{ وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب } من اليهود والنصارى ، وقيل : من نصارى نجران { إِلاَّ بالتي هي أَحْسَنُ } أي بالخصلة التي هي أحسن كمقابلة الخشونة باللين ، والغضب بالكظم ، والمشاغبة بالنصح ، والسورة بالإناة كما قال سبحانه : { ادفع بالتي هي أَحْسَنُ } [ المؤمنون : 6 9 ] { إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } بالإفراد في الاعتداء والعناد ، ولم يقبلوا النصح ، ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن الذين ظلموا هم الذين أثبتوا الولد والشريك أو قالوا يد الله تعالى مغلولة ، أو الله سبحانه فقير ، أو آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الغلظة التي نفهم الآية الاذن بها لا تصل إلى القتال لأولئك الظالمين من أهل الكتاب على أي وجه من الوجوه المذكورة كان ظلمهم لأن ظاهر كون السورة مكية أن هذه الآية مكية ، والقتال في المشهور لم يشرع بمكة وليست الغلظة محصورة فيه كما لا يخفى ، وقيل : المعنى ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدين للجزية إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فإن أولئك مجادلتهم بالسيف .
وأخرج ابن جرير . وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ما يقرب منه ، وتعقب بأن السورة مكية والحرب والجزية مما شرع بالمدينة ، وكون الآية بياناً لحكم آت بعد بعيد وأيضاً لا قرينة على التخصيص .
وقيل : يجوز أن يكون القائل بذلك ذاهباً إلى أن الآية مدنية ومكبة السورة باعتبار أغلب آياتها ؛ أو ممن يقول : بأن الحرب شرع بمكة في آخر الأمر ، والسورة آخر ما نزل بها إلا أنه لم يقع وعدم الوقوع لا يدل على عدم المشروعية .
وعن ابن زيد أن المراد بأهل الكتاب مؤمنو أهل الكتاب وبالتي هي أحسن موافقتهم فيما حدثوا به من أخبار أوائلهم وبالذين ظلموا من بقي منهم على كفره وهو كما ترى ، واختلف في نسخ الآية . فأخرج أبو داود في ناسخه . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة أنه قال : نهى في هذه الآية عن مجادلة أهل الكتاب ، ثم نسخ ذلك فقال سبحانه : { قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الاخر } [ التوبة : 9 2 ] الآية ولا مجادلة أشد من السيف ، وقال في مجمع البيان : الصحيح أنها غير منسوخة لأن المراد بالجدال المناظرة وذلك على الوجه الأحسن هو الواجب الذي لا يجوز غيره .
وقال بعض الأجلة : إن المجادلة بالحسنى في أوائل الدعوة لأنها تتقدم القتال فلا يلزم النسخ ولا عدم القتال بالكلية ، وأما كون النهي يدل على عموم الأزمان فيلزم النسخ فلا يتم ما ذكر فيدفعه أن من يقاتل كمانع الجزية داخل في المستثنى فلا نسخ وإنما هو تخصيص بمتصل ، وكون ذلك يقتضي مشروعية القتال بمكة ليس بصحيح لأنه مسكوت عنه فتأمل .
/ وقرأ ابن عباس { إِلاَّ بالتي } الخ ، على أن { إِلا } حرف تنبيه واستفتاح ، والتقدير ألا جادلوهم بالتي هي أحسن { وَقُولُواْ ءامَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا } من القرءان { وَ } الذي { الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ } أي وبالذي أنزل إليكم من التوراة والإنجيل ، وهذا القول نوع من المجادلة بالتي هي أحسن ، وعن سفيان بن حسين أنه قال : هذه مجادلتهم بالتي هي أحسن .
وأخرج البخاري . والنسائي . وغيرهما عن أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرؤون الكتاب بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا ءامنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم » الآية ، والتصديق والتكذيب ليسا نقيضين فيجوز ارتفاعهما .
{ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ } لا شريك له في الألوهية { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي مطيعون خاصة كما يؤذن بذلك تقديم { لَهُ } ، وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله تعالى .
