روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (86)

{ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط } أي طريق من الطرق الحسية { تُوعَدُونَ } أي تخوفون من آمن بالقتل كما نقل عن الحسن وقتادة ومجاهد وروي عن ابن عباس أن بلادهم كانت يسيرة وكان الناس يمتارون منهم فكانوا يقعدون على الطريق ويخوفون الناس أن يأتوا شعيباً ويقولون لهم : إنه كذاب فلا يفتنكم عن دينكم . ويجوز أن يكون القعود على الصراط خارجاً مخرج التمثيل كما فيما حكي عن قول الشيطان : { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم } [ الأعراف : 16 ] أي ولا تقعدوا بكل طريق من طرق الدين كالشيطان ، وإليه يشير ما روي عن مجاهد أيضاً . والكلية مع أن دين الله الحق واحد باعتبار تشعبه إلى معارف وحدود وأحكام وكانوا إذا رأوا أحداً يشرع في شيء منها منعوه بكل ما يمكن من الحيل . وقيل : كانوا يقطعون الطريق فنهوا عن ذلك . وروي ذلك عن أبي هريرة وعبد الرحمن بن زيد ، ولعل المراد به ما يرجع إلى أحد القولين الأولين وإلا ففيه خفاء وإن قيل : إن في الآية عليه مبالغة في الوعيد وتغليظ ما كانوا يرومونه من قطع السبيل .

{ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } أي الطريق الموصلة إليه وهي الإيمان أو السبيل الذي قعدوا عليه فوضع المظهر موضع المضمر بياناً لكل صراط ( و ) دلالة على عظم ما ( يصدون عنه ) وتقبيحاً لما كانوا عليه ، وقوله سبحانه : { مَنْ ءامَنَ بِهِ } مفعول { تَصُدُّونَ } على إعمال الأقرب لا { تُوعَدُونَ } خلافاً لما يوهمه كلام الزمخشري إذ يجب عند الجمهور في مثل ذلك حينئذٍ إظهار ضمير الثاني . ولا يجوز حذفه إلا في ضرورة الشعر فيلزم أن يقال : تصدونهم وإذا جعل { تَصُدُّونَ } بمعنى تعرضون يصير لازماً ولا يكون مما نحن فيه . وضمير { بِهِ } لله تعالى أو لكل صراط أو سبيل الله تعالى لأن السبيل يذكر ويؤنث كما قيل ، وجملة { تُوعَدُونَ } وما عطف عليه في موضع الحال من ضمير { تَقْعُدُواْ } أي موعدين وصادين : وقيل : هي على التفسير الأول استئناف بياني ، والأظهر ما ذكرنا .

{ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي وتطلبون لسبيل الله تعالى عوجاً بإلقاء الشبه أو بوصفها للناس بما ينقصها وهي أبعد من شائبة الإعوجاج : وهذا إخبار فيه معنى التوبيخ وقد يكون تهكماً بهم حيث طلبوا ما هو محال إذ طريق الحق لا يعوج . وفي الكلام ترق كأنه قيل : ما كفاكم أنكم توعدون الناس على متابعة الحق وتصدونهم عن سبيل الله تعالى حتى تصفونه بالاعوجاج ليكون الصد بالبرهان والدليل . وعلى ما روي عن أبي هريرة وابن زيد جاء أن يراد بتبغونها عوجاً عيشهم في الأرض واعوجاج الطريق عبارة عن فوات أمنها . وذكر الطيبي أن معنى هذا الطلب حينئذٍ معنى اللام في قوله سبحانه :

{ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [ القصص : 8 ] وعلى سائر الأوجه في الكلام الحذف والإيصال .

{ واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً } عددكم { فَكَثَّرَكُمْ } فوفر عددكم بالبركة في النسل كما روي عن ابن عباس . وحكي أن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله تعالى في نسلها البركة والنماء فكثروا وفشوا . وجوز الزجاج أن يكون المعنى إذ كنتم مقلين فقراء فجعلكم مكثرين موسرين ، أو كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد . و { إِذْ } مفعول { اذكروا } أو ظرف لمقدر كالحادث أو النعم أي أذكروا ذلك الوقت أو ما فيه { وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } أي آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود واعتبروا بهم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (86)

{ وَلَا تَقْعُدُوا ْ } للناس { بِكُلِّ صِرَاطٍ ْ } أي : طريق من الطرق التي يكثر سلوكها ، تحذرون الناس منها { و ْ } { تُوعَدُونَ ْ } من سلكها { وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ْ } من أراد الاهتداء به { وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ْ } أي : تبغون سبيل اللّه تكون معوجة ، وتميلونها اتباعا لأهوائكم ، وقد كان الواجب عليكم وعلى غيركم الاحترام والتعظيم للسبيل التي نصبها اللّه لعباده ليسلكوها إلى مرضاته ودار كرامته ، ورحمهم بها أعظم رحمة ، وتصدون لنصرتها والدعوة إليها والذب عنها ، لا أن تكونوا أنتم قطاع طريقها ، الصادين الناس عنها ، فإن هذا كفر لنعمة اللّه ومحادة للّه ، وجعل أقوم الطرق وأعدلها مائلة ، وتشنعون على من سلكها .

{ وَاذْكُرُوا ْ } نعمة اللّه عليكم { إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ْ } أي : نماكم بما أنعم عليكم من الزوجات والنسل ، والصحة ، وأنه ما ابتلاكم بوباء أو أمراض من الأمراض المقللة لكم ، ولا سلط عليكم عدوا يجتاحكم ولا فرقكم في الأرض ، بل أنعم عليكم باجتماعكم ، وإدرار الأرزاق وكثرة النسل .

{ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ْ } فإنكم لا تجدون في جموعهم إلا الشتات ، ولا في ربوعهم إلا الوحشة والانبتات ولم يورثوا ذكرا حسنا ، بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة ، ويوم القيامة أشد خزيا وفضيحة .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (86)

قوله تعالى : { ولا تقعدوا بكل صراط } ، أي : على كل طريق .

قوله تعالى : { توعدون } ، تهددون .

قوله تعالى : { وتصدون عن سبيل الله } ، دين الله .

قوله تعالى : { من آمن به وتبغونها عوجاً } ، زيغاً ، وقيل : تطلبون الاعوجاج في الدين ، والعدول عن القصد ، وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطريق فيقولون لمن يريد الإيمان بشعيب : إن شعيب كذاب فلا يفتننك عن دينك ، ويتوعدون المؤمنين بالقتل ويخوفونهم ، وقال السدي : كانوا عشارين . { واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم } ، فكثر عددكم .

قوله تعالى : { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } ، أي : آخر أمر قوم لوط .