع تعليلاً لما سبق من الازدياد كأنه قيل : أي حاجة إلى الازدياد ؟ فقيل : إن ما تحمله أباعرنا قليل لا يكفينا ، وقيل : المعنى أن ذلك الكيل الزائد قليل لا يضايقنا فيه الملك أو سهل عليه لا يتعاظمه ، وكأن الجملة على هذا استئناف جيء به لدفع ما يقال : لعل الملك لا يعطيكم فوق العشرة شيئاً ويرى ذلك كثيراً أو صعباً عليه وهو كما ترى ، وجوز أن يكون ذلك إشارة إلى الكيل الذي هم بصدده وتضمنه كلامهم وهو المنضم إليه كيل البعير الحاصل بسبب أخيهم المتعهد بحفظه كأنهم لما ذكروا ما ذكروا صرحوا بما يفهم منه مبالغة في استنزال أبيهم فقالوا : ذلك الذي نحن بصدده كيل سهل لا مشقة فيه ولا محنة تتبعه ، وقد يبقى الكيل على معناه المصدري والكلام على هذا الطرز إلا يسيراً .

وجوز بعضهم كون ذلك من كلام يعقوب عليه السلام والإشارة إلى كيل البعير أي كيل بعير واحد شيء قليل لا يخاطر لمثله بالولد ، وكان الظاهر على هذا ذكره مع كلامه السابق أو اللاحق ، وقيل : معنى { مَا نَبْغِى } أي مطلب نطلب من مهماتنا ، والجمل الواقعة بعده توضيح وبيان لما يشعر به الإنكار من كونهم فائزين ببعض المطالب أو متمكنين من تحصيله فكأنهم قالوا : هذه بضاعتنا حاضرة فنستظهر بها ونمير أهلنا ونحفظ أخانا من المكروه ونزداد بسببه غير ما نكتاله لأنفسنا كيل بعير فأي شيء نبغي وراء هذه المباغي ، وما ذكرنا من العطف على المقدر هو المشهور . وفي «الكشف » لك أن تقول : إن { *نمير } وما تلاه معطوف على مجموع { يأَبَانَا مَا نَبْغِى } والمعنى اجتماع هذين القولين منهم في الوجود ولا يحتاج إلى جامع وراء ذلك لكونهما محكيين قولاً لهم على أنه حاصل لاشتراك الكل في كونه لاستنزال يعقوب عليه السلام عن رأيه وأن الملك إذا كان محسناً كان الحفظ أهون شيء ، والاستفهام لرجوعه إلى المنفي لا يمنع العطف ووافقه في ذلك بعضهم .

وقرأ ابن مسعود . وأبو حيوة { مَا * تَبْغِى } بتاء الخطاب ؛ وروت عائشة رضي الله تعالى عنها ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والخطاب ليعقوب عليه السلام ، والمعنى أي شيء وراء هذه المباغي المشتملة على سلامة أخينا وسعة ذات أيدينا أو وراء ما فعل معنا الملك من الإحسان داعياً إلى التوجه إليه ، والجملة المستأنفة موضحة أيضاً لذلك أو أي شيء تبغي شاهداً على صدقنا فيما وصفنا لك من إحسانه ، والجملة المذكورة عبارة عن الشاهد المدلول عليه بفحوى الإنكار ، ويحتمل أن تكون { مَا } نافية ومفعول { نَبْغِى } محذوف أن ما نبغي شيئاً غير ما رأيناه من إحسان الملك في وجوب المراجعة إليه أو ما نبغي غير هذه المباغي ، والقول بأن المعنى ما نبغي منك بضاعة أخرى نشتري بها ضعيف ، والجملة المستأنفة على كل تقدير تعليل للنفي ، وإما إذا فسر البغي بمجاوزة الحد فما نافية فقط ، والمعنى ما نبغي في القول ولا نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الموجب لما ذكر ، والجملة المستأنفة لبيان ما ادعوا من عدم البغي ، وقوله : { وَنَمِيرُ } الخ عطف على { مَا نَبْغِى } أي لا نبغي فيما نقول ونمير ونفعل كيف وكيت فاجتمع أسباب الإذن في الإرسال ، والأول كالتمهيد والمقدمة للبواهي والتناسب من هذا الوجه لأن الكل متشاركة في أن المطلوب يتوقف عليها بوجه ما ، على أنه لو لم يكن غير الاجتماع في المقولية لكفى على ما مر آنفاً عن الكشف .

