{ إِن تُبْدُواْ الصدقات } أي تظهروا إعطاءها ، قال الكلبي : لما نزلت { وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } [ البقرة : 270 ] الآية قالوا : يا رسول الله/ صلى الله عليه وسلم أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية ؟ فنزلت ، فالجملة نوع تفصيل ما أجمل في الشرطية وبيان له ولذلك ترك العطف بينهما ، والمراد من الصدقات على ما ذهب إليه جمهور المفسرين صدقات التطوع ، وقيل : الصدقات المفروضة ، وقيل : العموم { فَنِعِمَّا هِي } الفاء جواب للشرط ، ونعم فعل ماض ، و( ما ) كما قال ابن جني : نكرة تامة منصوبة على أنها تمييز وهي مبتدأ عائد للصدقات على حذف مضاف أي إبداؤها أو لا حذف ، والجملة خبر عن ( هي ) ، والرابط العموم ، وقرأ ابن كثير وورش وحفص بكسر النون والعين للإتباع ، وهي لغة هذيل قيل : ويحتمل أنه سكن ثم كسر لالتقاء الساكنين ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين على الأصل كعلم ، وقرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر بكسر النون وإخفاء حركة العين ، وروي عنه : الإسكان أيضاً واختاره أبو عبيدة وحكاه لغة ، والجمهور على اختيار الاختلاس على الإسكان حتى جعله بعضهم من وهم الرواة ، وممن أنكره المبرد والزجاج والفارسي لأن فيه جمعا بين ساكنين على غيره حده .
{ وَإِن تُخْفُوهَا } أي تسروها والضمير المنصوب إما للصدقات مطلقاً وإما إليها لفظاً لا معنى بناءاً على أن المراد بالصدقات المبداة المفروضة وبالمخفاة المتطوع بها فيكون من باب عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر ، وفي جمع الإبداء والإخفاء من أنواع البديع الطباق اللفظي كما أن في قوله تعالى : { أَنتُمُ الفقراء } الطباق المعنوي لأنه لا يؤتي الصدقات إلا الأغنياء قيل : ولعل التصريح بإيتائها الفقراء مع أنه لا بد منه في الإبداء أيضاً لما أن الإخفاء مظنة الالتباس والاشتباه فإن الغني ربما يدعي الفقر ويقدم على قبول الصدقة سراً ولا يفعل ذلك عند الناس ، وتخصيص الفقراء بالذكر اهتماماً بشأنهم ، وقيل : إن المبداة لما كانت الزكاة لم يذكر فيها الفقراء لأن مصرفها غير مخصوص بهم ، والمخفاة لما كانت التطوع بين أن مصارفها الفقراء فقط ، وليس بشيء لأنه بعد تسليم أن المبداة زكاة والمخفاة تطوع لا نسلم أن مصارف الثانية الفقراء فقط ودون إثبات ذلك الموت الأحمر وكأنه لهذا فسر بعضهم الفقراء بالمصارف .
{ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي فالإخفاء { خَيْرٌ لَّكُمْ } من الإبداء ، وخير لكم من جملة الخيور ، والأول هو الذي دلت عليه الآثار ، والأحاديث في أفضلية ازخفاء أكثر من أن تحصى . أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة أن أبا ذر قال : يا رسول الله أيّ الصدقة أفضل ؟ قال :
" صدقة سر إلى فقير أو جهد من مقل ثم قرأ الآية " ، وأخرج الطبراني مرفوعاً " إن صدقة السر تطفئ غضب الرب " وأخرج البخاري " سبعة يظلمهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله إلى أن قال ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " والأكثرون على أن هذه الأفضلية فيما إذا كان كل من صدقتي السر والعلانية تطوعاً ممن لم يعرف بمال وإلا فإبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التهمة وكذا الإظهار أفضل لمن يقتدى به وأمن نفسه ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «صدقة السر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفاً وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمس وعشرين ضعفاً » وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها .
{ وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ } أي والله يكفر أو الإخفاء ، والإسناد مجازي ، و{ مِنْ } تبعيضية لأن الصدقات لا يكفر بها جميع السيئات ، وقيل : مزيدة على رأي الأخفش ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش ويعقوب نكفر بالنون مرفوعاً على أنه جملة مبتدأة أو اسمية معطوفة على ما بعد الفاء/ أي ونحن نكفر ، وقيل : لا حاجة إلى تقدير المبتدأ ، والفعل نفسه معطوف على محل ( ما ) بعد الفاء ؛ لأنه وحده مرفوع لأن الفاء الرابطة مانعة من جزمه لئلا يتعدد الرابط ، وقرأ حمزة والكسائي نكفر بالنون مجزوماً بالعطف على محل الفاء مع ما بعدها لأنه جواب الشرط قاله غير واحد ، واستشكله البدر الدماميني بأنه صريح في أن الفاء ، و( ما ) دخلت عليه في محل جزم ، وقد تقرر أن الجملة لا تكون ذات محل من الإعراب إلا إذا كانت واقعة موقع المفرد وليس هذا من محال المفرد حتى تكون الجملة واقعة ذات محل من الإعراب وذلك لأن جواب الشرط إنما يكون جملة ولا يصح أن يكون مفرداً فالموضع للجملة بالأصالة وادعى أن جزم الفعل ليس بالعطف على محل الجملة وإنما هو لكونه مضارعاً وقع صدر جملة معطوفة على جملة جواب الشرط الجازم وهي لو صدرت بمضارع كان مجزوماً فأعطيت الجملة المعطوفة حكم الجملة المعطوف عليها وهو جزم صدرها إذا كان فعلاً مضارعاً ويمكن دفعه بالعناية فتدبر ، وقرئ : وتكفر بالتاء مرفوعاً ومجزوماً على حسب ما علمت والفعل للصدقات { والله بِمَا تَعْمَلُونَ } في صدقاتكم من الإبداء والإخفاء { خَبِيرٌ } عالم لا يخفى عليه شيء فيجازيكم على ذلك كله ، ففي الجملة ترغيب في الإعلان والإسرار وإن اختلفا في الأفضلية ، ويجوز أن يكون الكلام مساقاً للترغيب في الثاني لقربه ولكون الخبرة بالإبداء ليس فيها كثير مدح .
{ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }
أي : { إن تبدوا الصدقات } فتظهروها وتكون علانية حيث كان القصد بها وجه الله { فنعما هي } أي : فنعم الشيء { هي } لحصول المقصود بها { وإن تخفوها } أي : تسروها { وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } ففي هذا أن صدقة السر على الفقير أفضل من صدقة العلانية ، وأما إذا لم تؤت الصدقات الفقراء فمفهوم الآية أن السر ليس خيرا من العلانية ، فيرجع في ذلك إلى المصلحة ، فإن كان في إظهارها إظهار شعائر الدين وحصول الاقتداء ونحوه ، فهو أفضل من الإسرار ، ودل قوله : { وتؤتوها الفقراء } على أنه ينبغي للمتصدق أن يتحرى بصدقته المحتاجين ، ولا يعطي محتاجا وغيره أحوج منه ، ولما ذكر تعالى أن الصدقة خير للمتصدق ويتضمن ذلك حصول الثواب قال : { ويكفر عنكم من سيئاتكم } ففيه دفع العقاب { والله بما تعملون خبير } من خير وشر ، قليل وكثير والمقصود من ذلك المجازاة .
قوله تعالى : { إن تبدوا الصدقات } . أي تظهروها .
قوله تعالى : { فنعما هي } . أي : نعمت الخصلة هي و " ما " في محل الرفع و " هي " في محل النصب ، كما تقول : نعم الرجل رجلاً ، فإذا عرفت رفعت ، فقلت : نعم الرجل زيد ، وأصله : نعم ما وصلت ، قرأ أ هل المدينة غير ورش وأبو عمرو وأبو بكر : " فنعما " بكسر النون وسكون العين ، وقرأ ابن عامر و حمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين ، وقرأ ابن كثير ونافع برواية ورش يعقوب وحفص بكسرهما ، وكلها لغات صحيحة وكذلك في سورة النساء .
قوله تعالى : { وإن تخفوها } . تسروها .
قوله تعالى : { وتؤتوها الفقراء } . أي تؤتوها الفقراء في السر .
قوله تعالى : { فهو خير لكم } . وأفضل ، وكل مقبول إذا كانت النية صادقة ، ولكن صدقة السر أفضل ، وفي الحديث : صدقة السر تطفئ غضب الرب .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، اخبرنا أبو مصعب عن مالك عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد الخدري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وافترقا عليه ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " .
وقيل : الآية في صدقه التطوع ، أما الزكاة المفروضة فالإظهار فيها أفضل حتى يقتدي به الناس ، كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل ، والنافلة في البيت أفضل ، وقيل :الآية في الزكاة المفروضة كان الإخفاء فيها خيراً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أما في زماننا فالإظهار أفضل حتى لا يساء به الظن .
قوله تعالى : { نكفر عنكم سيئاتكم } . قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر بالنون ورفع الراء ، أي ونحن نكفر ، وقرأ أبن عامر وحفص بالياء ورفع الراء ، أي ويكفر الله ، وقرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي بالنون والجزم نسقاً على الفاء التي في قوله : ( فهو خير لكم ) لأن موضعها جزم بالجزاء ، وقوله ( من سيئاتكم ) ، قيل " من " صلة ، تقديره نكفر عنكم سيئاتكم ، وقيل : هو للتحقيق والتبعيض ، يعني : الصغائر من الذنوب .