{ 46 } { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }
ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب ، إذا كانت من غير بصيرة من المجادل ، أو بغير قاعدة مرضية ، وأن لا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن ، بحسن خلق ولطف ولين كلام ، ودعوة إلى الحق وتحسينه ، ورد عن الباطل وتهجينه ، بأقرب طريق موصل لذلك ، وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو ، بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق ، إلا من ظلم من أهل الكتاب ، بأن ظهر من قصده وحاله ، أنه لا إرادة له في الحق ، وإنما يجادل على وجه المشاغبة والمغالبة ، فهذا لا فائدة في جداله ، لأن المقصود منها ضائع .
{ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ } أي : ولتكن مجادلتكم لأهل الكتاب مبنية على الإيمان بما أنزل إليكم وأنزل إليهم ، وعلى الإيمان برسولكم ورسولهم ، وعلى أن الإله واحد ، ولا تكن مناظرتكم إياهم [ على وجه ] يحصل به{[626]} القدح في شيء من الكتب الإلهية ، أو بأحد من الرسل ، كما يفعله الجاهل عند مناظرة الخصوم ، يقدح بجميع ما معهم ، من حق وباطل ، فهذا ظلم ، وخروج عن الواجب وآداب النظر ، فإن الواجب ، أن يرد ما مع الخصم من الباطل ، ويقبل ما معه من الحق ، ولا يرد الحق لأجل قوله ، ولو كان كافرا . وأيضا ، فإن بناء مناظرة أهل الكتاب ، على هذا الطريق ، فيه إلزام لهم بالإقرار بالقرآن ، وبالرسول الذي جاء به ، فإنه إذا تكلم في الأصول الدينية التي اتفقت عليها الأنبياء والكتب ، وتقررت عند المتناظرين ، وثبتت حقائقها عندهما ، وكانت الكتب السابقة والمرسلون مع القرآن ومحمد صلى اللّه عليه وسلم قد بينتها ودلت عليها وأخبرت بها ، فإنه يلزم التصديق بالكتب كلها ، والرسل كلهم ، وهذا من خصائص الإسلام .
فأما أن يقال : نؤمن بما دل عليه الكتاب الفلاني ، دون الكتاب الفلاني وهو الحق الذي صدق ما قبله ، فهذا ظلم وجور ، وهو يرجع إلى قوله بالتكذيب ، لأنه إذا كذب القرآن الدال عليها ، المصدق لما بين يديه من التوراة ، فإنه مكذب لما زعم أنه به مؤمن .
وأيضا ، فإن كل طريق تثبت به{[627]} نبوة أي : نبي كان ، فإن مثلها وأعظم منها ، دالة على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكل شبهة يقدح بها في نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإن مثلها أو أعظم منها ، يمكن توجيهها إلى نبوة غيره ، فإذا ثبت بطلانها في غيره ، فثبوت بطلانها في حقه صلى اللّه عليه وسلم أظهر وأظهر .
وقوله : { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي : منقادون مستسلمون لأمره . ومن آمن به ، واتخذه إلها ، وآمن بجميع كتبه ورسله ، وانقاد للّه واتبع رسله ، فهو السعيد ، ومن انحرف عن هذا الطريق ، فهو الشقي .
قوله تعالى :{ ولا تجادلوا أهل الكتاب } لا تخاصموهم ، { إلا بالتي هي أحسن } أي : بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه ، وأراد من قبل الجزية منهم ، { إلا الذين ظلموا منهم } أي : أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب ، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ، ومجاز الآية : إلا الذين ظلموكم ، لأن جميعهم ظالم بالكفر . وقال سعيد بن جبير : هم أهل الحرب ومن لا عهد له . قال قتادة ومقاتل : صارت منسوخة بقوله : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم } يريد إذا أخبركم واحد منهم من قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عليه ، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم . { وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون }
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا محمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا محمد بن يسار ، أنبأنا عثمان بن عمر ، أنبأنا علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : { كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم " .
أخبرناا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أنبأنا عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز ، أنبأنا محمد بن زكريا العذافري ، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، أنبأنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر بن الزهري ، أنبأنا ابن أبي نملة الأنصاري أن أباه أبا نملة الأنصاري أخبره : " أنه بينا هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء رجل من اليهود ومر بجنازة ، فقال : يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أعلم ، فقال اليهودي : إنها تتكلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله ، فإن كان باطلاً لم تصدقوه وإن كان حقاً لم تكذبوه " .