فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (41)

{ أَوَلَمْ يَرَوْا } يعني أهل مكة ، والاستفهام للإنكار ، أي : أولم ينظروا { أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } أي : نأتي أرض الكفر كمكة ننقصها من أطرافها بالفتوح على المسلمين منها شيئاً فشيئاً . قال الزجاج : أعلم الله أن بيان ما وعد المشركين من قهرهم قد ظهر ، يقول : أولم يروا أنا فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم ، فكيف لا يعتبرون ؟ وقيل : إن معنى الآية : موت العلماء والصلحاء . قال القشيري : وعلى هذا فالأطراف الأشراف . وقد قال ابن الأعرابي : الطرف الرجل الكريم . قال القرطبي : وهذا القول بعيد ؛ لأن مقصود الآية : أنا أريناهم النقصان في أمرهم ليعلموا أن تأخير العقاب عنهم ليس عن عجز إلاّ أن يحمل على موت أحبار اليهود والنصارى . وقيل : المراد من الآية خراب الأرض المعمورة حتى يكون العمران في ناحية منها . وقيل : المراد بالآية : هلاك من هلك من الأمم . وقيل : المراد نقص ثمرات الأرض . وقيل : المراد جور ولاتها حتى تنقص .

{ والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ } أي : يحكم ما يشاء في خلقه ، فيرفع هذا ويضع هذا ، ويحيي وهذا ويميت هذا ، ويغني هذا ، ويفقر هذا ، وقد حكم بعزّة الإسلام وعلوّه على الأديان . وجملة { لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ } في محل نصب على الحال . وقيل : معترضة . والمعقب : الذي يكرّ على الشيء فيبطله ، وحقيقته الذي يقفيه بالردّ والإبطال . قال الفراء : معناه لا رادّ لحكمه ، قال : والمعقب الذي يتبع الشيء فيستدركه ، ولا يستدرك أحد عليه ، والمراد من الآية أنه لا يتعقب أحد حكم الله سبحانه بنقص ولا تغيير . { وَهُوَ سَرِيعُ الحساب } فيجازي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته على السرعة .

/خ43