روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ} (144)

{ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء } أي كثيراً ما نرى تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء متشوفاً للوحي ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع في قلبه ، ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة لما أن اليهود كانوا يقولون : يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا ، ولما أنها قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام ، وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإيمان ، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل ذلك من ربه بل كان ينتظر فقط إذ لو وقع السؤال لكان الظاهر ذكره ، ففي ذلك دلالة على كمال أدبه صلى الله عليه وسلم ، وقال قتادة والسدي وغيرهما : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوله إلى الكعبة ، فعلى هذا يكون السؤال واقعاً منه عليه الصلاة والسلام ، ولم يذكر لأن تقلب الوجه نحو السماء التي هي قبلة الدعاء يشير إليه في الجملة ، ولعل ذلك بعد حصول الإذن له بالدعاء لما أن الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئاً من غير أن يؤذن لهم فيه لأنه يجوز أن لا يكون فيه مصلحة فلا يجابون إليه فيكون فتنة لقومهم ، ويؤيد ذلك ما في بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم استأذن جبريل أن يدعو الله تعالى فأخبره بأن الله تعالى قد أذن له بالدعاء كذا يفهم من كلامهم ، والذي أراه أنه لا مانع من دعائه صلى الله عليه وسلم وسؤاله التحويل لمصلحة ألهمها ومنفعة دينية فهمها ، ولا يتوقف ذلك على الاستئذان ولا الإذن الصريحين ؛ لأن من نال قرب النوافل مستغن عن ذلك فكيف من حصل له مقام قرب الفرائض حتى غدا سيد أهله ، ومن علم مرتبة الحبيب عد جميع ما يصدر منه في غاية الكمال مع مراعاة نهاية الأدب ، وأما معاتبته صلى الله عليه وسلم في بعض ما صدر فليس لنقص فيه ولا لإخلال بالأدب عند فعله حاشاه ثم حاشاه ، ولكن لأسرار خفية ، وحكم ربانية علمها من علمها وجهلها من جهلها ، بقي هل دعا صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة صريحاً أم لا ؟ الظاهر الثاني بناءاً على ما صح عندنا من ظواهر الأخبار حيث لم يكن فيها سوى حب التحويل ، فقد أخرج البخاري ومسلم في «صحيحهما » عن البراء قال : صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس ، ثم علم الله تعالى هوى نبيه عليه الصلاة والسلام فنزلت : { قَدْ نرى } الآية ، وليس في الآية ما يدل صريحاً على أحد الأمرين ، وأما الإشارة فقد تصلح لهذا وهذا كما لا يخفى ، هذا ومن الناس من جعل { قَدْ } هنا للتقليل زعماً منه أن وقوع التقلب قليلاً أدل على كمال أدبه صلى الله عليه وسلم ، واعترض بأن من رفع بصره إلى السماء مرة واحدة لا يقال له : قلب بصره إلى السماء ، وإنما يقال : قلب إذا داوم فالكثرة تفهم من الآية لا محالة لأن التقلب الذي هو مطاوع التقليب يدل عليها ، وهل التكثير معنى مجازي لقد أو حقيقي ؟ قولان نسب ثانيهما إلى سيبويه ، وهذه الكثرة أو القلة هنا منصرفة إلى التقلب ، وذكر بعض النحاة أن ( قد ) تقلب المضارع ماضياً ، ومنه ما هنا ، وقوله تعالى :

{ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } [ النور : 4 6 ] { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ } [ الحجر : 7 9 ] إلى غير ذلك

{ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً } أي لنمكننك من استقبالها من قولك : وليته كذا إذا جعلته والياً له أو فلنجعلنك تلي جهتها دون جهة المقدس من وليه دنا منه ووليته إياه أدنيته منه ، والفاء لسببية ما قبلها لما بعدها ، وهي في الحقيقة داخلة على قسم محذوف تدل عليه السلام ، وجاء هذا الوعد على إضمار القسم مبالغة في وقوعه لأنه يؤكدون مضمون الجملة المقسم عليها ، وجاء قبل الأمر لفرح النفس بالإجابة ثم بانجاز الوعد فيتوالى السرور مرتين ، ونولي يتعدى لاثنين الكاف الأول وقبلة الثاني/

وقوله تعالى : { ترضاها } أي تحبها وتميل إليها للأغراض الصحيحة التي أضمرتها ، ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته في موضع نصب صفة لقبلة ، ونكرها لأنه لم يجر قبلها ما يقتضي أن تكون معهودة فتعرّف باللام ، وليس في اللفظ ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يطلب قبلة معينة .

{ تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ } الفاء لتفريع الأمر على الوعد وتخصيص التولية بالوجه لما أنه مدار التوجه ومعياره ، وقيل : المراد به جميع البدن وكنى بذلك عنه لأنه أشرف الأعضاء وبه يتميز بعض الناس عن بعض ، أو مراعاة لما قبل والتولية إذا كانت متعدية بنفسها إلى تمام المفعولين كانت مستعملة بأحد المعنيين المتقدمين ، وإذا كانت متعدية إلى واحد فمعناها الصرف إما عن الشيء أو إلى الشيء على اختلاف صلتها الداخلة على المفعول الثاني ، وهي هنا بهذا المعنى فوجهك مفعول أول .

وقوله تعالى : { شَطْرَ المسجد الحرام } أي نحوه كما روي عن ابن عباس ، أو قبله كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه ، أو تلقاءه كما روي عن قتادة ظرف مكان مبهم كمفسره منصوب على الظرفية أغنى غناء إلى فان مؤدي ولّ وجهك نحو أو قبل أو تلقاء المسجد وولّ وجهك إلى المسجد واحد وإنما لم يجعل الأمر من المتعدية إلى مفعولين بأن يكون { شَطْرَ } مفعوله الثاني ما قيل به ؛ لأن ترتبه بالفاء وكونه إنجازاً للوعد بأن الله تعالى يجعل مستقبل القبلة أو قريباً من جهتها بأن يؤمر بالصلاة إليها يناسبه أن يكون مأموراً بصرف الوجه إليها لا بأن يجعل نفسه مستقبلاً لها أو قريباً من جهتها فإن المناسب لهذا فلنأمرنك بأن تولى ولأنه يلزم حينئذ أن يكون الواجب رعاية سمت الجهة لأن المسجد الحرام جهة القبلة فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مأموراً بجعل نفسه مستقبل جهة المسجد أو قريباً منها كان مأموراً باستقبال جهة الجهة أو بقرب جهة الجهة بخلاف ما إذا جعل من التولية بمعنى الصرف ، وشطر ظرفاً فإنه يصير المعنى اصرف وجهك نحو المسجد الحرام وتلقاءه الذي هو جهة القبلة فيكون مأموراً بمسامته الجهة وإصابته قاله بعض المحققين . وقيل : الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء ثم استعمل لجانبه وإن لم ينفصل فيكون بمعنى بعض الشيء ويتعين حينئذ جعله مفعولاً ثانياً ، وفيه أنه وإن لم يلزم حينئذ وجوب رعاية جهة الجهة لكن عدم مناسبته بانجاز الوعد باق ، والقول بأن الشطر هنا بمعنى النصف مما لا يكاد يصح ، والحرام المحرم أي محرم فيه القتال ؛ أو ممنوع من الظلمة أن يتعرضوا ، وفي ذكر المسجد الحرام الذي هو محيط بالكعبة دون الكعبة مع أنها القبلة التي دلت عليها الأحاديث الصحاح إشارة إلى أنه يكفي للبعيد محاذاة جهة القبلة وإن لم يصب عينها وهذه الفائدة لا تحصل من لفظ الشطر كما قاله جمع لأنه لو قيل : فولّ وجهك شطر الكعبة لكان المعنى اجعل صرف الوجه في مكان يكون مسامتاً ومحاذياً للكعبة وهذا هو مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأحمد ، وقول أكثر الخراسانيين من الشافعية ورجحه حجة الإسلام في «الإحياء » إلا أنهم قالوا : يجب أن يكون قصد المتوجه إلى الجهة العين التي في تلك الجهة لتكون القبلة عين الكعبة ، وقال العراقيون والقفال منهم : يجب إصابة العين ، وقال الإمام مالك : إن الكعبة قبلة أهل المسجد ، والمسجد قبلة مكة ، وهي قبلة الحرم ، وهو قبلة الدنيا ، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً ما يدل عليه ، وهذا الخلاف في غير من يكون شاهداً أما هو فيجب عليه إصابة العين بالإجماع ، ولم يقيد سبحانه وتعالى التولية في الصلاة لأن المطلوب لم يكن سوى ذلك فأغنى عن الذكر . وقيل : لأن الآية نزلت ، وهو صلى الله عليه وسلم في الصلاة فأغنى التلبس بها عن ذكرها ، واستدل هذا القائل بما ذكره القاضي تبعاً لغيره أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين ، وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب ، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم فسمى المسجد مسجد القبلتين وهذا كما قال الإمام السيوطي تحريف للحديث ، فإن قصة بني سلمة لم يكن فيها النبي صلى الله عليه وسلم إماماً ولا هو الذي تحول في الصلاة ، فقد أخرج النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنا نغدو إلى المسجد فمررنا يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر ، فقلت : حدث أمر ، فجلست ، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء } الآية ، فقلت لصاحبي : تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى ، فصليناهما ، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى للناس الظهر يومئذ ، وروى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس فلما نزلت هذه الآية مرّ رجل ببني سلمة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر نحو بيت المقدس ، ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة فمالوا كما هم ركوعاً إلى الكعبة ، فما ذكر مخالف للروايات الصحيحة الثابتة عند أهل هذا الشأن فلا يعول عليه .

