روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (41)

ثم إنه سبحانه طيب نفسه عليه الصلاة والسلام بطلوع تباشير الظفر فقال جل شأنه :

{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ } الخ ، والاستفهام للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أأنكروا نزول ما وعدناهم أو أشكوا أو ألم ينظروا في ذلك ولم يروا { أَنَّا نَأْتِى الارض } أي أرض الكفرة { نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } من جوانبها بأن نفتحها شيئاً فشيئاً ونلحقها بدار الإسلام ونذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاء أليس هذا مقدمة لذاك .

ومثل هذه الآية قوله تعالى : { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الغالبون } [ الأنبياء : 44 ] وروي ذلك عن ابن عباس . والحسن . والضحاك . وعطية . والسدي . وغيرهم ، وروي عن ابن عباس أيضاً وأخرجه الحاكم عنه وصححه أن انتقاص الأرض موت أشرافها وكبرائها وذهاب العلماء منها . وفي رواية عن أبي هريرة يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقتصار على الأخير ، وروي أيضاً عن مجاهد ، فالمراد من الأرض جنسها ، والأطراف كما قيل بمعنى الإشراف ، ومجىء ذلك بهذا المعنى محكي عن ثعلب ، واستشهد له الواحدي بقول الفرزدق :

واسأل بنا وبكم إذا وردت مني *** أطراف كل قبيلة من يمنع

وقريب من ذلك قول ابن الأعرابي : الطرف والطرف الرجل الكريم . وقول بعضهم : طرف كل شيء خياره ، وجعلوا من هذا قول علي كرم الله تعالى وجهه : العلوم أودية في أي واد أخذت منها خسرت فخذوا من كل شيء طرفاً قال ابن عطية : أراد كرم الله تعالى وجهه خياراً ؛ وأنت تعلم أن الأظهر جانباً ، وادعى الواحدي أن تفسير الآية بما تقدم هو اللائق . وتعقبه الإمام بأنه يمكن القول بلياقة الثاني ، وتقرير الآية عليه أو لميروا أنا نحدث في الدنيا من الاختلافات خراباً بعد عمارة وموتاً بعد حياة وذلاً بعد عز ونقصاً بعد كمال وهذه تغييرات مدركة بالحس فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله تعالى الأمر عنهم فيجعلهم أذلة بعد أن كانوا أعزة ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين وهو كما ترى ، وقيل : نقصها هلاك من هلك من الأمم قبل قريش وخراب أرضهم أي ألم يروا هلاك من قبلهم وخراب ديارهم فكيف يأمنون من حلول ذلك بهم ، والأول أيضاً أوفق بالمقام منه ، ولا يخفى ما في التعبير بالإتيان المؤذن بعظيم الاستيلاء من الفخامة كما في قوله تعالى : { وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } [ الفرقان : 23 ] وفي «الحواشي الشهابية » أن المعنى يأتيها أمرنا وعذابنا ، وجملة { نَنقُصُهَا } في موضع الحال من فاعل { يَأْتِىَ } أو من مفعوله ؛ وقرأ الضحاك { نَنقُصُهَا } مثقلاً من نقص عداه بالتضعيف من نقص اللازم على ما في «البحر » { والله يَحْكُمُ } ما يشاء كما يشاء وقد حكم لك ولأتباعك بالعز والإقبال وعلى أعدائك ومخالفيك بالقهر والإذلال حسبما يشاهده ذوو الأبصار من المخائل والآثار ، وفي الالتفات من التكلم إلى الغيبة وبناء الحكم على الاسم الجليل من الدلالة على الفخامة وتربية المهابة وتحقيق مضمون الخبر بالإشارة إلى العلة ما لا يخفى ، وهي جملة اعتراضية جىء بها لتأكيد فحوى ما تقدمها ، وقوله سبحانه : { لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ } اعتراض أيضاً لبيان علو شأن حكمه جل وعلا ، وقيل : هو نصب على الحال كأنه قيل : والله تعالى يحكم نافذاً حكمه كما تقول : جاء زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة أي حاسراً وإليه ذهب الزمخشري ، قيل : وإنما أول الجملة الاسمية بالمفرد لأن تجردها من الواو إذا وقعت حالاً غير فصيح عنده ولا يخفى عليك أن جعلها معترضة أولى وأعلى ، والمعقب من يكر على الشيء فيبطله وحقيقته الذي يعقب الشيء بالإبطال ، ومنه يسمى الذي يطلب حقاً من آخر معقباً لأن يعقب غريمه ويتبعه للتقاضي ، قال لبيد :

