فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ} (144)

{ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون } .

{ قد نرى تقلب وجهك } تصرفه { في } جهة { السماء } قال القرطبي في تفسيره : قال العلماء هذه الآية متقدمة في النزول على قوله : { سيقول السفهاء } ومعنى { قد } تكثير الرؤية كما قاله صاحب الكشاف ، وقيل للتحقيق ، والمعنى تحول وجهك إلى السماء قاله قطرب وقال الزجاج : تقلب عينيك في النظر إلى السماء والمعنى متقارب والمعنى مطلعا إلى الوحي ومتشوقا للأمر باستقبال الكعبة ، وكان يود ذلك لأنها قبلة إبراهيم ، ولأنها أدعى إلى إسلام العرب .

{ فلنولينك } هو إما من الولاية أي فلنعطينك ذلك أو من التولي أي فلنجعلنك متوليا إلى جهتها وهذه بشارة من الله له صلى الله عليه وسلم بما يجب والفاء هنا للتسبب وقيل المعنى نحولنك { قبلة ترضاها } قاله ابن عمر : أي قبلة إبراهيم نحو الميزان ، وهذا أولى لقوله { فول وجهك شطر المسجد الحرام } المراد بالشطر هنا الناحية والجهة ويرد بمعنى البعض مطلقا ، ويكون بمعنى النصف في الشيء وبمعنى الجهة والنحو ، ويقال شطر أي بعد ومنه الشطر وهو الشاب البعيد من الجيران الغائب عن منزله والشطير البعيد ، ومنه منزل شطير وشطر إليه أي أقبل ، قال الراغب : والشاطر أيضا من يتباعد من الحق .

ولا خلاف أن المراد بشطر المسجد هنا الكعبة وقد حكى القرطبي الإجماع على أن استقبال عين الكعبة فرض على المعاين وعلى أن غير المعاين يستقبل الناحية ، ويستدل على ذلك بما يمكنه الاستدلال به ، وعن البراء شطر المسجد قبله ، وعن ابن عباس قال : نحوه وقال أبو العالية : تلقاءه ، وقال ابن عباس : البيت كله قبلة وقبلة البيت الباب ، وأخرج البيهقي عنه مرفوعا قال : البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض مشارقها ومغاربها من أمتي .

وقد أخرج ابن ماجة عن البراء قال صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو البيت المقدس ثمانية عشر شهرا وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله إلى المدينة بشهرين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى إلى بيت المقدس أكثر تقليب وجهه في السماء وعلم الله من قلب نبيه أنه يهوى الكعبة فصعد جبريل فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره وهو يصعد بين السماء والأرض ينظر ما يأتيه به ، فأنزل الله هذه الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبريل كيف حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس ؟ فأنزل الله يعني الآية التي قبل هذه .

واختلف في وقت تحويل القبلة فقيل كان في يوم الاثنين بعد الزوال للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وعليه الأكثر وقيل كان يوم الثلاثاء لثمانية عشر شهرا وقيل كان لستة عشر شهرا وقيل لثلاثة عشر شهرا ، وقيل في جمادى ، وقيل في نصف شعبان ، وقيل نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة ، وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين ، ووصل الخبر إلى أهل قباء في صلاة الصبح .

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي عمر{[143]} قال بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ، وظاهر حديث البراء في البخاري أنها كانت صلاة العصر ، ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد ابن المعلى أنها الظهر .

{ وحيث ما كنتم } أي من بر ، أو بحر ، مشرق أو مغرب ، وهذا خطاب للأمة { فولوا وجوهكم شطره } أي نحو البيت وتلقاءه ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) {[144]} أخرجه الترمذي ، وقال حديث حسن صحيح قيل أراد بالمشرق مشرق الشتاء في أقصر يوم من السنة وبالمغرب مغرب الصيف في أطول يوم من السنة ، فمن جعل مغرب الصيف في هذا الوقت عن يمينه ومشرق الشتاء عن يساره كان مستقبلا للقبلة وهذا في حق أهل المشرق لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد عن خط الاستواء بمقدار ميل ، والمغرب الصيفي شمالي متباعد عن خط الاستواء والذي بينهما فقوسها مكة والفرض لمن بمكة في القبلة إصابة عين الكعبة ولمن بعد بمكة إصابة الجهة ويعرف ذلك بدلائل القبلة ، وليس هذا موضع ذكرها ، وهذا أحد الأصول الدالة على تجويز الاجتهاد وفيه إيجاب استقبال الكعبة في كل صلاة فرضا كانت أو نفلا في كل مكان حضرا أو سفرا ، وهو مخصوص بالآية المتقدمة في نافلة السفر على الراحلة وبالآية في حال المسايفة .

{ وإن الذين أوتوا الكتاب } قال السدي هم اليهود خاصة والكتاب التوراة وقال غيره : أحبار اليهود وعلماء النصارى لعموم اللفظ ، والكتاب التوراة والإنجيل { ليعلمون أنه الحق من ربهم } الضمير في { أنه } راجع إلى ما يدل عليه الكلام من التحول إلى جهة الكعبة ، وعلم أهل الكتاب بذلك إما لكونه قد بلغهم عن أنبيائهم ، أو أوجدوا في كتب الله المنزلة عليهم أن هذا النبي مستقبل الكعبة أو لأنهم قد علموا من كتبهم أو أنبيائهم أن النسخ سيكون في هذه الشريعة ، فيكون ذلك موجبا عليهم الدخول في الإسلام ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم وقيل راجع إلى الشطر ، وقيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويكون على هذا إلتفاتا من خطابه بقوله { فلنولينك } إلى الغيبة ، والأول أولى { وما الله بغافل عما يعملون } قال السدي : أنزل ذلك في اليهود والمعنى ما أنا بساه عما يفعل هؤلاء اليهود فأنا أجازيهم عليه في الدنيا والآخرة .


[143]:البخاري/ باب القبلة -10
[144]:صحيح الجامع الصغير 5460