وقرأ أبيّ { تِلْقَاء * المسجد الحرام } وهي تؤيد القول الأول في { شَطْرَ } كما لا يخفى .

{ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } عطف على { فَوَلّ وَجْهَكَ } ومن تتمة إنجاز الوعد والفاء جواب الشرط لأن ( حيث ) إذا لحقه ( ما ) الكافة عن الإضافة يكون من كلم المجازاة ، والفراء لا يشترط ذلك فيها ، و( كان ) تامة أي في أي موضع وجدتم وأصل { وَلَّوْاْ } وليوا فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان فحذف أولهما وضم ما قبل الياء للمناسبة فوزنه فعوا ، وهذا تصريح بعموم الحكم المستفاد من السابق اعتناءً به ؛ إذ الخطاب الوارد في شأن النبي صلى الله عليه وسلم عام حكمه ما لم يظهر اختصاصه به عليه الصلاة والسلام ، وفائدة تعميم الأمكنة على ما ذهب إليه البعض دفع توهم أن هذه القبلة مختصة بأهل المدينة . وقيل : لما كان الصرف عن الكعبة لاستجلاب قلوب اليهود وكان مظنة أن لا يتوجه إليها في حضورهم أشار إلى تعميم التولية جميع الأمكنة أو يقال : صرح بأن التولية جهة الكعبة فرض مع حضور بيت المقدس ؛ ولأهله أيضاً لئلا يظن أن حضور بيت المقدس يمنع التوجه إلى جهة الكعبة مع غيبتها فليفهم . وقرأ عبد الله { فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قبله } .

{ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب } أي من اليهود والنصارى { لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ } أي التحويل أو التوجه المفهوم من التولية { الحق مِن رَّبّهِمْ } لا غيره لعلمهم بأن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يأمر بالباطل إذ هو النبي المبشر به في كتبهم وتحققهم أنه لا يتجاوز كل شريعة عن قبلتها إلى قبلة شريعة أخرى ، وأما اشتراك النبي صلى الله عليه وسلم وإبراهيم عليه السلام في هذه القبلة فلاشتراكهما في الشريعة على ما ينبئ عنه قوله تعالى :

{ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } [ البقرة : 135 ] ، ووقوفهم على ما تضمنته كتبهم من أنه صلى الله عليه وسلم يصل إلى القبلتين ، والجملة عطف على { قَدْ نرى } بجامع أن السابقة مسوقة لبيان أصل التحويل وهذه لبيان حقيته . قيل : أو اعتراضية لتأكيد أمر القبلة .

{ وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ } اعتراض بين الكلامين جيء به للوعد والوعيد للفريقين من أهل الكتاب الداخلين تحت العموم السابق المشار إليهما فيما سيجيء قريباً إن شاء الله تعالى وهما من كتم ومن لم يكتم وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي { تَعْمَلُونَ } بالتاء فهو وعد للمؤمنين ، وقيل : على قراءة الخطاب وعدلهم ، وعلى قراءة الغيبة وعيد لأهل الكتاب مطلقاً ، وقيل : الضمير على القراءتين لجميع الناس فيكون وعداً ووعيداً لفريقين من المؤمنين والكافرين .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ} (144)

{ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ }

يقول الله لنبيه : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ } أي : كثرة تردده في جميع جهاته ، شوقا وانتظارا لنزول الوحي باستقبال الكعبة ، وقال : { وَجْهِكَ } ولم يقل : " بصرك " لزيادة اهتمامه ، ولأن تقليب الوجه مستلزم لتقليب البصر .

{ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ } أي : نوجهك لولايتنا إياك ، { قِبْلَةً تَرْضَاهَا } أي : تحبها ، وهي الكعبة ، وفي هذا بيان لفضله وشرفه صلى الله عليه وسلم ، حيث إن الله تعالى يسارع في رضاه ، ثم صرح له باستقبالها فقال : { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } والوجه : ما أقبل من بدن الإنسان ، { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ } أي : من بر وبحر ، وشرق وغرب ، جنوب وشمال . { فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } أي : جهته .