حتى تهجر بالرواح وهاجها *** طلب المعقب حقه المظلوم

وقد يسمى الماطل معقباً لأنه يعقب كل طلب برد ، وعن أبي علي عقبني حقي أي مطلني ، ويقال للبحث عن الشيء تعقب ، وجوز الراغب أن يراد هذا المعنى هنا على أن يكون الكلام نهياً للناس أن يخوضوا في البحث عن حكمه وحكمته إذا خفيت عليهم ، ويكون ذلك من نحو النهي عن الخوض في سر القدر { وَهُوَ سَرِيعُ الحساب } فعما قليل يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة بعدما عذبهم بالقتل والأسر والإجلاء في الدنيا حسبما يرى ، وكأنه قيل : لا تستبطىء عقابهم فإنه آت لا محالة وكل آت قريب ، وقال ابن عباس : المعنى سريع الانتقام .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } قيل : ذلك بذهاب أهل الولاية الذي بهم عمارة الأرض ، وقيل : الإشارة أنا نقصد أرض وقت الجسد الشيخوخة ننقصها من أطرافها بضعف الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة شيئاً فشيئاً حتى يحصل الموت أو نأتي أرض النفس وقت السلوك ننقصها من أطرافها بإفناء أفعالها بأفعالنا أولاً وبإفناء صفاتها بصفاتنا ثانياً وبافناء ذاتها في ذاتنا ثالثاً { لاَ مُعَقّبَ لحكمه } [ الرعد : 41 ] لا راد ولا مبدل لكل ما حكم به نسأل الله تعالى أن يحكم لنا بما هو خير وأولى لي الآخرة والأولى بحرمة النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وعظم وكرم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (41)

ثم قال متوعدا للمكذبين { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } قيل بإهلاك المكذبين واستئصال الظالمين ، وقيل : بفتح بلدان المشركين ، ونقصهم في أموالهم وأبدانهم ، وقيل غير ذلك من الأقوال .

والظاهر -والله أعلم- أن المراد بذلك أن أراضي هؤلاء المكذبين جعل الله يفتحها ويجتاحها ، ويحل القوارع بأطرافها ، تنبيها لهم قبل أن يجتاحهم النقص ، ويوقع الله بهم من القوارع ما لا يرده أحد ، ولهذا قال : { وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ } ويدخل في هذا حكمه الشرعي والقدري والجزائي .

فهذه الأحكام التي يحكم الله فيها ، توجد في غاية الحكمة والإتقان ، لا خلل فيها ولا نقص ، بل هي مبنية على القسط والعدل والحمد ، فلا يتعقبها أحد ولا سبيل إلى القدح فيها ، بخلاف حكم غيره فإنه قد يوافق الصواب وقد لا يوافقه ، { وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } أي : فلا يستعجلوا بالعذاب فإن كل ما هو آت فهو قريب .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (41)

قوله تعالى : { أو لم يروا } يعني : أهل مكة ، الذين يسألون محمدا صلى الله عليه وسلم الآيات ، { أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } ، أكثر المفسرين على أن المراد منه فتح ديار الشرك ، فإن ما زاد في ديار الإسلام فقد نقص من ديار الشرك ، يقول : { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } ، فنفتحها لمحمد أرضا بعد أرض حوالي أرضهم ، أفلا يعبرون ؟ هذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة .

وقال قوم : هو خراب الأرض ، معناه : أو لم يروا أنا نأتي الأرض فنخربها ، ونهلك أهلها ، أفلا يخافون أن نفعل بهم ذلك ؟ قال مجاهد : هو خراب الأرض وقبض أهلها . وعن عكرمة قال : قبض الناس . وعن الشعبي مثله . وقال عطاء وجماعة : نقصانها موت العلماء ، وذهاب الفقهاء .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني مالك ، عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " . وقال الحسن : قال عبد الله بن مسعود : موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : عليكم بالعلم قبل أن يقبض ذهاب أهله . وقال علي رضي الله عنه : إنما مثل الفقهاء كمثل الأكف إذا قطعت كف لم تعد . وقال سليمان : لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر ، فإذا هلك الأول قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس . وقيل لسعيد بن جبير : ما علامة هلاك الناس ؟ قال : هلاك علمائهم . { والله يحكم لا معقب لحكمه } ، لا راد لقضائه ، ولا ناقض لحكمه . { وهو سريع الحساب * }