وجوز( {[406]} ) كونه كلاماً مبتدأ أي جملة تذييلية اعتراضية كقولك : فلان ينطق بالحق والحق أبلج كأنه قيل : وينبغي أن نمير ، ووجه التأكيد الذي يقتضيه التذييل أن المعنى أن الملك محسن ونحن محتاجون ففيم التوقف في الإرسال وقد تأكد موجباه ؟ ، وقال العلامة الطيبي : إنما صح التأكيد والتذييل لأن الكلام في الامتيار وكل من الجمل بمعناه أو المعنى { مَا نَبْغِى } في الرأي وما نعدل عن الصواب فيما نشير به عليه من إرسال أخينا معنا ، والجمل كلها للبيان أيضاً إلا أن ثم محذوفاً ينساق إليه الكلام أي بضاعتنا حاضرة نستظهر بها ونمير أهلنا ونصنع كيت وذيت وهو على ما قيل : وجه واضح حسن يلائم ما كانوا فيه مع أبيهم فتأمل هذا . وقرأت عائشة . وأبو عبد الرحمن { وَنَمِيرُ } بضم النون ، وقد جاء مار عياله وأمارهم بمعنى كما في القاموس .

[ 66 { قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ الله لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ الله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } .


[406]:- فيه رد على صاحب الفرائد حيث غفل عن ذلك فقال رادا على هذا التجويز: إن الواو لا تصلح في الابتداء والتزم العطف اهـ منه.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَـٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ} (65)

ثم إنهم { وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ } هذا دليل على أنه قد كان معلوما عندهم أن يوسف قد ردها عليهم بالقصد ، وأنه أراد أن يملكهم إياها . ف { قَالُوا } لأبيهم - ترغيبا في إرسال أخيهم معهم - : { يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي } أي : أي شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل ، حيث وفَّى لنا الكيل ، ورد علينا بضاعتنا على الوجه الحسن ، المتضمن للإخلاص ومكارم الأخلاق ؟

{ هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } أي : إذا ذهبنا بأخينا صار سببا لكيله لنا ، فمرنا{[446]} أهلنا ، وأتينا{[447]} لهم ، بما هم مضطرون إليه من القوت ، { وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } بإرساله معنا ، فإنه يكيل لكل واحد حمل بعير ، { ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } أي : سهل لا ينالك ضرر ، لأن المدة لا تطول ، والمصلحة قد تبينت .


[446]:- في ب: فنمير.
[447]:- في ب: ونأتي.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَـٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ} (65)

{ ولما فتحوا متاعهم } ، الذي حملوه من مصر ، { وجدوا بضاعتهم } ، ثمن الطعام ، { ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي } ، أي : ماذا نبغي وأي شيء نطلب ؟ وذلك أنهم ذكروا ليعقوب عليه السلام إحسان الملك إليهم وحثوه على إرسال بنيامين معهم ، فلما فتحوا المتاع ووجدوا البضاعة ، { هذه بضاعتنا ردت إلينا } ، أي شيء نطلب بالكلام ، فهذا هو العيان من الإحسان والإكرام ، أوفى لنا الكيل ورد علينا الثمن . أرادوا تطييب نفس أبيهم ، { ونمير أهلنا } ، أي : نشتري لهم الطعام فنحمله إليهم . يقال : مار أهله يمير ميرا : إذا حمل إليهم الطعام من بلد إلى بلد آخر . ومثله : امتار يمتار امتيارا . { ونحفظ أخانا } بنيامين ، أي : مما تخاف عليه . { ونزداد } ، على أحمالنا ، { كيل بعير } ، أي : حمل بعير يكال لنا من أجله ، لأنه كان يعطي باسم كل رجل حمل بعير ، { ذلك كيل يسير } ، أي : ما حملناه قليل لا يكفينا وأهلنا . وقيل : معناه نزداد كيل بعير ذلك كيل يسير لا مؤنة فيه ولا مشقة . وقال مجاهد : البعير هاهنا هو الحمار . كيل بعير ، أي : حمل حمار ، وهي لغة ، يقال للحمار : بعير . وهم كانوا أصحاب حمر والأول أصح أنه البعير المعروف .