ففيها اشتراط استقبال الكعبة ، للصلوات كلها ، فرضها ، ونفلها ، وأنه إن أمكن استقبال عينها ، وإلا فيكفي شطرها وجهتها ، وأن الالتفات بالبدن ، مبطل للصلاة ، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده ، ولما ذكر تعالى فيما تقدم ، المعترضين على ذلك من أهل الكتاب وغيرهم ، وذكر جوابهم ، ذكر هنا ، أن أهل الكتاب والعلم منهم ، يعلمون أنك في ذلك على حق وأمر ، لما يجدونه في كتبهم ، فيعترضون عنادا وبغيا ، فإذا كانوا يعلمون بخطئهم فلا تبالوا بذلك ، فإن الإنسان إنما يغمه اعتراض من اعترض عليه ، إذا كان الأمر مشتبها ، وكان ممكنا أن يكون معه صواب .

فأما إذا تيقن أن الصواب والحق مع المعترض عليه ، وأن المعترض معاند ، عارف ببطلان قوله ، فإنه لا محل للمبالاة ، بل ينتظر بالمعترض العقوبة الدنيوية والأخروية ، فلهذا قال تعالى : { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } بل يحفظ عليهم أعمالهم ، ويجازيهم عليها ، وفيها وعيد للمعترضين ، وتسلية للمؤمنين .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ} (144)

قوله تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السماء } . هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في المعنى فإنها رأس القصة ، وأمر القبلة أول ما نسخ من أمور الشرع ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا بمكة إلى الكعبة ، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته في التوراة ، فصلى بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام ، وقال مجاهد : كان يحب ذلك لأجل اليهود لأنهم كانوا يقولون يخالفنا محمد صلى الله عليه وسلم في ديننا ويتبع قبلتنا ، فقال لجبريل عليه السلام : وددت لو حولني الله إلى الكعبة فإنها قبلة أبي إبراهيم عليه السلام ، فقال جبريل : إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك ، فسل أنت ربك فإنك عند الله عز وجل بمكان . فعرج جبريل عليه السلام وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة . فأنزل الله تعالى ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) .

قوله تعالى : { فلنولينك قبلة } . فلنحولنك إلى قبلة .

قوله تعالى : { ترضاها } . أي تحبها وتهواها .

قوله تعالى : { فول } . أي حول .

قوله تعالى : { وجهك شطر المسجد الحرام } . أي نحوه وأراد به الكعبة والحرام المحرم .

قوله تعالى : { وحيثما كنتم } . من بر أو بحر شرق أو غرب .

قوله تعالى : { فولوا وجوهكم شطره } . عند الصلاة أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا إسحاق بن نصر ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء قال : سمعت ابن عباس قال : لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه ، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال هذه القبلة . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد ابن يوسف ، أخبرنا محمد ابن إسماعيل ، أخبرنا عمرو بن خالد ، أخبرنا زهير ، أخبرنا أبو إسحاق ، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر ، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد قباء وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت ، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب ، فلما تولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك ، وقال البراء في حديثه هذا : إنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم ؟ فأنزل الله تعالى ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) . وكان تحويل القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين ، قال مجاهد وغيره : نزلت هذه الآية و رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر ، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء ، والنساء مكان الرجال ، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين ، وقيل : كان التحويل خارج الصلاة بين الصلاتين ، وأهل قباء وصل إليهم الخبر في صلاة الصبح .

أخبرنا أبو الحسن محمد السرخسي ، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد الفقيه السرخسي ، أخبرنا أبو إبراهيم عبد الصمد الهاشمي السامري ، أخبرنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري عن مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار أن عبد الله بن عمر قال : بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت وقال لهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة . فلما تحولت القبلة قالت اليهود : يا محمد إلا شيء تبتدعه من تلقاء نفسك فتارة تصلي إلى بيت المقدس وتارة إلى الكعبة ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره ؟ فأنزل الله تعالى :

قوله تعالى : { وإن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أنه } . يعني أمر الكعبة .

قوله تعالى : { الحق من ربهم } . ثم هددهم فقال :

قوله تعالى : { وما الله بغافل عما تعملون } . قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء ، قال ابن عباس يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم . وقرأ الباقون بالياء يعني ما أنا بغافل عما يفعل اليهود فأجازيهم في الدنيا والآخرة .